كشف مزارعون في 3 محافظات مصرية، هي المنيا وبني سويف وقنا، خلال شكاوى منشورة في 2026، نقصًا في حصص الأسمدة المدعمة وتأخرًا في صرفها، ووصلت مطالب مزارعي القمح إلى البرلمان، بينما اشتكى مزارعو الذرة من استلام شكارة واحدة، وسط مطالب بإلزام جهات التوريد والتوزيع بتوفير الكميات المقررة للمزارعين في مواعيدها.
وطالب النائب حسين غيته الحكومة بتفسير تخفيض المقررات وضمان صرفها كاملة، بعدما نقل شكاوى من حرمان المزارعين حتى من الحصص المخفضة، وربط طلبه بين تعطيل التوزيع وارتفاع تكاليف الإنتاج واتساع السوق السوداء، في قضية تمس دخل الأسر الزراعية وتضع مسؤولية الرقابة على الجهات الحكومية التي تدير منظومة دعم الأسمدة.
حصص ناقصة وشكاوى موثقة بالفيديو
ففي شكاوى منشورة بتاريخ 29 يناير 2026، نقل غيته تظلمات مزارعين وجمعيات زراعية في مغاغة والعدوة وبني مزار بالمنيا، وقال إن حصة فدان القمح انخفضت من 5 شكائر إلى 3، بينما تراجعت مخصصات الثوم من 7 إلى 5 شكائر، دون إعلان واضح للأسس الفنية التي استندت إليها هذه التخفيضات.
وبحسب التفاصيل التي عرضها النائب، واجه بعض المزارعين مشكلة إضافية عندما صرفت الجمعيات شكارة واحدة أو اثنتين بدل الحصة المخفضة البالغة 3 شكائر، وتلقى أصحاب الأراضي وعودًا باستكمال الكميات لاحقًا، وطالب غيته الحكومة بخطة تمنع تعطيل الصرف وتضمن حصول المستحقين على كامل احتياجاتهم المقررة دون تسويف أو أعطال متكررة.
وبعد شكاوى الشتاء، طالب مزارعون في قنا، في مادة منشورة بتاريخ 20 مايو 2026، بتدخل الوزارة لتوفير الأسمدة، ثم تناول تقرير مصور عن طوابير الأسمدة، منشور في 23 يونيو، تجدد شكاوى المزارعين وانتظارهم أمام الجمعيات للحصول على حصصهم، واستعرض مشكلات تراجع المعروض وإجراءات الوزارة المعلنة لضبط التوزيع.
ثم كشف محمد محمد قرني سليمان، أحد مزارعي منشأة عاصم ببني سويف، في شكوى منشورة بتاريخ 1 يوليو 2026، أن الجمعية صرفت شكارة واحدة لمحصول الذرة، وقال إن احتياجات مساحة تبلغ 1935 فدانًا تصل إلى 7740 شكارة، بينما لم يصل إلى الجمعية سوى 1000 شكارة، مطالبًا بالإسراع في التوريد.
وفيما يتعلق بمن يستحق الدعم، أرجع الباحث الزراعي عبد التواب بركات، في دراسة بتاريخ 16 ديسمبر 2021، جانبًا من أزمة التوزيع إلى تسريب حصص وحرمان المستأجرين، وقال إن تسليم السماد لمالك الأرض بدل زارعها يسمح لبعض الملاك ببيعه بالسعر الحر، ثم يشتريه المستأجر مجددًا لتسميد المحصول.
كما تكشف هذه الشكاوى عن فجوة بين الكميات المقررة للمزارعين وما يصل فعليًا إلى الجمعيات الزراعية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مسؤولية الجهات المشرفة عن متابعة عمليات التوريد، ومدى التزامها بتوفير احتياجات المحاصيل في توقيتاتها الزراعية، خاصة أن تأخر السماد قد يفقد المزارع فرصة الاستفادة منه حتى لو حصل على حصته لاحقًا.
بيع المصانع وارتفاع أسعار السماد
وعلى مستوى إدارة الصناعة، حمّل الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، في تصريحات منشورة بتاريخ 27 أبريل 2026، سياسات بيع مصانع الأسمدة مسؤولية زيادة الأعباء على الفلاحين، وقال إن الحكومة باعت مصانع تحقق أرباحًا بمليارات الجنيهات، وربط هذه القرارات بارتفاع أسعار السماد وإضعاف قدرة المزارعين على تحمل تكاليف الإنتاج والاستمرار فيه.
واستنادًا إلى الأسعار التي تناولها آنذاك، أشار الميرغني إلى وصول طن السماد لنحو 28 ألف جنيه، وحذر من أن هذه التكلفة تجعل الزراعة غير مجدية لعدد من المزارعين، وتدفع بعضهم إلى ترك الأرض أو تغيير النشاط، بما يزيد الاعتماد على استيراد المحاصيل ويعمق تعرض الإنتاج المحلي لقرارات الأسعار والتوريد.
