بدأت فعاليات منتدى مصر من التاسع عشر وتستمر حتى الرابع والعشرين من شهر أكتوبر الجاري، وسط ترويج رسمي واسع، في وقت يدرك فيه الجميع أن الاقتصاد لا يُدار بالمنتديات بل بالإنتاج الفعلي والسياسات الرشيدة والشفافية الغائبة تماماً.
​
​
وبينما تتوالى الجلسات لتقديم وعود مكررة تذكر بملتقيات سابقة كشرم الشيخ، يجد المواطن نفسه محاصراً بغلاء المعيشة وتآكل دخله، بعدما تبخرت تعهدات الرخاء المزعومة وتحولت إلى أعباء تثقل كاهل الأجيال الحالية والقادمة على حد سواء.
​
​
حلقة الاستدانة المفرغة وابتلاع الموارد 
​
​
إذ تحولت إدارة الالتزامات المالية وأعباء الديون إلى المحور الأساسي للسياسة الاقتصادية الراهنة، مما جعل البلاد تدور في حلقة مفرغة تبدأ بالاقتراض وتنتهي بالسداد وإعادة الاستدانة مجدداً دون إحداث أي تقدم ملموس على أرض الواقع.
​
​
ومن ثم، لم يعد الاقتراض وسيلة لتمويل مشروعات إنتاجية حقيقية تولد عوائد مستدامة، بل أضحى أداة لترقيع العجز ودفع استحقاقات القروض القديمة، في مسار متواصل يحذر منه الخبراء لما يحمله من مخاطر انهيار مالي شامل.
​
​
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور أشرف دوابة أن الهروب للأمام عبر إغراق الموازنة بأعباء الديون غير الإنتاجية يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، حيث تُستنزف الموارد العامة لسداد الفوائد وتتراجع مخصصات الخدمات الأساسية.
​
​
علاوة على ذلك، يوضح دوابة أن غياب الرقابة البرلمانية الحقيقية على خطط الاقتراض الخارجي يفرغ الخطط الرسمية من مضامينها، ويترك القرارات المصيرية رهينة أهواء سلطة تفتقر إلى رؤية اقتصادية شاملة وقادرة على مواجهة الاختلالات.
​
​
وبناءً عليه، يواجه الجنيه المصري ضغوطاً متواصلة نتيجة تراجع تدفقات العملات الصعبة المستدامة، مع الاعتماد المستمر على أموال ساخنة وودائع مؤقتة لا تسمن ولا تغني من جوع أمام التزامات دولية تتجاوز القدرة الفعلية على التحمل.
​
​
وعلى هذا الأساس، تلتهم خدمة الدين الجزء الأكبر من الموازنة العامة، مما يترتب عليه حرمان قطاعي الصحة والتعليم من التمويل اللازم، ليدفع الفقراء الثمن الباهظ لخيارات خاطئة تبناها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
​
​
فضلاً عن ذلك، تستمر السلطة في تحميل المجتمع كلفة سياساتها المتخبطة عبر خفض الدعم ورفع الرسوم الجمركية والخدمية، متجاهلة دعوات الخبراء الملحة لتبني إصلاح هيكلي يوقف نزيف العملة ويعيد جدولة الالتزامات المالية بصورة عادلة.
​
​
إضافة إلى ذلك، تعجز البرامج المعلنة عن تقديم حلول حقيقية لعجز الميزان التجاري المزمن، إذ يظل الاستيراد مهيمناً على حساب التصنيع المحلي، في مشهد يبرز الفجوة الكبيرة بين الشعارات الرنانة والنتائج الكارثية القائمة بالبلاد.
​
​
ونتيجة لذلك، تصبح دعوات المنتدى الجديد لمناقشة تدفقات العملة مجرد محاولة لكسب الوقت وتأجيل الانفجار الحتمي، في ظل إصرار كامل على النهج ذاته القائم على بيع الأصول العامة لتسديد ديون متراكمة لا تنتهي.
​
​
تغول المؤسسة العسكرية وتهميش الاستثمار
​
​
ومن جهة أخرى، يصطدم الحديث الرسمي عن تشجيع الاستثمار الصناعي بتناقضات صارخة على أرض الواقع، حيث تتمدد الكيانات التابعة للجيش في مختلف القطاعات التجارية والخدمية لتلتهم حصص الشركات المدنية وتصادر الفرص الاستثمارية المستقلة.
​
​
وعلاوة على هذا، تمنح التسهيلات الضريبية والجمركية غير المسبوقة للمشروعات العسكرية ميزة تفضيلية تقضي على مبدأ المنافسة المتكافئة، وتدفع الشركات المحلية والعالمية إلى التراجع والانسحاب من السوق لغياب بيئة العمل العادلة والشفافة.
​
​
وفي هذا الصدد، يوضح الكاتب والمحلل السياسي قطب العربي أن احتكار المؤسسة العسكرية لمفاصل الاقتصاد يشل حركة رأس المال الوطني، ويحول قطاعات الإنتاج الحيوية إلى إقطاعيات مغلقة تعطل التطور التكنولوجي والإداري المطلوب للنمو.
