تتصاعد نبرة التخلي الحكومي عن الالتزامات الاجتماعية الأساسية في مصر عقب إقرار قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بعجز الدولة التام عن سداد التكلفة الفعلية للوقود والكهرباء خلال مناقشات منتدى مصر 2026.
​
​
وبالتوازي مع هذا الإقرار، تتجه السلطة نحو تحميل الشارع فاتورة إخفاقاتها المالية عبر طرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ثلاثة مسارات قاسية تتراوح بين الغلاء الشامل أو الاستدانة المفرطة أو إظلام البلاد.
​
​
تصدير الأزمة المالية لجيب المواطن
​
​
وعلى صعيد متصل، اعتبر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أن تسعير المواد البترولية والكهرباء الحالي غير اقتصادي إطلاقاً، زاعماً أن التحدي يتجاوز قدرة الحكومة، لكنه لا يتجاوز قدرة المواطن المنهك مالياً.
​
​
ومن جهته، حاول مدبولي امتصاص الغضب الشعبي بالتأكيد يوم الخميس على استمرار تحمل الدولة النصيب الأكبر من التكلفة خلال الفترة القصيرة المقبلة، متجنباً إعلان موعد رسمي وحاسم لفرض الزيادات السعرية الجديدة.
​
​
وفي المقابل، تجري تحركات كواليس السلطة عكس تلك الوعود المؤقتة، إذ أكد اقتصاديون وبرلمانيون أن قرار رفع أسعار الكهرباء والمحروقات سيصدر فعلياً خلال الأسبوعين المقبلين لتغطية العجز المالي المتفاقم في الموازنة.
​
​
وعلاوة على ذلك، تستثمر الحكومة قفزة سعر برميل النفط العالمي إلى 110 دولارات مقابل 75 دولاراً مقدرة في الموازنة، لتبرير موجة الغلاء المرتقبة بالتزامن مع تهاوي قيمة الجنيه وشح العملة الصعبة.
​
​
كما يرتبط توقيت إقرار هذه الزيادات السعرية القاسية بانتهاء مناقشات البرلمان المقررة الأسبوع المقبل، والتي تبحث ملف مشاركة مصر عسكرياً في الحرب إلى جانب السعودية على الجبهة اليمنية المشتعلة حالياً.
​
​
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي عبدالحافظ الصاوي إن إلقاء عبء التمويل على عاتق المواطنين يمثل هروباً رسمياً من معالجة الخلل الهيكلي في إدارة موارد الدولة وتوجيهها نحو أولويات غير إنتاجية.
​
​
ويضيف الصاوي أن التذرع بالتقلبات الجيوسياسية العالمية لتبرير رفع أسعار الطاقة يتجاهل حقيقة تآكل الدخول الحقيقية للمصريين، والذين باتوا يدفعون ثمن غياب الرؤية الاقتصادية وتفاقم فاتورة الديون الخارجية والداخلية.
​
​
فضلاً عن ذلك، تواصل المجموعة الاقتصادية مع محافظ البنك المركزي عقد اجتماعات تستغرق يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً لتدبير السيولة اللازمة لاستيراد شحنات الطاقة التي تضاعفت تكلفتها مقارنة بما كانت عليه قبل عامين.
​
​
ثلاثية مدبولي بين الغلاء والإظلام
​
​
ومن ناحية أخرى، وضع مدبولي المصريين أمام خيارات صفرية قاسية، يتمثل أولها في تحميل المستهلكين كامل الزيادة الفعلية في تكاليف الوقود والكهرباء لرفع العبء المالي المباشر عن كاهل الموازنة العامة للدولة.
​
​
ونتيجة لذلك المسار، ستتضاعف نفقات الأسر المعيشية وتقفز تكاليف التشغيل والإنتاج والنقل في كافة القطاعات الحيوية، مما يهدد بإطلاق موجة تضخمية جديدة تلتهم ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطنين المفقرين.
​
​
أما الخيار الثاني الذي طرحه رئيس الحكومة، فيقوم على لجوء الدولة إلى مزيد من الاقتراض لتغطية فجوة التمويل، محذراً في الوقت ذاته من تضاعف أصل المبلغ المقترض خلال 7 سنوات بفعل الفوائد.
​
​
وبالإضافة إلى هذين المسارين، يبرز الخيار الثالث المتمثل في تجميد مخصصات الموازنة الحالية والاكتفاء بشراء المنتجات البترولية في حدود الموارد المالية المتاحة، ما يعني شللاً مباشراً في شرايين الحياة اليومية والخدمية.
