اعتاد فلاسفة الرواقية القدماء، مثل ماركوس أوريليوس وسينيكا وإبكتيتوس، ممارسة تمرين يُعرف باسم «بري ميديتاتيو مالوروم» (Premeditatio Malorum)، ويعني «التأمل المسبق في الشرور». ويشرح الكاتب جيمس كلير، المتخصص في الكتابة عن العادات واتخاذ القرارات والتحسين المستمر، كيف يساعد هذا التمرين على مواجهة المخاطر المحتملة والاستعداد لها قبل وقوعها.


ويستعرض المقال مفهوم التفكير العكسي، وهو أسلوب ذهني يقوم على النظر إلى نقيض ما نريد تحقيقه، بدلًا من التركيز على النتائج الإيجابية وحدها. وتقوم فكرته على تخيّل أسوأ الاحتمالات الممكنة، ثم تحديد الخطوات التي تحول دون وقوعها. فعلى سبيل المثال، تخيّل الرواقيون كيف ستكون حياتهم إذا فقدوا وظائفهم وأصبحوا بلا مأوى، أو تعرضوا لإصابة أقعدتهم عن الحركة، أو فقدوا سمعتهم ومكانتهم الاجتماعية. وآمنوا بأن استحضار أسوأ السيناريوهات مسبقًا يساعد على تجاوز الخوف من التجارب السلبية، ووضع خطط أفضل لتجنبها.


وبينما ينشغل معظم الناس بالتفكير في سبل النجاح، يتأمل أصحاب الفكر الرواقي كيفية التعامل مع الفشل أيضًا. كيف ستبدو الأمور إذا سارت جميعها على نحو خاطئ غدًا؟ وما الذي يخبرنا به ذلك عن الاستعدادات التي ينبغي أن نتخذها اليوم؟


يُعرف هذا الأسلوب في التفكير باسم «التفكير العكسي». وعندما تعرّفت إليه للمرة الأولى، لم أدرك مدى قوته. لكن كلما تعمقت في دراسته، أدركت أنه مهارة نادرة وحاسمة يستفيد منها كبار المفكرين في مختلف المجالات.

 


كيف يستخدم كبار المفكرين التفكير العكسي لكسر القواعد السائدة؟


قدّم عالم الرياضيات الألماني كارل ياكوبي إسهامات مهمة في عدد من المجالات العلمية خلال مسيرته. واشتهر، على وجه الخصوص، بقدرته على حل المسائل الصعبة من خلال اتباع استراتيجية عبّر عنها بالألمانية بعبارة «مان موس إيمر أومكيرن» (Man muss immer umkehren)، أي «اعكس التفكير دائمًا».


ورأى ياكوبي أن إعادة صياغة المسائل الرياضية بصورة معكوسة تُعد من أفضل الطرق لتوضيح التفكير. لذلك، كان يكتب نقيض المسألة التي يحاول حلها، فيجد أن الوصول إلى الحل يصبح أسهل في كثير من الأحيان.


تكمن قوة التفكير العكسي في أنه يسلط الضوء على الأخطاء والعقبات التي قد لا تظهر للوهلة الأولى. ماذا لو كان العكس هو الصحيح؟ ماذا لو ركزت على جانب مختلف من الموقف؟ وبدلًا من السؤال عن كيفية فعل شيء ما، لماذا لا نسأل عن كيفية تجنبه؟


يفكر كبار المفكرين والرموز والمبتكرين في الاتجاهين؛ إلى الأمام وإلى الخلف. فهم يدرسون النقيض، ويعيدون النظر في المسلّمات، ويقودون عقولهم أحيانًا في الاتجاه المعاكس. وقد يكشف هذا الأسلوب فرصًا واعدة للابتكار.


ويقدم الفن مثالًا واضحًا على ذلك.


غالبًا ما يكمن التفكير العكسي في صميم الأعمال الفنية العظيمة. ففي كل مرحلة، تسود مجموعة من الأعراف والتقاليد في المجتمع، ويبرز الفنانون والمبتكرون الذين ينجحون في قلب هذه المعايير بطريقة مؤثرة.


يكسر الفن العظيم القواعد السابقة، ويعيد النظر فيما استقر عليه الإبداع قبله. ومن هذا المنطلق، قد يكمن سر التفكير غير التقليدي في قلب الوضع القائم بدلًا من الاكتفاء بالسير وفق قواعده.


وتنجح هذه الاستراتيجية بالقدر نفسه في مجالات إبداعية أخرى، مثل الكتابة. فكثير من العناوين اللافتة تستخدم قوة التفكير العكسي لقلب الافتراضات الشائعة.

 


النجاح مبالغ في تقديره.. وتجنب الفشل أكثر أهمية


يمكن توسيع نطاق التفكير العكسي ليشمل جوانب كثيرة من الحياة. فعادةً ما يركز الشباب الطموحون على كيفية تحقيق النجاح، لكن المستثمر الملياردير تشارلي مونجر يشجعهم على التفكير في نقيض النجاح أيضًا.


