تتصدر التحذيرات الرسمية من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي المشهد السياسي خلال انطلاق أعمال منتدى مصر 2026 في العاصمة الجديدة بحضور كبار مسؤولي الحكومة والوزراء.

 

وبالتزامن مع ذلك، تطرح دعوات الترشيد والوسطية تساؤلات جوهرية بالشارع حول أولويات الإنفاق العام في ظل التوسع المستمر ببناء المقرات الرئاسية وشراء الطائرات الفاخرة.

 

 

توظيف أحداث يناير لتقييد الفضاء الرقمي

 

علاوة على ما سبق، حذر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي من استخدام المنصات الرقمية في شحن المواطنين، رابطًا بين الفضاء الإلكتروني وبين تداعيات أحداث يناير 2011.

 

ومن هذا المنطلق، تسعى السلطة إلى استدعاء مخاوف عدم الاستقرار السياسي لدى الأجيال الشابة التي لم تعاصر تلك المرحلة، بهدف تبرير السياسات الأمنية وتطويق النقاشات.

 

وفي هذا السياق، يلقي الخطاب الرسمي بمسؤولية الرقابة الرقمية على عاتق الأسر المصرية، متجاهلًا الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي تدفع الشباب للتعبير عن غضبهم إلكترونيًا.

 

وبناءً على ذلك، يرى الدكتور عمار علي حسن، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن السلطة تستخدم فزاعة الفوضى لتأميم المجال العام ومصادرة حق التعبير الحر.

 

كما يؤكد حسن أن محاولات عزل المواطنين عن التفاعل الرقمي تعكس خشية النظام من تشكل وعي جماعي مستقل يتجاوز الرواية الرسمية المحتكرة لوسائل الإعلام التقليدية.

 

وفضلًا عن ذلك، فإن اختزال الأزمات الهيكلية في مجرد مؤامرات إلكترونية تستهدف هدم الدولة يمثل هروبًا واضحًا من مواجهة الاستحقاقات السياسية ومطالب الإصلاح الديمقراطي الشامل.

 

إلى جانب ذلك، جاءت هذه التحذيرات بعد أيام قليلة من تصريحات رسمية في أبريل حول عدم المساس بالدستور، مما يعكس رغبة في تهدئة التوترات المكتومة.

 

وهكذا، يتحول التحذير من التكنولوجيا إلى أداة ضبط سياسي تهدف إلى تجريم التفاعل الشعبي المستقل، ووصم أي حراك مجتمعي سلمي بأنه تهديد مباشر لكيان الدولة.

 

ومن ثم، يفقد الحوار المجتمعي المعلن في المؤتمرات الرسمية جدواه الحقيقية حينما يقترن بتخوين المنصات البديلة التي يلجأ إليها المواطنون لنقل شواغلهم وأزماتهم المعيشية اليومية.

 

 

خطاب التقشف أمام بناء القصور الرئاسية

 

وعلى صعيد آخر، طالب قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي المواطنين بالالتزام بالوسطية وعدم الإسراف في كافة مناحي الحياة، داعيًا إلى تحمل الظروف الاقتصادية الصعبة الحالية.

 

غير أن هذه الدعوات للتقشف تصطدم بواقع التوسع الحكومي في تشييد القصور والمقرات الرئاسية الفاخرة بالعاصمة الجديدة وغيرها، بتكلفة مالية تقدر بمليارات الجنيهات من الموازنة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، أثار استحواذ الرئاسة على طائرة بوينغ 747-8 المعروفة عالميًا باسم ملكة السماء، والتي تتجاوز قيمتها مئات الملايين من الدولارات، تساؤلات شعبية واسعة.

 

وفي المقابل، يعاني ملايين المصريين من تراجع حاد في القدرة الشرائية وتآكل الدخول جراء موجات التضخم المتتالية، مما يجعل حديث المسؤولين عن عدم الإسراف منفصلًا عن الواقع.

