كشفت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة في 18 يوليو 2026 أن 12 ألفًا و400 سيدة قُتلن في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، فيما كان 4 آلاف و700 امرأة وطفل بين 11 ألفًا و200 مفقود ما يزال مصيرهم مجهولًا، لتكشف الأرقام حجم الكارثة التي طالت النساء على نحو مباشر.
وتضع هذه الحصيلة نساء غزة في قلب واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية خلال السنوات الأخيرة، فالحرب لم تحصد أرواح الآلاف فقط، بل هدمت منظومة الرعاية الصحية وضيقت فرص الحصول على الغذاء والمياه والدواء، وحولت الحمل والولادة ورعاية الأطفال إلى رحلة يومية محفوفة بالخطر تحت القصف والنزوح والانهيار الخدمي.
النساء تحت آلة القتل
أظهرت بيانات منسوبة إلى هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن حتى نهاية عام 2025، بمعدل يقترب من 47 امرأة وفتاة يوميًا، بينما أصيبت نحو 11 ألف امرأة وفتاة بإصابات قد تترك آثارًا جسدية ونفسية ممتدة لسنوات طويلة.
ولا تعكس أرقام القتلى وحدها حجم الخسارة، إذ يبقى آلاف المفقودين ملفًا مفتوحًا يضاعف عذاب الأسر، فغياب معرفة مصير الأم أو الابنة أو الطفلة يعني استمرار انتظار لا ينتهي، وسط الأنقاض والمقابر والتهجير المتكرر وصعوبة الوصول إلى مناطق كاملة تعرضت للدمار خلال العمليات العسكرية.
كما تحولت آلاف النساء فجأة إلى المعيل الوحيد للأسرة بعد مقتل الأزواج أو إصابتهم أو فقدانهم وانقطاع مصادر الدخل، إذ تشير البيانات الواردة إلى وجود نحو 58 ألفًا و600 أسرة تعيلها نساء في غزة، وارتفاع نسبتها من 9 بالمئة قبل الحرب إلى 14 بالمئة خلال الأزمة.
ويعني ذلك أن المرأة التي نجت من القتل وجدت نفسها أمام معركة أخرى لتأمين الطعام والمياه ومكان الإيواء والدواء لأطفالها، بينما تقلصت فرص العمل وانهارت الأسواق وتكررت موجات النزوح، فأصبحت مسؤولية البقاء نفسها عبئًا يوميًا تتحمله أمهات فقد كثير منهن البيت أو الزوج أو أحد الأبناء.
ولا يمكن اختزال أثر الحرب على النساء في قوائم الضحايا، لأن الإصابات والبتر وفقد أفراد الأسرة والصدمات النفسية وانهيار الخصوصية داخل مخيمات النزوح تمثل وجهًا آخر للأزمة، فالمرأة لا تواجه فقط خطر الموت المباشر، بل تدفع ثمن انهيار البيئة الاجتماعية والصحية التي كانت تحيط بأسرتها قبل الحرب.
الإجهاض يفضح انهيار الصحة
وكشفت بيانات الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة عن ارتفاع حالات الإجهاض بنحو 300 بالمئة خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب، وهو رقم يعكس مدى التدهور الذي أصاب خدمات الصحة الإنجابية في قطاع غزة، بعدما خرجت منشآت صحية من الخدمة وتقلصت قدرة النساء الحوامل على الوصول إلى المتابعة والعلاج المنتظم.
وسجلت البيانات خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 2600 حالة إجهاض و220 وفاة مرتبطة بالحمل و1460 ولادة مبكرة، وهي مؤشرات لا يمكن فصلها عن ظروف الحرب ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية واضطراب التغذية والمياه النظيفة وصعوبة الوصول إلى المستشفيات خلال القصف والنزوح المستمر.
