تحول مبنى وزارة الخارجية المصرية المطل على نهر النيل بجوار ماسبيرو من مجرد مقر حكومي قديم إلى رمز تاريخي للدبلوماسية المصرية، وذاكرة حية لأجيال متعاقبة من السفراء والدبلوماسيين الذين ارتبطت مسيرتهم المهنية بهذا الصرح العريق.
​
​
ومع تداول أنباء إخلاء المقر وتسليمه لجهة غير معلومة، تتصاعد التساؤلات الشعبية حول مصيره النهائي، وطبيعة الجهة المستحوذة عليه، وما إذا كان سيظل مرفقا عاما للدولة أم سيتحول قريبا إلى مشروع استثماري خاص.
​
​
تساؤلات حول مصير صرح الدبلوماسية المصرية
​
​
وفي هذا السياق، فجر مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد مرسي، هذه القضية عبر موقع فيسبوك، معلنا أن المبنى المجاور لماسبيرو سيخلى خلال أيام قليلة تمهيدا لتسليمه إلى جهة لم يسمها، بعد الانتقال للعاصمة الجديدة.
​
​
وعبر السفير محمد مرسي عن حزنه الشديد من قرار نقل مبنى وزارة الخارجية وتسليمه لجهة ما، بعدما ظل لعقود طويلة مصنعا وطنيا عريقا لتخريج رجال الدبلوماسية المصرية العريقة، وسط تفاعل واسع عبر منصة إكس.
​
​
​
​

ومن ناحية أخرى، تتجاوز هذه القضية مسألة الانتقال الإداري الروتيني من مبنى إلى آخر، إذ تطرح تساؤلات جوهرية حول مصير أبرز المباني الحكومية المطلة على النيل، والمعايير الحاكمة للتصرف في الأصول العامة ومدى شفافيتها.
​
​
وعلاوة على ذلك، تكتسب المخاوف بشأن مصير المبنى أهمية إضافية في ضوء سياسة نقل مقار الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة، وما أعقبها من توجه حكومي واضح لاستغلال المباني والأراضي المخلاة في منطقة وسط القاهرة.
​
​
وجدير بالذكر أن تقارير صحفية ذكرت في يناير 2024 أن ملكية عدد من المقار الحكومية، بينها مقر وزارة الخارجية، نقلت إلى صندوق مصر السيادي تمهيدا لإعادة توظيفها استثماريا أو طرحها مباشرة أمام المستثمرين.
​
​
وبناء على ذلك، لم يعد السؤال مقتصرا على سبب نقل الوزارة للعاصمة الجديدة، بل امتد ليشمل مصير العقار ذي الموقع الاستثنائي على النيل، وإمكانية تحويله لفندق أو مشروع تجاري، وهوية المستفيد والمقابل المالي.
​
​
وفي السياق ذاته، أعاد تداول تصريحات رجل الأعمال نجيب ساويرس بشأن تحويل مبنى وزارة الخارجية إلى فندق الجدل حول مستقبل العقار، باعتبار الاستخدام الاستثماري أحد الخيارات المتداولة، رغم عدم إثبات شرائه للعقار أو وساطته.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، تداول ناشطون اتهامات ببيع المبنى للإمارات وربطوا ذلك بالتوسع الاستثماري الإماراتي في العقارات المصرية، غير أن المعلومات المتاحة لا تكفي للجزم بإتمام الصفقة، مما يستوجب كشف الجهة المستفيدة وشروط التعاقد لحسم الجدل.
​
​
غضب واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي
​
​
وعلى صعيد متصل، أكد المغرد خالد الصريتي عبر حسابه أن مبنى وزارة الخارجية الذي باعه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ليس مجرد حجارة، بل هو تاريخ تم إنشاؤه والانتقال إليه عام 1994 لتسجيل مواقف مصر.
​
​
​
ومن جانبه، عبر الكاتب والباحث خالد عزب عبر حسابه @khaleda79442809 عن البعد الرمزي للقضية، معتبرا أن المباني العامة تعبر عن هوية الدولة وتاريخها، محذرا من فقدان مبنى ترسخ حضوره بوصفه رمزا للدبلوماسية المصرية على النيل.
​
​
وفي المقابل، اعترضت الناشطة رانيا الخطيب عبر حسابها @ElkhateebRania على قرار الانتقال، مؤكدة أن وزارة الخارجية لم يكن مفترضا انتقالها للعاصمة الجديدة في الصحراء، لأن مبناها القديم فخم ولائق بتمثيل مصر على نهر النيل.
​
​
​
​