 

وفي هذا الإطار، يوضح الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن الإنفاق الحكومي البذخي على المشروعات غير الإنتاجية فاقم أزمة الديون الخارجية وأضعف قيمة العملة المحلية.

 

ويضيف الصاوي أن مطالبة الشعب بربط الأحزمة بينما تستمر السلطة في تمويل مظاهر الرفاهية الرئاسية تهدم الثقة المجتمعية في عدالة توزيع الأعباء الاقتصادية داخل البلاد.

 

وعلاوة على ذلك، يتذرع الخطاب الرسمي بالزيادة السكانية البالغة ثلاثين مليون نسمة منذ عام 2011 لتبرير تراجع مستوى الخدمات، متغافلًا عن غياب دراسات الجدوى الاقتصادية.

 

وبالتالي، يظهر التناقض جليًا بين شعارات التقشف الموجهة للجمهور وبين السلوك المالي للسلطة التي تمنح الأولوية للمشروعات المظهرية الضخمة على حساب قطاعي الصحة والتعليم الأساسيين.

 

ونتيجة لذلك، تتحول النصائح الرسمية حول الاعتدال المعيشي إلى مادة للجدل عبر المنصات الرقمية، وهو ما يفسر الانزعاج الحكومي المتزايد من تفاعل المواطنين على الإنترنت.

 

ولذلك، فإن غياب الشفافية والرقابة البرلمانية على المخصصات الرئاسية والمشروعات السيادية يفرغ دعوات الترشيد من مضمونها الأخلاقي، ويجعلها مجرد محاولة لدغدغة المشاعر وتبرير السياسات التقشفية.

 

 

جدوى المنتديات الحوارية بظل احتكار القرار

 

ومن جهة أخرى، انطلق منتدى مصر 2026 بمشاركة ثمانية آلاف شخص ومائة وخمسين صانع قرار تحت شعار نظرة لليوم رؤية للغد، لاستعراض إنجازات القطاعات الحكومية.

 

ويأتي هذا التجمع كثاني مبادرة حوارية يطلقها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بعد مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا إليه في أبريل 2022 وانطلق في مايو 2023.

 

إلا أن هذه المحافل الضخمة تفتقر إلى آليات تنفيذية ملزمة تترجم التوصيات والنقاشات إلى سياسات عامة قادرة على تغيير مسار القرارات الاقتصادية والاجتماعية أحادية الجانب.

 

وفي هذا الصدد، يشير الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أن المؤتمرات الرسمية تهيمن عليها النخب الموالية لتوجهات السلطة.

 

ويؤكد ربيع أن غياب التمثيل الحقيقي للقوى المستقلة واستمرار التضييق على المجال العام يحولان هذه المنتديات إلى منصات دعائية لاستعراض المشروعات الحكومية دون مساءلة حقيقية.

 

كما أن الإقرار الرسمي بأن المخاطر في اتخاذ القرارات السابقة كانت عالية يؤكد انفراد السلطة برسم السياسات المصيرية بمعزل عن المشاركة الشعبية والمؤسسية الفاعلة والمستقلة.

 

وفضلًا عن ذلك، فإن تنظيم هذه الفعاليات المكلفة داخل العاصمة الجديدة يبعث برسالة مفادها انعزال دوائر صنع القرار عن نبض الشارع المصري المثقل بالأعباء المعيشية.

 

وبناءً عليه، تظل محاولات طمأنة المواطنين عبر العروض التقديمية قاصرة عن تحقيق الاستقرار المستدام ما لم تقترن بإصلاحات هيكلية تعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام بشفافية.

 

وختامًا، فإن معالجة الأزمات العصية لا تتحقق عبر تقييد الفضاء الإلكتروني أو عقد المؤتمرات الاحتفالية، بل من خلال إخضاع كافة السياسات المالية والقرارات السيادية للمحاسبة.