​
​
وفضلاً عن ذلك، يرى العربي أن الاعتماد على المجندين كعمالة مجانية في المشروعات الاقتصادية لا يمثل انتهاكاً لحقوق العمل فحسب، بل يضرب العدالة الإنتاجية في مقتل، ويحرم الشباب المدنيين من فرص التوظيف بأجور كريمة.
​
​
وبالتبعية، يتقلص دور رجال الأعمال الوطنيين بعدما تحول القطاع الخاص من شريك في التنمية إلى تابع يعيش على مقاولات الباطن، مما أدى إلى هروب استثمارات بمليارات الدولارات نحو أسواق إقليمية توفر ضمانات حقيقية للمستثمرين.
​
​
وعلى صعيد متصل، تعطل الهيمنة العسكرية إمكانية تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القطاعات التحويلية والتكنولوجية، حيث تحجم الصناديق الدولية عن ضخ أموالها في بيئة تحتكرها أجهزة غير خاضعة لأي مراجعة أو تدقيق مالي مستقل.
​
​
وفي المقابل، تصبح الوعود المتكررة بطرح شركات تابعة للجيش في البورصة مناورة مكشوفة لتسكين غضب الدائنين الدوليين، دون تنازل فعلي عن السيطرة المطلقة على مقدرات الاقتصاد وثروات الشعب التي تحولت إلى امتيازات لفئة محدودة.

 

وبناءً على هذه المعطيات، تتسع دائرة البطالة وتتراجع معدلات التشغيل في المدن والقرى، إذ يعجز النموذج الاحتكاري المفروض عن خلق فرص عمل كافية لملايين الخريجين الذين يتكدسون سنوياً في طوابير اليأس والإحباط المتزايد.
​
​
وجدير بالذكر أن أي حديث رسمي عن إصلاح بيئة الأعمال يظل هراءً لا قيمة له، طالما استمر تدخل الجنرالات في استيراد وتوزيع السلع التموينية بدلاً من التفرغ لمهمتهم الأساسية في حماية الحدود وصيانة الأمن.
​
​
الاستبداد السياسي وانهيار رؤية التطوير
​
​
وعلاوة على ما سبق، يبرهن الواقع على استحالة بناء نهضة صناعية وتنموية مستدامة في ظل مناخ سياسي استبدادي يصادر الحريات، ويغيب فيه حكم القانون وتتحول فيه القرارات الاستراتيجية إلى مراسيم فردية محصنة ضد أي نقاش.
​
​
وفي السياق ذاته، يشدد أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن نافعة على أن الكبت وملاحقة العقول المفكرة يقودان حتماً إلى الشلل التام، مؤكداً أن غياب الشفافية والمساءلة يعد العائق الأول أمام أي تعافٍ اقتصادي حقيقي منشود.
​
​
وبناءً على رؤية نافعة، فإن إقصاء الكفاءات وتغييب أصحاب الخبرة خلف القضبان أو دفعهم للهجرة يحرم الدولة من ركائز التنمية، ويحول مؤسسات التخطيط إلى أجهزة شكلية تردد تعليمات الأجهزة الأمنية بدلاً من وضع استراتيجيات علمية.
​
​
ومن هذا المنطلق، تبرز هشاشة البرامج المعلنة تحت لافتة رؤية عشرين ثلاثين، بعدما تحولت إلى حبر على ورق يصطدم بواقع تدهور الخدمات وارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء بمعدلات جنونية تثقل كاهل قطاعات التصنيع المحلي بالبلاد.
​
​
وعلى خلفية ذلك، ترتفع تكاليف الإنتاج لتفقد المنتجات المحلية قدرتها التنافسية داخلياً وخارجياً، مما يفاقم من أزمة الطاقة التي تُدار بارتجال كامل يلقي بأعباء العجز المالي مباشرة على عاتق المستهلكين وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
​
​
ومن المفارقات الصارخة، أن تدعو السلطات إلى جلسات تشاور شكلية بينما تتجاهل التحذيرات من تداعيات الغلاء، وتواصل إهدار مليارات الجنيهات في مشروعات دعائية باذخة لا تقدم أدنى مردود يلبي الحاجات الضرورية والملحة لأغلبية المواطنين.
​
​
وإلى جانب ذلك، يعيش المواطن حالة من التغريب داخل وطنه حين يُطالب صباح مساء بالصبر والتقشف، في الوقت الذي تتكدس فيه المكاسب لدى النخب الحاكمة وتُعرض فيه الأصول الحيوية للبيع العاجل لتسديد فوائد القروض.
​
​
وتأسيساً على هذا، تفقد الوعود المستقبلية مصداقيتها تماماً لدى الشارع الذي سئم الخطابات، وبات يتطلع إلى خطوات ملموسة تنهي التدهور المعيشي وتعيد توزيع الثروة بعدالة تضمن للإنسان كرامته وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية المسلوبة.
​
​
وفي المحصلة النهائية، يتأكد أن الخروج من المأزق الاقتصادي الراهن يتطلب تغييراً جذرياً في النهج السياسي وإطلاق الحريات، فالنهوض الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق إلا في مجتمع حر يمتلك القدرة الكاملة على محاسبة المسؤولين.