ويطرح مونجر سؤالًا بسيطًا: «ما الذي تريد تجنبه؟». ثم يجيب: «الإهمال وعدم الاعتمادية؛ فالأمر بهذه البساطة. إذا كنت شخصًا لا يمكن الاعتماد عليه، فلن تهم فضائلك مهما بلغت. ستنهار أمورك سريعًا. ينبغي أن يصبح الوفاء بما التزمت به سلوكًا تلقائيًا لديك. عليك تجنب الإهمال وعدم الاعتمادية».


لا يحظى تجنب الأخطاء بالتقدير الذي يستحقه بوصفه وسيلة للتطور. ففي معظم الوظائف، يستطيع المرء تحقيق قدر من النجاح بمجرد المبادرة والالتزام والاعتمادية، حتى إن لم يكن شديد الذكاء أو السرعة أو الموهبة في مجال معين.


وفي بعض الأحيان، يكون التفكير في أسباب فشل الناس في حياتهم أكثر أهمية من البحث عن أسباب نجاحهم.

 


فوائد التفكير في الاتجاهين: إلى الأمام وإلى الخلف


يمكن أن يكون التفكير العكسي مفيدًا على نحو خاص في بيئة العمل.


فبوسع القادة أن يسألوا أنفسهم: «ما السلوكيات التي قد يتبعها المدير السيئ يوميًا؟». ومن المرجح أن يتجنب المدير الجيد هذه السلوكيات.


وبالمثل، إذا كان الابتكار جزءًا أساسيًا من نموذج أعمال الشركة، فيمكن طرح السؤال التالي: «كيف يمكننا جعل شركتنا أقل ابتكارًا؟». وقد يساعد التخلص من العوائق التي تكشفها الإجابة على ظهور الأفكار الإبداعية بسرعة أكبر.


كذلك، تسعى أقسام التسويق إلى جذب عملاء جدد، لكن من المفيد أن تسأل: «ما الذي قد ينفّر عملاءنا الأساسيين؟». فقد تكشف هذه الزاوية المختلفة رؤى غير متوقعة.


يمكنك التعلم من تحديد ما لا ينجح بقدر ما تتعلم من اكتشاف ما ينجح. فما الأخطاء والعثرات التي ينبغي تجنبها؟ لا يبحث التفكير العكسي عن النصائح الجيدة فحسب، بل عن «النصائح المضادة» التي توضح ما يجب الابتعاد عنه.


وفيما يلي طرق عملية أخرى لتوظيف هذا الأسلوب في العمل والحياة.

 


إدارة المشروعات


من التطبيقات المفضلة لديّ للتفكير العكسي ما يُعرف باسم «التشريح الاستباقي للفشل» (Failure Premortem)، وهو أسلوب يشبه تمرين التأمل المسبق في الشرور، لكنه يناسب بيئة العمل الحديثة.


تقوم الفكرة على اختيار أهم هدف أو مشروع تعمل عليه حاليًا، ثم تخيّل أنك انتقلت ستة أشهر إلى المستقبل واكتشفت أن المشروع أو الهدف قد فشل.


بعد ذلك، اسرد قصة ما حدث. ما الذي سار على نحو خاطئ؟ ما الأخطاء التي ارتكبتها؟ وكيف وقع الفشل؟ بعبارة أخرى، حدّد هدفك الأساسي واسأل نفسك: «ما الذي قد يتسبب في فشله فشلًا ذريعًا؟».


تُعرف هذه الاستراتيجية أحيانًا داخل المؤسسات باسم تمرين «كيف ندمّر الشركة؟»، إذ تهدف إلى تحديد الطرق الدقيقة التي قد تؤدي إلى انهيارها. ومثل تمرين التأمل المسبق في الشرور، تسعى هذه الطريقة إلى الكشف عن التحديات ونقاط الضعف ومصادر الفشل، حتى تتمكن المؤسسة من وضع خطة لمعالجتها قبل أن تتحول إلى مشكلات فعلية.

 


الإنتاجية


يرغب معظم الناس في إنجاز مزيد من المهام في وقت أقل. لكن تطبيق التفكير العكسي على الإنتاجية يقودنا إلى سؤال مختلف: «ماذا لو أردت تقليل قدرتي على التركيز؟ كيف يمكنني تشتيت انتباهي؟».


قد تساعدك الإجابة على اكتشاف مصادر المقاطعة التي يمكنك التخلص منها، لتوفير مزيد من الوقت والطاقة كل يوم.


ولا تقتصر فاعلية هذه الاستراتيجية على النتائج التي تحققها، بل إنها غالبًا ما تكون أكثر أمانًا من السعي المحموم وراء النجاح. فعلى سبيل المثال، يلجأ بعض الأشخاص إلى الأدوية أو المنشطات الذهنية في محاولة لزيادة إنتاجيتهم. وقد تنجح هذه الوسائل، لكنها قد تنطوي أيضًا على آثار جانبية محتملة.


