توقعت وكالة فيتش رفع أسعار البنزين والسولار في مصر خلال الربع الأخير من 2026، في تقرير صدر يوم 8 أكتوبر، لتضع الأسر أمام احتمال موجة غلاء جديدة بعد زيادة مارس وتداعيات حرب إيران.
وأعادت هذه التوقعات ملف الوقود إلى قلب أزمة المعيشة، حيث يتحول رفع الأسعار إلى اقتطاع إضافي من دخول المصريين، بينما تواجه الحكومة أسئلة عن أولويات الإنفاق وقدرتها على حماية الناس من صدمات الطاقة.
الحكومة تصدر أزماتها إلى المستهلك
وفي المقابل، أكدت وزارة البترول استمرار العمل بالأسعار الحالية وعدم صدور قرار جديد لزيادتها، مشيرة إلى أن لجنة التسعير لم تنعقد، ما يجعل توقعات فيتش احتمالًا للمستقبل وليست زيادة دخلت التنفيذ.
وبحسب تقديرات الوكالة، يبلغ متوسط خام برنت المتوقع 79 دولارًا للبرميل خلال السنة المالية 2026/2027، مقابل 78 دولارًا بالسنة السابقة، مع ترجيح انخفاض الأسعار خلال 2027، وهي تقديرات تظل مرتبطة بتطورات الحرب.
وبالتزامن مع صدور التقرير في 8 أكتوبر، ارتفع برنت بنحو 5% إلى قرابة 105 دولارات، وسط اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، بما يوضح الفارق بين قفزات السوق اليومية ومتوسطات الأسعار السنوية.
لكن ارتفاع النفط لا يمنح الحكومة تفويضًا مفتوحًا لتمرير كل عبء إلى المستهلك، إذ يفترض أن تخضع قرارات التسعير لموازنة معلنة بين تكلفة الاستيراد وحدود القدرة على الاحتمال وأولويات الإنفاق العام.
وفي هذا السياق، طالب حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، في حوار نُشرت تفاصيله يوم 11 أكتوبر، بتوجيه الاستثمارات إلى الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة، بدل التركيز على العقارات وشراء الأصول القائمة.
كما ربط الصادي أزمة الاقتصاد بضعف الإيرادات مقارنة بالإنفاق والالتزامات، معتبرًا أن بيع الأصول لتوفير سيولة تسدد الديون يختلف عن بناء مشروعات جديدة توسع الإنتاج وتخلق موارد مستدامة وفرص عمل.
ومن ثم، تبرز مفارقة تحميل المستهلك تكلفة الاختلال، بينما يتطلب إصلاحه تغيير الوجهة الاستثمارية نفسها، فرفع سعر اللتر لا ينشئ مصنعًا ولا يزيد محصولًا ولا يعالج وحده العجز عن إنتاج الاحتياجات المحلية.
وعليه، فإن تحميل الأسر زيادة محتملة قبل عرض بدائل التمويل وترشيد الإنفاق يعني اختيار الطرف الأضعف لتحمل الصدمة، ويحول تسعير الوقود إلى وسيلة لترحيل كلفة القرارات الحكومية إلى ميزانيات البيوت.
غلاء السولار يطارد الغذاء والمواصلات
ومن جهة أخرى، أوضح أسامة البدرشيني، الخبير الاقتصادي، في تصريحات منشورة يوم 7 أكتوبر، أن زيادة الوقود ترفع تكاليف الشحن والنقل، ثم تنتقل إلى أسعار المنتجات النهائية وتضاعف الضغوط على الأسواق.
وأضاف البدرشيني أن مبادرات توفير السلع، ومنها أمان وكلنا واحد، لا تكفي بمفردها لمعالجة الأزمة، مشددًا على ضرورة مواجهة الاحتكار وتشديد الرقابة والتعاون مع الغرف التجارية لضبط الممارسات التي تستغل الأزمات.
وبناء على هذا الترابط، فإن زيادة السولار المحتملة تتجاوز محطة التموين إلى نقل الخضروات والحبوب والمواد الخام، وقد يدفع المواطن أثرها في أكثر من سلعة وخدمة خلال اليوم الواحد، حتى دون امتلاك سيارة.