وعلى النقيض من ذلك، رأى صاحب الحساب @XnfLp أن موقع المبنى المطل على النيل يجعله مناسبا للاستخدام الفندقي والسياحي، معتبرا أن انتقال الوزارة للعاصمة الإدارية يفسر إخلاء المقر القديم واستغلاله كفرصة استثمارية متميزة.
​
​
ولكن من زاوية أخرى، يعارض كثيرون هذا التوجه الاستثماري، حيث يعتبرون أن تحويل مقر وزارة الخارجية التاريخي إلى مشروع تجاري أو فندقي يمثل خسارة فادحة لرمزيته الوطنية ومكانته الراسخة في وجدان الشعب المصري.
​
​
وإلى جانب ذلك، شدد صاحب الحساب @emadshoaib74 على ضرورة نقل المعلومة كاملة وعدم الخلط بين إخلاء المبنى وتسليمه لجهة مجهولة، مشيرا إلى أن إثبات الإخلاء لا يكفي وحده لإثبات البيع أو تحديد المالك الجديد.
​
​
كواليس نقل المقر وغياب الشفافية الرسمية
​
​
وبالعودة إلى البدايات، اتضحت ملامح المفارقة منذ عام 2020، حين استعدت حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لنقل الوزارات للعاصمة الجديدة، ضمن مشروع الحي الحكومي بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 50 مليار جنيه، وفق تصريحات رسمية في نوفمبر 2020.

 

وفي غضون ذلك، وتحديدا في 8 سبتمبر 2020، زار وزير الخارجية آنذاك سامح شكري مقر الوزارة الجديد بالعاصمة الإدارية، وفق إعلان شركة سياك المنفذة للمشروع، والتي لم تتضمن بياناتها المنشورة أي تكلفة مالية مستقلة للمبنى.
​
​
ووفقا لبيانات الشركة، تبلغ مساحة المبنى الإجمالية نحو 84 ألف متر مربع، ويتكون المقر الجديد من طابقين سفليين وطابق أرضي و 9 طوابق علوية، ليكون مقرا بديلا عن المبنى التاريخي المطل على نهر النيل.
​
​
ورغم ذلك، لم تنتقل الوزارة فورا، ففي 17 أغسطس 2023 تفقد سامح شكري المبنى مجددا، وأعلنت الوزارة دخول الأعمال مراحلها النهائية، شاملة تجهيز شبكات المعلومات والاتصالات وقاعات الاجتماعات ومكاتب الموظفين ومراكز الوثائق وجوازات السفر الدبلوماسية.
​
​
وبحلول مطلع عام 2024، انتقل مقر وزارة الخارجية رسميا من مبنى ماسبيرو إلى الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية، وفق الموقع الرسمي للوزارة، لتطوى بذلك صفحة المقر القديم الذي شهد إدارة ملفات السياسة الخارجية المصرية لعقود.
​
​
وبهذا التسلسل الزمني، يفصل بين زيارة الوزير للمبنى الجديد في سبتمبر 2020 والانتقال الفعلي نحو 3 سنوات و 4 أشهر، بينما يفصل بين جولة الاستعدادات النهائية في أغسطس 2023 والانتقال الفعلي بضعة أشهر فقط.
​
​
علاوة على ما سبق، نشرت صحيفة الشرق الأوسط في 24 يناير 2024 تقريرا يؤكد نقل ملكية مقار 13 وزارة، بينها مبنى الخارجية القديم، إلى صندوق مصر السيادي، بعد صدور قرار جمهوري بإزالة صفة النفع العام عنها.
​
​
فضلا عن ذلك، أشار التقرير الصحفي ذاته إلى أن إزالة صفة النفع العام جاءت تمهيدا لاستغلال تلك المقار بطرق مختلفة تشمل البيع أو الاستثمار، مع السماح للوزارات بشغل مقارها مجانا لحين انتقالها نهائيا للعاصمة.
​
​
وفي حقيقة الأمر، لا تكمن المشكلة في انتقال الوزارة للعاصمة الإدارية، فالدول تطور مؤسساتها باستمرار، لكن الأزمة تبدأ حين يخلى مبنى تاريخي دون توضيح الجهة التي ستديره وطبيعة الاستخدام الجديد والقيمة المالية المتوقعة.
​
​
ومن هذا المنطلق، إذا كان الهدف تحقيق عائد للدولة، فمن حق المواطنين معرفة كيفية تقييم العقار، ووجود منافسة بين المستثمرين، وشروط البيع أو الانتفاع، ومصير العائدات، ومدى التزام المشروع الجديد بالحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري.
​
​
وفي نهاية المطاف، قد يكون إخلاء المبنى إجراء إداريا ضمن خطة حكومية، لكنه بالنسبة لدبلوماسيين قضوا سنوات حياتهم المهنية بين جدرانه، ولمصريين يرونه جزءا من هوية القاهرة، يمثل نهاية مرحلة تاريخية لمؤسسة سيادية.
​
​
وفي النهاية يبقى السؤال الجوهري الذي يستحق إجابة رسمية واضحة وشفافة أمام الرأي العام المصري هو: من سيتسلم مبنى الخارجية المصرية القديم، وبأي شروط مالية، ولماذا لا تعلن تفاصيل مصيره كاملة للمواطنين؟