​
​
ووفقاً لتقديرات مدبولي نفسه، فإن هذا السيناريو التقشفي لن يلبي سوى 50% إلى 60% فقط من احتياجات البلاد الفعلية، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى اختفاء الوقود من محطات التموين المنتشرة بالمحافظات.
​
​
وفوق ذلك كله، هدد رئيس الوزراء بأن نقص التمويل اللازم لتأمين الإمدادات سيجبر الدولة على العودة لسياسة تخفيف الأحمال وقطع التيار الكهربائي لفترات طويلة تتراوح بين 6 و 8 ساعات يومياً.
​
​
وإزاء هذه التهديدات، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي مصطفى كمال السيد أن تخيير الشعب بين الغلاء الفاحش أو انقطاع الكهرباء لـ 8 ساعات يعكس انسداد الأفق المالي وغياب الحلول التنموية الحقيقية.
​
​
ويؤكد السيد أن تحذير الحكومة من تضاعف القروض خلال 7 سنوات يمثل إدانة ذاتية لسياسات الاستدانة المفرطة التي اتبعتها السلطة طوال العقد الماضي، والتي التهمت فوائدها وأقساطها الجزء الأكبر من إيرادات الموازنة.
​
​
وبينما يتظاهر مجلس الوزراء بعدم تبني أي من الخيارات الـ 3 بشكل نهائي حتى الآن، فإن التناقض بين وعود التهدئة المؤقتة وإقرار العجز المالي التام يمهد الطريق لتمرير القرارات الأكثر إيلاماً للشارع.
​
​
أرقام الطاقة المتجددة تصطدم بالواقع

 

وفي غضون ذلك، سعى وزير الكهرباء محمود عصمت لتجميل المشهد باستعراض أرقام المنظومة، مشيراً إلى أن إجمالي القدرات الاسمية المركبة بالشبكة بلغ 64.4 غيغاوات، منها 10.5 غيغاوات للطاقة المتجددة و 1.1 غيغاوات لبطاريات التخزين.
​
​
وتابع عصمت أن مساهمة الطاقة المتجددة والتخزين وصلت إلى 18% من مزيج الطاقة، مفتخراً باستيعاب الشبكة حملاً أقصى غير مسبوق بلغ 40.2 غيغاوات في أغسطس 2026، رغم التهديدات الحكومية المتزامنة بقطع التيار.
​
​
وزعم الوزير أن تغيير أنماط التشغيل والاعتماد على المحطات الحرارية الأقل استهلاكاً خفض معدل استهلاك الوقود لإنتاج الكيلووات ساعة من 214.09 غراماً في 2014 إلى 174.57 غراماً حالياً، وسط تساؤلات حول أثر ذلك.
​
​
وبحسب الرواية الرسمية، أسهم هذا الانخفاض في توفير أكثر من 65 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي بقيمة اقتصادية تتجاوز 38 مليار دولار، وهي وفورات ضخمة لم تنعكس مطلقاً على تخفيف أعباء المواطنين.
​
​
وفي السياق ذاته، ادعى وزير المالية أحمد كجوك أن إجراءات الترشيد خفضت استهلاك الوقود والغاز بنسبة 20%، وحققت وفراً في الكهرباء بقيمة 7.8 مليارات جنيه، بجانب توفير وقود بنحو 250 مليون دولار عبر الطاقة المتجددة.
​
​
ورغم هذه الأرقام المعلنة، تقر الحكومة بأن انعكاس استثمارات الطاقة الشمسية والرياح على تقليص فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية يحتاج إلى وقت طويل، بينما تظل أزمة تمويل الإمدادات الحالية خانقة ومستمرة.
​
​
وتعليقاً على تلك البيانات، يوضح خبير هندسة الطاقة بجامعة الزقازيق محمد سليم أن امتلاك قدرات اسمية تبلغ 64.4 غيغاوات يفقد قيمته الفعلية حينما تعجز الدولة عن توفير الوقود اللازم لتشغيل تلك المحطات بكفاءتها.
​
​
ويشير سليم إلى أن الحديث عن وفر اقتصادي يتجاوز 38 مليار دولار و 7.8 مليارات جنيه يتناقض جذرياً مع إعلان العجز عن تدبير شحنات الوقود والتهديد بقطع الكهرباء لـ 8 ساعات يومياً.
​
​
وختاماً، يظهر هذا التضارب الصارخ بين بيانات الوفر المليارية وواقع الخزينة الخاوية أن أزمة الطاقة في مصر ليست مجرد نتاج لارتفاع برميل النفط إلى 110 دولارات، بل هي ثمرة لإدارة اقتصادية حملت المواطن وحده كلفة الفشل.