ثم جاءت أرقام عام 2026 لتكشف استمرار التدهور، إذ سجلت وزارة الصحة في غزة 3958 حالة إجهاض بين يناير ويونيو وحدهما، ووصل المعدل إلى 208.5 حالة لكل ألف مولود حي، مقابل 64 حالة خلال النصف الثاني من عام 2025، بما يكشف قفزة ثقيلة في أزمة الصحة الإنجابية.
ولا تعني تلك الأرقام مجرد خسارة حمل، بل تكشف في كثير من الحالات عن امرأة واجهت الحمل تحت سوء التغذية والخوف والتنقل القسري وانعدام الاستقرار، ثم وجدت أمامها مستشفى مكتظًا أو منشأة متضررة أو طريقًا مغلقًا أو نقصًا في الأدوية والرعاية، لتصبح أبسط حقوق الأمومة معركة للبقاء.
ومع انهيار جانب واسع من المنظومة الصحية، اضطرت نساء إلى الولادة بعيدًا عن المؤسسات الطبية أو في أماكن تفتقر إلى التجهيزات المناسبة، وتظهر البيانات استمرار نحو 15 ولادة أسبوعيًا خارج المستشفيات حتى بعد وقف إطلاق النار، غالبًا دون قابلات ماهرات وفي بيئات غير آمنة صحيًا.
وهكذا لم تعد لحظة الولادة في غزة مناسبة تنتظرها الأسرة بالأمل وحده، بل أصبحت محاطة بأسئلة عن وجود طبيب وسرير ودواء ومياه نظيفة وحاضنة للطفل، وهي أسئلة تكشف كيف انتقل أثر الحرب من ساحات القصف إلى أكثر تفاصيل الحياة خصوصية، من الحمل وحتى الساعات الأولى بعد الولادة.
الجوع يطارد الأمهات والرضع
وكشفت مؤشرات سوء التغذية أن 40 بالمئة من النساء الحوامل والمرضعات عانين من سوء التغذية في يوليو 2025، بينما واجه نحو نصف مليون امرأة وفتاة خطر المجاعة، واحتاجت قرابة 37 ألف حامل ومرضع إلى علاج من سوء التغذية الحاد، ما يضع صحة الأمهات والأطفال أمام تهديد مضاعف.
ويتحول الجوع بالنسبة للمرأة الحامل إلى خطر يتجاوز فقدان الوزن، لأن نقص الغذاء والعناصر الأساسية يهدد قدرتها على استكمال الحمل ويزيد هشاشتها الصحية، كما يرفع المخاطر المحيطة بالولادة وصحة المولود، خاصة حين يأتي ذلك بالتزامن مع ضعف الخدمات الطبية ونقص الأدوية ومياه الشرب الآمنة.
أما الأمهات المرضعات فيواجهن معادلة أشد قسوة، إذ يُطلب منهن حماية أطفالهن وتوفير الغذاء لهم بينما تعاني أجسادهن نفسها من الحرمان، وفي المخيمات ومناطق النزوح تصبح عملية الحصول على وجبة كافية أو مياه نظيفة أو مكملات غذائية تحديًا متكررًا وسط ارتفاع الاحتياجات وتراجع الموارد المتاحة.
وتتداخل أزمة الغذاء مع واقع عشرات الآلاف من الأسر التي أصبحت النساء مسؤولة عن إعالتها، فالمرأة التي فقدت زوجها أو مصدر دخل أسرتها لا تواجه الحزن فقط، بل مطالبة يوميًا بتوفير الطعام والدواء والملابس ومكان النوم لأطفالها، في بيئة تضررت فيها مصادر الرزق والأسواق والبنية الأساسية بصورة واسعة.
وبعد ثلاث سنوات من الحرب، ترسم الأرقام مسارًا بالغ القسوة لنساء غزة، من القتل والفقد إلى الإجهاض والولادات الخطرة والجوع وإعالة الأسر، وهي خسائر لا تنتهي بانتهاء القصف وحده، لأن آثار الإصابات وفقد الأبناء وسوء التغذية وانهيار الصحة الإنجابية ستبقى حاضرة في حياة آلاف النساء والأطفال لسنوات طويلة.