وتوضح شهادات منشورة في 6 نوفمبر 2025 أثر تلك الأعباء على زراعة القمح، إذ قال المزارع محمد أبو الخير من كفر الشيخ إن تأخر وصول السماد تسبب في خسارة نصف إنتاجه خلال الموسم السابق لشهادته، مؤكدًا أن المشكلة تتعلق بموعد وصول مستلزمات الإنتاج، إلى جانب الأسعار التي يتحملها الفلاح.
كذلك وصفت أمينة عبد الموجود، التي تزرع خضروات موسمية بالفيوم، اضطرارها إلى تقليل كميات السماد المستخدمة في الخيار والطماطم بسبب ارتفاع الأسعار، وقالت إن ذلك خفض كمية المحصول وجودته، قبل أن يشتريه التاجر بسعر قليل، بينما اشتكى عبد الرازق حسان من دلجا بالمنيا من اضطراره للشراء خارج الجمعيات.
وفي ظل هذه الشهادات، تتزايد التساؤلات حول جدوى السياسات الحكومية التي تسمح بارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، بينما يواجه صغار المزارعين صعوبة في الحصول على حصصهم المدعمة، إذ يتحمل الفلاح أعباء إضافية لتعويض النقص من السوق الحرة دون ضمان ارتفاع العائد الذي يحصل عليه عند بيع محصوله.
تقليص الدعم يهدد إنتاج الغذاء
أما انتقال تكاليف الزراعة إلى أسعار الغذاء، فقد ربطه الباحث في علم الاجتماع الريفي صقر النور، في تصريحات منشورة بتاريخ 6 أبريل 2024، بزيادة أسعار الأسمدة والتقاوي وآلات الري، وأوضح أن الإجراءات الاقتصادية الحكومية رفعت أيضًا تكلفة النقل والطاقة، بما يؤثر في أسعار المنتجات الزراعية التي يشتريها المستهلكون.
وعند تفسيره لأسباب تراجع قدرة المنتجين الصغار، قال النور في حوار سابق بتاريخ 6 أبريل 2020 إن السياسات الزراعية تحولت من دعم البذور والأسمدة والمبيدات إلى تقليص مساندة صغار الفلاحين وتحرير الأسعار، بالتوازي مع تشجيع المستثمرين والزراعات التصديرية، معتبرًا أن هذا التوجه أضعف الإمكانات المادية للفلاحين ودفع بعضهم للخروج من الإنتاج.
ومع اقتراب الموسم الشتوي 2026 و2027، أعلنت وزارة الزراعة في 6 أكتوبر رفع الاستعدادات، ووجهت بصرف المقررات كاملة وتشديد التفتيش على الجمعيات والمخازن لمنع التسريب، وتأتي هذه التعليمات عقب شكاوى شتاء وصيف 2026 من نقص الحصص وتعطل صرفها، وتحدد مهام الأجهزة المسؤولة عن التوريد والتوزيع خلال الموسم الجديد.
غير أن تكرار الشكاوى في أكثر من محافظة يضع التعليمات الحكومية أمام اختبار عملي يتعلق بقدرة الجهات المسؤولة على ضمان وصول الأسمدة إلى مستحقيها، فالإعلان عن تشديد الرقابة لا يكفي وحده لمعالجة المشكلة ما لم ينعكس على الكميات المتاحة ومواعيد الصرف وآليات محاسبة المسؤولين عن أي تأخير أو مخالفات.
وبشأن حماية من ينتجون الغذاء، شدد النور في حواره على أولوية حقوق الفلاحين في موارد الإنتاج والعمل الكريم، وعلى تقديم احتياجات الأسواق المحلية على الاعتبارات التجارية، وانتقد تجاهل دور المنتجين عند الاكتفاء بقياس توافر الغذاء، معتبرًا أن توفير الطعام بالاستيراد لا يعوض إضعاف قدرة المجتمعات الزراعية على إنتاجه محليًا.
وأمام تبعات بيع المصانع وارتفاع كلفة السماد، طالب الميرغني بفتح تحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين عن هذه القرارات، ووصف بيع المصانع بأنه «جريمة لا تسقط بالتقادم»، داعيًا إلى توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار عادلة، ومحذرًا من أن استمرار إضعاف الزراعة يزيد الاعتماد على الاستيراد والديون ويهدد قدرة الفلاحين على الاستمرار.
وفي النهاية، تبقى أزمة الأسمدة المدعمة اختبارًا لقدرة الحكومة على حماية الإنتاج الزراعي المحلي بدلًا من ترك المزارعين بين نقص الحصص وارتفاع الأسعار، إذ إن استمرار تعطل التوزيع لا يهدد دخول الأسر الزراعية وحدها، بل ينعكس أيضًا على تكاليف المحاصيل واستقرار المعروض الغذائي، ويضاعف الحاجة إلى رقابة فعلية ومحاسبة واضحة للمسؤولين عن المنظومة.