في المقابل، لا ينطوي ترك الهاتف في غرفة أخرى، أو حجب مواقع التواصل الاجتماعي، أو فصل التلفاز عن الكهرباء، على مخاطر تُذكر. وتعالج الاستراتيجيتان المشكلة نفسها، لكن التفكير العكسي يسمح بمواجهتها من زاوية مختلفة وبمخاطر أقل.


وتكشف هذه الفكرة عن مبدأ أعم: قد يؤدي السعي الأعمى وراء النجاح إلى عواقب خطيرة، بينما ينطوي منع الفشل عادةً على قدر ضئيل جدًا من المخاطر.

 


التخلص من الفوضى


تستخدم ماري كوندو، مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا «السحر المتغير للحياة في الترتيب والتنظيم» (The Life-Changing Magic of Tidying Up)، التفكير العكسي لمساعدة الناس على التخلص من الفوضى في منازلهم.


وتقول عبارتها الشهيرة: «ينبغي أن نختار ما نريد الاحتفاظ به، لا ما نريد التخلص منه».


بمعنى آخر، ينبغي أن يكون الخيار الافتراضي هو التخلي عن كل ما لا يبعث على السعادة في حياتك. ويقلب هذا التحول في طريقة التفكير المفهوم التقليدي للتنظيم؛ فبدلًا من التركيز على الأشياء التي ينبغي التخلص منها، يصبح التركيز على ما يستحق الاحتفاظ به.

 


العلاقات


ما السلوكيات التي قد تدمر الزواج؟ انعدام الثقة، وعدم احترام الطرف الآخر، وحرمان كل شخص من الوقت الذي يحتاج إليه ليعيش حياته الفردية، وتكريس الوقت كله للأطفال من دون الاستثمار في العلاقة بين الزوجين، فضلًا عن غياب الحوار الصريح بشأن المال وعادات الإنفاق.


إن التفكير في نقيض الزواج الناجح يساعد على تحديد السلوكيات التي ينبغي تجنبها للحفاظ على علاقة صحية ومستقرة.

 


الشؤون المالية الشخصية


يرغب الجميع في كسب مزيد من المال، لكن ماذا لو قلبنا السؤال؟ كيف يمكننا تدمير سلامتنا المالية؟


إن إنفاق أموال تتجاوز ما تكسبه طريق مجرّب نحو الفشل المالي. ولا يهم مقدار المال الذي تملكه؛ فالحسابات لن تستقيم على المدى الطويل إذا استمر إنفاقك في تجاوز دخلك.


وبالمثل، فإن تراكم الديون مشكلة طارئة ينبغي التعامل معها بأسرع ما يمكن. كما أن الانزلاق تدريجيًا إلى عادات تسوق وإنفاق غير منضبطة قد يؤدي إلى ضغوط مالية يصنعها المرء بنفسه.


وقبل أن تنشغل كثيرًا بكيفية زيادة دخلك، تأكد من أنك تعرف كيف تتجنب خسارة أموالك. فإذا استطعت تفادي هذه المشكلات، فستكون قد قطعت شوطًا مهمًا مقارنة بكثيرين، وستوفر على نفسك قدرًا كبيرًا من الألم والقلق.

 


انظر إلى النقيض لتتخذ قرارات أكثر عقلانية


يبدو التفكير العكسي مخالفًا للحدس؛ إذ لا يخطر ببال معظم الناس أن يخصصوا وقتًا للتفكير في نقيض ما يريدون تحقيقه.


ومع ذلك، يُعد هذا الأسلوب أداة أساسية لدى كثير من كبار المفكرين. فالممارسون للرواقية يتخيلون النتائج السلبية المحتملة، والفنانون المجددون يقلبون الأعراف السائدة، والقادة الفعّالون يتجنبون الأخطاء التي تعرقل النجاح، بقدر ما يسعون إلى اكتساب المهارات التي تسرّع الوصول إليه.


ويمكن أن يكون التفكير العكسي مفيدًا بصورة خاصة عند مراجعة معتقداتك وقناعاتك الشخصية. فهو يدفعك إلى التعامل مع قراراتك كما لو كنت تنظر في قضية أمام محكمة؛ إذ يتعين على هيئة المحلفين الاستماع إلى جانبي الحجة قبل إصدار الحكم.


ويساعدك التفكير العكسي على اتباع نهج مماثل. ماذا لو كانت الأدلة تدحض ما تؤمن به؟ ماذا لو حاولت تفنيد الآراء التي تتمسك بها وتعتز بها؟ إنه يمنعك من إصدار حكم نهائي بناءً على استنتاجك الأول، ويحدّ من تأثير «التحيز التأكيدي»، الذي يدفع الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤيد معتقداته القائمة، وتجاهل ما يناقضها.


يمثل التفكير العكسي مهارة أساسية لعيش حياة عقلانية ومنطقية؛ فهو يتيح لك الخروج من أنماط التفكير المعتادة، والنظر إلى المواقف من زوايا مختلفة. ومهما كانت المشكلة التي تواجهها، احرص دائمًا على التفكير في الجانب المقابل منها.

 

https://jamesclear.com/inversion