سادت حالة بالغة من القلق والغضب أوساط آلاف الخريجين والمتقدمين لمسابقة التربية والتعليم، إثر الاستبعاد الجماعي الصادم لمرشحي الدفعة الخامسة من وظيفة معلم مساعد، بعد اجتيازهم شتى الاختبارات المقررة بنجاح تام.
كما تواجه منظومة التعليم تحديات متراكمة ترتبط بالعجز المتفاقم في أعداد الكوادر المدرسية، مما يزيد من صعوبة الموقف الميداني ويهدد استقرار الفصول الدراسية في مختلف المحافظات مع انطلاق كل فصل دراسي.
معايير مفاجئة تطيح بآمال المتقدمين
في هذا السياق، استندت خطة رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي المعلنة إلى سد العجز عبر تعيين 150 ألف معلم على مدار عدة سنوات، بواقع تعيين 30 ألف معلم سنويًا لإنقاذ المنظومة المنهارة.
علاوة على ذلك، سارت اختبارات الدفعات الـ 4 الأولى من المسابقة وفق محددات ثابتة ومعايير واضحة، إذ استقر الوزن النوعي والحد الأدنى المطلوب لاجتياز كافة مراحل التقييم عند نسبة 60% للمرشحين كافة.
غير أن الأزمة تفجرت بصورة دراماتيكية عقب إعلان الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء عن خطط حكومية موسعة، تستهدف تعيين أعداد مضاعفة تصل إلى 72 ألف معلم ضمن خطة المعالجة السريعة للعجز.
وبناءً على ذلك، أقدمت الجهات المختصة المشرفة على الاختبارات على رفع مفاجئ لمعدل الوزن النسبي ومجموع الدرجات، إذ رفعت الحد الأدنى المطلوب للقبول النهائي من 60% إلى 70% بصورة غير متوقعة تمامًا.
ونتيجة لهذا التعديل، استُبعد نحو 30 ألف متقدم ممن لم يحققوا النسبة المرتفعة الجديدة، على الرغم من نجاحهم الفعلي في اجتياز كافة المراحل السابقة، مما اعتبره المتسابقون تعديلًا جائرًا لقواعد التقييم المعتمدة.
والجدير بالذكر أن الوزن النوعي يمثل مجموع الدرجات الشاملة للمتقدم لشغل الوظيفة، حيث تضعه لجان الاختبارات عبر حساب متوسطات التقدير الجامعي، والكشف الطبي، والاختبار الرياضي، وكشف الهيئة من إجمالي 100 درجة.
ومن هذا المنطلق، واجه المستبعدون صدمة نفسية قاسية وأعباء معنوية بالغة عقب تبدد سنوات الصبر والانتظار، لا سيما بعدما استعدت آلاف الأسر للاحتفال بصدور قرارات التعيين الرسمية بعد رحلة كفاح مضنية.
حيث تجسدت المعاناة في قصة متقدمة تجاوز عمرها 40 عامًا، ظلت تنتظر فرصة التعيين منذ عام 2014 ضمن القوائم الاحتياطية لمسابقة الـ 30 ألف معلم الأولى، دون أن تفقد الأمل في الإنصاف.
فضلاً عن ذلك، قضت تلك المتقدمة قرابة عامين كاملين في اجتياز محطات الدفعة الخامسة الشاقة، لتفاجأ في النهاية بعبارة غير مقبول بعد رفع النسبة، رغم شروعها الفعلي في تجهيز مسوغات التعيين الرسمية.
تفاقم العجز وتصاعد مطالب التعيين
في غضون ذلك، أكدت المتسابقة استحالة قدرتها على خوض دوامة التدريبات الرياضية والبدنية العنيفة مجددًا، في ظل تقدم سنها وظروفها الصحية، مشددة على أن تعديل الشروط أهدر مجهوداتها الطويلة بلا أي ذنب.
وانطلاقاً من تلك الوقائع، أطلق المتقدمون المتضررون نداءات استغاثة عاجلة تطالب بإقرار التعيين المباشر لمن اجتازوا المراحل الأساسية، لوقف النزيف النفسي والمالي الذي يطال آلاف العائلات الواقعة تحت وطأة القهر المستمر.
إلى جانب ذلك، يعيش قطاع التعليم في مصر أزمة حادة وغير مسبوقة، إذ تؤكد المؤشرات الميدانية أن حجم العجز الإجمالي في المعلمين يقترب حاليًا من حاجز 500 ألف معلم داخل المدارس.
وفي المقابل، تتصاعد المخاوف المجتمعية والتربوية بشأن جدوى الاعتماد على نظام معلم الحصة المؤقت لإنقاذ المدارس، بسبب غياب الاستقرار الوظيفي وضعف المقابل المادي الذي يحول دون خلق بيئة تعليمية جاذبة ومستقرة.
