محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

ألو، يا مركز، يا مديرية، يا حكومة، يا رياسة، من الإخواني؟ هل يستطيع أحد أن يجيب؟

 

تجاوز وصف الإخواني في مصر حدود المعقول أو المقبول أو الصالح للاستعمال أو الاستغفال، وبات مسخرة. والحقيقة أن النظام الحالي بدأ المسألة في إعلامه أولا، ثم في خطاباته السياسية، من مربع المسخرة، وكان المتوقع أن يغادره بعد أن تستقر له السلطة، لكن هذا لم يحدث، حتى وصلنا إلى اتهام مؤسّسي منصة "متصدقش"، ومن بينهم الراحل محمد أبو الغيط، أهم صحافي مصري في الربع قرن الأخير، بأنهم إخوان مسلمون.

 

في برنامج باسم يوسف، مثلا، يسخر باسم من أحد مساعديه فيسأله: أنت إخوان؟ فيقول: "إخوان إيه يا عم، أنا مسيحي". ليضحك الجمهور، ويرد باسم: "إيه المشكلة، أوباما رئيس أمريكا وإخوان". كان ذلك في 2013، حين كان الإعلام المصري يصف صاحب أي رأي مخالف بأنه إخوان، ولو كان رئيس الولايات المتحدة. بل إن الاتهام بالأخونة بدأ في عام حكم الإخوان نفسه، وكان من أبرز المتهمين وقتها وزير دفاع الإخوان، الفريق عبد الفتاح السيسي، لأنه من عائلة القيادي الإخواني عباس السيسي!

 

انتهت حقبة "الإخوان" في الحكم قبل أن تبدأ، وانتهى كثيرون من قياداتهم وآلاف من شبابهم وشيوخهم ونسائهم، بل وأطفالهم، إلى السجون والمعتقلات والمنافي، وقُتل آخرون. وتراجع حضور الجماعة السياسي، فيما ظلّ حضورها طاغيا في خطابات الرئيس وإعلامه، كلما احتاج إلى وصف أي أحد يخالفه الرأي في أي شيء.

 

من الإخواني؟ من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين؟ مفهوم. من سبق له تأييدهم؟ ليس بالضرورة، لكن ليكن. من سبق له الانتماء إليهم، ولو تركهم وانتقدهم وكتب ضدهم؟ لا يعقل، لكن ليكن. من انتخبهم، من أيدهم، من مدحهم، من عمل معهم؟ صعب جدا جدا، لكن ليكن. كل هؤلاء إخوان، حتى الساكت الذي لم يكن له موقف واضح منهم لا بأس من اعتباره منهم، هو إخوان، وأبوه إخوان، وأمه وإخوانه وأخواته كلهم إخوان. هل انتهينا؟ لا، ولا حتى ابتدأنا.

 

خذ مثلا حلقة برنامج "نقطة حوار" على "بي بي سي عربي"، في التاسع من أكتوبر الجاري (2026)، عن القبض على صحافيي "متصدقش". ظهر فيها الباحث أحمد بان، الإخواني السابق الذي عمل مباشرة مع خيرت الشاطر، مبرّرا حبس الصحافيين، فلم يكن انتماؤه السابق تهمة. وفي اللقاء نفسه ظهرت الصحافية ديانا سمير نصحي "غبريال" الضبع، صاحبة الآراء النقدية المعلنة من ثورة يناير، تدافع عن مهنتها، وعن حرية التعبير، فإذا بها "إخوانية صرفة"، في تعليقات أفواه النظام. إخواني سابق يبرّر حبس الصحافيين = باحث عاقل ووطني. مسيحية تنتقد ثورة يناير وتدافع عن الصحافيين = إخوانية!

 

ما المعيار إذن؟ التأييد الكامل وغير المشروط للنظام في كل شيء، ولو كان الشيء وضده. هذا وحده قادر على تحويل قيادات "الإخوان" السابقين إلى مواطنين شرفاء وعقلاء ووطنيين، كما أن التراجع عن تأييد النظام، ولو بنسبة نصف في المئة، كفيل بأن يحول بابا الفاتيكان إلى "إخوان". لكن، هل يصدق أحد كل هذا؟ هل يصدّق النظام نفسه؟ هل يصدّق من يردّدون الاتهامات أن محمد أبو الغيط "إخوان"، وأن ديانا الضبع "إخوان"؟ هل بلغ استغفال الناس هذه الدرجة من السذاجة والركاكة والضحالة؟

 

لا أظن أن أحدًا يصدّق النظام، ولا أظن أن النظام يصدّق نفسه، أو يصدّق أن أحدًا يصدّقه، كما أنني لا أظن أنه يريد ذلك، وهنا الموضوع كله: لا يريد النظام المصري من أحد أن يصدّقه، لكنه يريد من الجميع أن يخاف. ... لقد نجح النظام في تحويل الأخونة إلى تهمة ترفع الحماية عن صاحبها، ولو لم يفعل شيئًا، بل ولو لم ينتم إلى جماعة الإخوان أصلًا. ولذلك النظام لا يُصنفنا بل يهدّدنا، من يجرؤ على الكلام فهو إخوان، ومن أصبح إخوانًا فلن يُمسي إلا مستباحًا، وبدلًا من أن تقول لك الدولة: سأقتلك، سأسجنك، سأخفيك قسريًا، تقول لك: أنت إخوان. وتصل الرسالة.