تتسارع المطالبات البرلمانية الصارمة لمحاسبة الفريق الحكومي قبيل انطلاق فعاليات منتدى مصر 2026، حيث يصر نواب الشعب على نشر نتائج بحث الدخل والإنفاق ومعدلات الفقر، بدلا من الاكتفاء باستعراض أرقام معزولة عن المعاناة المعيشية.

 

وفي هذا السياق، طالب النواب الجهاز التنفيذي بتقديم تقرير محاسبي شامل يوضح الآثار الحقيقية للسياسات الاقتصادية المتبعة على تراجع القدرة الشرائية ومستوى معيشة الأسر، بدلا من ترويج مستهدفات براقة دون قياس مردودها الميداني.

 

اختلالات ميزان المدفوعات وتراكم الالتزامات


وانطلاقا من هذه المعطيات، أوضح المتحدث الرسمي لحزب العدل النائب حسام الخشت أن المعضلة الجوهرية تكمن في طريقة عرض البيانات وتجاهل الدلالات المقابلة، محذرا من استبدال إدارة الاقتصاد الفعلي بصناعة الدعاية والخطاب الترويجي.

 

وبناءً على هذا الطرح، بين الخشت أن الخطاب الرسمي يركز على إيجابيات وهمية لا تترجم إلى تحسن معيشي، مع تعمد حجب الجوانب المعقدة للبيانات، وإعلان مستهدفات طموحة دون تقديم أي متابعة معلنة للنتائج الفعلية.

 

وفي المقابل، تساءل المتحدث الرسمي لحزب العدل عن القيمة التنموية لارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات إلى 57.7%، وبلوغ الأصول الخارجية واحتياطيات العملة الصعبة 73.1 مليار دولار في ظل تصاعد الأعباء الخارجية للبلاد.

 

وعلاوة على ذلك، استنكر الخشت توظيف تحقيق فائض كلي بميزان المدفوعات قدره 2.8 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، للتعتيم على الارتفاع القياسي في عجز الحساب الجاري الذي قفز إلى 22.5 مليار دولار.

 

وفي الإطار ذاته، تشير الحسابات الرسمية إلى اتساع الفجوة في العجز التجاري لتصل إلى 64.8 مليار دولار بمعدل زيادة 27.1%، متزامنة مع تسجيل صافي اقتراض أجنبي بنحو 10.4 مليار دولار لتمويل الالتزامات المستحقة.

 

وبالإضافة إلى هذا العبء، تصاعد صافي تسهيلات الموردين قصيرة الأجل بصورة مقلقة ليبلغ 8.5 مليار دولار، ما يعكس تزايد المخاطر التمويلية ويدحض فكرة الاستقرار التي تحاول الهيئات الرسمية ترويجها قبل موعد المنتدى المرتقب.

 

ومن جهته، يوضح أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة الدكتور مدحت نافع أن تدفقات التسهيلات القصيرة والاقتراض هي التي صنعت الفائض الكلي المؤقت، بينما تؤكد فجوة الحساب الجاري استمرار استنزاف الموارد الدولارية المتاحة.

 

استنادا إلى ذلك التحليل، يتضح أن المراهنة على تدفقات الأموال الساخنة والاستدانة الخارجية لا تعوض الضعف الهيكلي المزمن في الصادرات، وتضع صانع القرار أمام استحقاقات سداد داهمة تبتلع عوائد أي فائض محاسبي ظاهري.

 

فجوة إنتاج الطاقة وتراجع عوائد التصدير


وعلى صعيد قطاع الطاقة، رصد الخشت تعثر الحكومة في تحقيق مستهدف إنتاج الغاز الطبيعي البالغ 5.5 مليار قدم مكعبة يوميا، مطالبا بتوضيح أسباب هذه الفجوة الإنتاجية وبيان مدى واقعية الخطط التنفيذية المتراجعة.

 

وارتباطا بتلك الانتكاسة، اتسعت فجوة العجز التجاري البترولي لتصل إلى 18.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، إثر ارتفاع الفاتورة الإجمالية للواردات البترولية لتناهز 24.9 مليار دولار تحت وطأة تزايد الاستهلاك الداخلي للوقود.

 

وفي الاتجاه نفسه، اضطرت الموازنة إلى تحمل تكاليف طارئة نتيجة زيادة واردات الغاز الطبيعي بمقدار 4.7 مليار دولار لتعويض التراجع المحلي، وهو ما شكل ضغطا مباشرا ومربكا على موارد العملات الأجنبية الشحيحة.

 

من ناحية أخرى، شكك النواب في جدية المستهدفات المعلنة بالوصول بالصادرات إلى 145 مليار دولار دون خارطة تنفيذية معلنة، إذ يتطلب هذا المسار معدلات نمو تصديرية سنوية تفوق 20%، وهو ما يناقض حركة الواقع.