وعلى صعيد متصل، تبرز معضلة الاغتراب الإجباري كأحد أكبر التحديات المؤرقة للمعلمين الجدد، إذ تفرض التعيينات في محافظات نائية تكاليف باهظة للسفر والإقامة تلتهم القسم الأكبر من رواتبهم الشهرية المتواضعة.
وتأسيساً على ذلك، تتزايد الضغوط لفرض قواعد التوزيع الجغرافي العادل للمرشحين المقبولين، ومراعاة الروابط الأسرية للمعلمات لتجنيبهن مخاطر الطرق اليومية وتأمين بيئة عمل مستقرة تعزز من أدائهن التربوي داخل الفصول.
بالتوازي مع ذلك، يرى خبراء التعليم أن استبعاد الكفاءات الشابة يمثل إهدارًا فادحًا للثروة البشرية المؤهلة، في وقت تلجأ فيه الوزارة للاستعانة بجهود أصحاب المعاشات كمسكنات وقتية لا تعالج الخلل القائم.
بناءً على ما سبق، يعتبر أولياء الأمور أن إقصاء 30 ألف متقدم ناجح يضاعف أزمة الكثافات الطلابية المرتفعة، ويعمق معاناة المدارس الحكومية التي تفتقر لأبسط متطلبات الكادر التعليمي المتخصص والمدرب بكفاءة.
ومن زاوية أخرى، يؤكد المتضررون أن استيفاء متطلبات التقديم والتقييم واختبارات الكلية الحربية الصارمة يمنحهم حقًا مكتسبًا لا يجوز نقضه بقرارات إدارية مفاجئة تخالف الوعود الحكومية الصادرة بحقهم طوال شهور المسابقة.
تحركات نيابية ومقترحات الحلول البديلة
وتفاعلاً مع الأزمة، تقدمت النائبة شذا أحمد حبيب، أمين سر لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، بطلب إحاطة رسمي موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير التربية والتعليم، ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
وفي تفاصيل التحرك، طرح هذا الطلب تساؤلات برلمانية حاسمة حول أسباب استبعاد آلاف المتقدمين، على الرغم من نجاحهم المثبت في الاختبارات الإلكترونية والتدريبات البدنية والفحوصات الطبية، ووصولهم بكفاءة للمراحل النهائية للاختيار.
من جانبها، حثت النائبة الحكومة على سرعة إعلان كافة المبررات بشفافية مطلقة، مع المطالبة الفورية بفتح باب التظلمات الرسمية لمراجعة النتائج، وإقرار معايير عادلة تضمن مبدأ تكافؤ الفرص لكافة المتقدمين دون تمييز.
وفي إطار الحلول، اقترحت البرلمانية إعادة النظر في قواعد الوزن النوعي للدرجات، أو خفض نسبة الاجتياز المقررة إلى 65 درجة كحد أدنى، بما يتيح استيعاب أكبر شريحة ممكنة من الكوادر التعليمية المبعدة.
وعلى الصعيد النيابي، شددت النائبة على ضرورة إحالة الملف إلى لجنة التعليم والبحث العلمي بالبرلمان لمناقشته بحضور الوزراء المعنيين، مؤكدة أن عجز المدارس يستوجب الاستفادة الفورية من كل طاقة بشرية مؤهلة.
في المقابل أيضاً، أوضح الخبير التعليمي رفعت فياض أبعاد الموقف الراهن، مؤكدًا أن وزارة التربية والتعليم تمثل المحطة الإدارية الأخيرة، ولا يد لها في تعديل نسب الوزن النوعي التي تقرها جهات التقييم.
وعلى نحو إيجابي، أكد فياض صدور توجيهات رسمية تقضي بإخطار المستبعدين لتمكينهم من فرصة ثانية، تتيح لهم إعادة الاختبارات في الجوانب التي لم يستوفوا درجاتها المحددة، لا سيما في الاختبارات الرياضية والبدنية.
من جهته، طمأن الخبير التعليمي جموع المتسابقين بأن اجتياز الاختبارات التكميلية يضمن التعيين الفوري بالتنسيق مع الجهات المختصة بصرف النظر عن العدد النهائي، مع احتفاظ غير الموفقين بحقهم في التقديم للمسابقات المقبلة.
وختاماً لهذا المشهد، اعتبر فياض أن فرصة الإعادة تمنح بارقة أمل لآلاف المستبعدين لانتزاع حقهم المشروع، وتوفر للدولة مسارًا عمليًا لتقليص فجوة العجز المدرسي بضم معلمين أثبتوا استحقاقهم للمنصب بجدارة وكفاءة.

