تظهر تقارير صادرة عن مراكز أبحاث دولية، مثل مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي والمجلس الأطلسي)، إلى جانب التصريحات والوثائق الرسمية المصرية، أن أدوار القوات المسلحة المصرية شهدت تحولات تاريخية متعاقبة ارتبطت بتغير المعطيات السياسية والاستراتيجية منذ عام 1973 وحتى الوقت الراهن.
تتعدد التفسيرات وراء اتساع دور الجيش ليشمل "التنمية والمشاركة الاقتصادية" و"مكافحة الإرهاب"، وتتوزع بين وجهتي نظر رئيستين:
هيمنة الجيش على المشاريع القومية
يرى الخطاب الرسمي، مدعومًا بتصريحات قيادة الانقلاب، أن المؤسسة العسكرية تمتلك من الإنتاجية والانضباط ما يمكنها من إنجاز المشاريع القومية والبنية التحتية الكبرى (مثل الطرق، والجسور، واستصلاح الأراضي) في توقيتات قياسية وبكلفة أقل مقارنة بالقطاع الخاص.
يُنظر إلى تدخل الجيش في إنتاج السلع الأساسية (كالغذائية والدوائية) كأداة لحماية الأمن القومي ومواجهة احتكار التجار وضبط الأسعار في أوقات الأزمات الاقتصادية.
بعد أحداث 2011 و2013، تحولت طبيعة المهددات من حروب نظامية تقليدية عبر الحدود إلى مخاطر داخلية وعابرة للحدود مثل الإرهاب في سيناء وتأمين الحدود المترامية، مما جعل "مفهوم الأمن القومي" يتسع ليشمل الاستقرار الداخلي والاقتصادي.
كسب ولاءات الجيش
تذكر دراسات سياسية أن توسيع الأنشطة الاقتصادية يسهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي للمؤسسة العسكرية، وتوفير عوائد ومزايا تسهم في الحفاظ على الولاء المؤسسي والاستقرار السياسي للنظام.
إذ إن الهدف من ذلك خلق شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والمزايا العينية والمادية التي يستفيد منها أفراد المؤسسة العسكرية (الضباط العاملون والمتقاعدون). تشمل هذه المزايا رواتب مجزية، رعاية صحية متقدمة، نوادي ترفيهية، إسكان مدعوم، وفرص عمل وإدارة لشركات بعد التقاعد.
والهدف الاستراتيجي هو الحفاظ على تماسك الكتلة الصلبة للنظام، لأن توفير هذه الامتيازات يضمن بقاء القيادات والضباط على قلب رجل واحد، ويمنع نشوء أي تيارات انشقاقية أو تذمر داخلي. عندما يربط أفراد المؤسسة أمنهم المالي والمستقبلي باستقرار الوضع القائم، يصبح الدفاع عن النظام دفاعاً عن مصالحهم الشخصية والمؤسسية المشتركة.
وعلى ضوء ذلك، يتحول الجيش إلى "العمود الفقري" وحائط الصد الأول لحماية النظام السياسي من السقوط أو الثورات الشعبية.
مخاطر داخلية وخارجية
تثير الهيمنة المتزايدة للمؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد والسياسة الداخلية مخاوف لدى خبراء الاقتصاد والمؤسسات الدولية، وتتلخص هذه المخاطر في:
مخاطر داخلية
انكماش القطاع الخاص: يرى خبراء اقتصاد أن تمتع الشركات التابعة للجيش بمزايا تفضيلية (مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية، واستغلال الأراضي، والعمالة منخفضة التكلفة عبر التجنيد) يخلق منافسة غير عادلة تؤدي إلى تراجع استثمارات القطاع الخاص أو خروجها من السوق.
تركز المشاريع التي يقودها الجيش بشكل كبير على البنية التحتية، والعقارات، والإنشاءات. ويرى محللون أن هذه القطاعات "غير إنتاجية" على المدى القصير، ولا تسهم بفعالية في التصدير أو الابتكار، مما يتسبب في إرهاق ميزانية الدولة بالديون دون عوائد سريعة مستدامة.
وتظل الميزانيات والحسابات المالية للشركات العسكرية بعيدة عن الرقابة البرلمانية أو الأجهزة المحاسبية المدنية، مما يصعّب تقييم كفاءتها الاقتصادية ويثير القلق بشأن العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة.
مخاطر خارجية
يضع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي شروطًا مستمرة لتخارج الدولة والجيش من الاقتصاد، وبيع حصص في الشركات العسكرية (عبر الطروحات الحكومية) كشرط أساسي لتقديم القروض والمساعدات، وهو ما يضع النظام في مواجهة معايير الامتثال الدولية.
تبحث الرساميل الأجنبية عن بيئة استثمارية شفافة وقابلة للتنبؤ؛ ووجود فاعل اقتصادي قوي مدعوم بأدوات سيادية قد يدفع المستثمرين الأجانب إلى العزوف عن دخول السوق المصرية خوفًا من غياب التنافسية المتكافئة.
إن الاعتماد على القروض الخارجية والتمويلات الأجنبية لتغذية المشاريع الكبرى يرفع من حساسية الاقتصاد المصري تجاه الأزمات العالمية والتغيرات في أسواق المال الدولية.