 

وفي السياق عينه، يشير خبير هندسة البترول والطاقة والمستشار البترولي الدكتور إبراهيم زهران إلى أن التراجع في إنتاج الغاز هو محصلة تراكم مستحقات الشركاء الأجانب وتباطؤ خطط تنمية الحقول، مما يجعل الأرقام المستهدفة مجرد تمنيات ورقية.

 

وتأسيسا على تلك الوقائع، تظهر أرقام الطاقة تناقضا فادحا بين الخطاب الترويجي الموجه للمنتديات الاقتصادية وبين الاضطرار العملي إلى إنفاق مليارات الدولارات الإضافية لتأمين إمدادات الكهرباء ومحطات التوليد خلال ذروة الاستهلاك السنوي.

 

تغييب بيانات الفقر وتضارب مؤشرات المعيشة


وفيما يخص سوق العمل، شدد الخشت على أن التباهي بتراجع البطالة إلى 5.8% بالربع الثاني من 2026 لا يعبر عن تعافي التشغيل، في ظل توقف معدل التشغيل عند 44.7% فقط من المواطنين بعمر 15 سنة فأكثر.

 

واتصالا بهذه الأرقام، تظهر البيانات هشاشة هيكلية إذ لا تتجاوز نسبة المشتغلين بأجر والمشتركين بالتأمينات 35.4%، ما يعني أن غالبية القوى العاملة تعمل بلا حماية اجتماعية أو أمان وظيفي حقيقي في مواجهة غلاء الأسعار.

 

وتأكيدا لعمق الأزمة، أشار الخشت إلى أن حزب العدل يطالب منذ 7 أشهر بنشر بحث الدخل، مذكرا بأن آخر مسح معلن في 2019/2020 سجل فقر المواطنين عند 29.7% قبل التضخم الأخير.

 

وعلى نحو مواز، استنكر البرلمانيون تركيز الأولويات التشريعية على إقرار غرامات مالية كقانون الكهرباء البالغة 1 مليون جنيه ومشروعات 4 لجان نوعية، مقابل تجاهل الشفافية وإخفاء مقاييس حرمان الأسر ومستويات معيشتها اليومية.

 

وفي هذا المسار الرقابي، تساءلت ممثلة حزب الإصلاح والتنمية بلجنة الخطة والموازنة النائبة إيرين سعيد عن جدوى الحديث عن مكاسب اقتصادية دون حصر أعداد المحرومين، معلنة وجود دراسة مكتملة لعام 2023 جرى التحفظ عليها.

 

واستكمالا للمواجهة البرلمانية، طالبت عضو مجلس النواب عن حزب العدل النائبة سحر عتمان بتفسير حجب النتائج رغم انقضاء 3 أشهر على تعهد الوزارة أمام اللجنة المختصة بإتاحة المسح خلال أسبوع واحد فقط.

 

وفي تحرك نيابي متصل، جددت ممثلة تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين النائبة أميرة العادلي سؤالها البرلماني المقدم منذ 5 فبراير 2026 دون الحصول على إجابة، مستغربة تجميد الإصدارات الرسمية منذ عام 2021 رغم دوريتها المقررة كل عامين.

 

وبحسب تصريحات ممثل حزب العدل النائب محمد فؤاد، فإن تغييب أرقام الفقر يجهض وظيفة البرلمان الرقابية، ويجعل برامج الحماية والموازنة العامة بلا بوصلة واضحة تلبي الاحتياجات الملحة للأسر الأكثر تضررا وتهميشا.

 

وعطفا على التعطيل المستمر، حرك الخشت طلب إحاطة بعدما منحت اللجنة أسبوعا للوزارة في شهر أبريل الماضي مع اقتراب 6 أشهر دون نتيجة، مطالبا باستدعاء مسؤولي التخطيط للمساءلة عن حجب المؤشرات ومنهجيات التقييم.

 

وفي هذا الصدد، تؤكد أستاذة الإحصاء والعلوم الاقتصادية بجامعة القاهرة الدكتورة هبة الليثي أن استمرار حجب مسح الدخل والإنفاق يعكس تفادي إعلان التردي في القدرة الشرائية ومعدلات الحرمان المتزايدة بفعل تآكل الرواتب.

 

وإزاء تلك التناقضات الصارخة، يجمع ممثلو القوى البرلمانية على رفض الاستعراض الدعائي بالمنتدى، مطالبين بإجراء محاسبة حقيقية تضع الوعود السابقة بمواجهة النتائج الميدانية وتصارح الجماهير بالأكلاف الفعلية للسياسات الراهنة.