كذلك، يواجه العامل الذي يعتمد على المواصلات عبئًا مزدوجًا إذا ارتفعت أجرة انتقاله وأسعار طعامه معًا، فتتراجع القيمة الفعلية لأجره، ويصبح استكمال الشهر أصعب حتى عندما يبقى راتبه الاسمي دون تغيير.
وفي تقديراتها للتضخم، رجحت فيتش ارتفاع المتوسط إلى 12.3% خلال السنة المالية 2026/2027، مقابل نحو 11.6% خلال السنتين الماليتين السابقتين، رابطة الضغوط بأسعار السلع والطاقة وتداعيات الحرب على الاقتصاد المصري.
ومع ذلك، فإن تراجع معدل التضخم لاحقًا لا يعيد الأسعار تلقائيًا إلى مستوياتها السابقة، وإنما يعني تباطؤ ارتفاعها، ولذلك تظل خسائر القدرة الشرائية قائمة ما لم تتحسن الدخول بما يعوض تلك الخسائر.
وبدل اختزال المسؤولية في جشع التجار، ينبغي مساءلة السياسة التي ترفع مدخلات الإنتاج ثم تنتظر استقرار الأسعار، فالرقابة تواجه الاستغلال، لكنها لا تلغي التكلفة الإضافية التي يفرضها قرار حكومي على سلسلة الإمداد.
ولهذا، تحتاج حماية المعيشة إلى تعويضات مرتبطة بالأعباء الفعلية ودعم النقل الضروري، مع رقابة قابلة للمحاسبة، لأن ترك الأسر تتدبر خسائرها ثم الاكتفاء بمنافذ محدودة لا يقدم حماية توازي اتساع الضرر المحتمل.
استقرار التصنيف لا يسدد الفواتير
وفي موازاة ذلك، أبقت فيتش تصنيف مصر عند B بنظرة مستقرة، لكنها أشارت أيضًا إلى ضعف المالية العامة وارتفاع أعباء فوائد الديون واحتياجات التمويل الخارجي، وهي اختلالات تقيد قدرة الموازنة على امتصاص الصدمات.
وفي تعليقه على قرارات التصنيف خلال أكتوبر، أوضح عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، أن تثبيت التقييم يعكس قدرة على الصمود، لكنه لا يعني تجاوز القيود الهيكلية التي تحول دون تحسن الجدارة الائتمانية.
كما أشار حسانين إلى أن فوائد الدين تستحوذ على حصة كبيرة من الإيرادات العامة، بما يضيق المجال المتاح للاستثمار والتنمية، وأن ارتفاع فاتورة واردات الطاقة يزيد الضغوط الخارجية واحتياجات الاقتصاد للعملة الصعبة.
وبذلك، لا يصلح استقرار التصنيف شهادة على تحسن معيشة المصريين، لأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية تختلف عن قدرة الأسرة على شراء احتياجاتها، وقد تتحسن الأولى بينما تتعرض الثانية لضغط أشد.
أما تحويل سداد الالتزامات إلى مبرر متكرر لرفع الأسعار، فيضع المواطنين أمام فاتورة قرارات لم يحددوا أولوياتها، ويجعل حماية الموازنة غاية منفصلة عن حماية المجتمع الذي يمولها من دخله واستهلاكه.
وفي ضوء هذه الاختلالات، تصبح الحكومة مطالبة بنشر حساب واضح لتكلفة الوقود ومكونات سعره وبدائل تمويله، مع بيان أثر أي زيادة على النقل والغذاء، قبل مطالبة المواطنين بتقبل أعباء جديدة.
وبالتوازي، يتطلب تخفيف الانكشاف على صدمات الخارج زيادة الإنتاج والصادرات وتحسين عدالة توزيع الأعباء، بدل التعامل مع رفع الأسعار باعتباره بديلًا عن إصلاح مصادر العجز وإعادة ترتيب الاستثمارات وأوجه الإنفاق.
ولهذا، فإن أي زيادة جديدة ستختبر انحياز الحكومة الفعلي، فإما حماية الدخول عبر إجراءات تسبق القرار وتناسب أثره، وإما تكرار تحميل المصريين خسائر اقتصاد تستنزفه الالتزامات وتؤجل سياساته معالجة جذور الأزمة.

