تجدد الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، بعدما أصدر الأول قوانين وقرارات تمس قواعد الانتخابات وتشكيل مفوضيتها، بينما اعترض الثاني على اعتماد مسار لا يحظى بتوافق المؤسستين.
وتأتي المواجهة في وقت يفترض أن تتقدم فيه البلاد نحو اقتراع ينهي المرحلة الانتقالية، لكن الجدل عاد إلى نقطة البداية: من يملك تعديل قواعد التنافس، وكيف يمكن ضمان قبول نتائجها؟.
حزمة قوانين تتجاوز تعديلًا محدودًا
وفي أحدث خطواته، أصدر مجلس النواب، بقيادة عقيلة صالح، القانون رقم 4 لسنة 2026 لتعديل قانون انتخاب رأس الدولة رقم 28 لسنة 2023، في تحرك أعاد الجدل حول قواعد المنافسة.
كما أصدر القانون رقم 3 لسنة 2026 المتعلق بانتخابات مجلس النواب، والقانون رقم 5 لسنة 2026 المعدل لقانون المفوضية العليا للانتخابات، لتشمل التغييرات بنية الاقتراع وإدارته معًا.
وإلى جانب القوانين، اتخذ المجلس قرارات مرتبطة باعتماد اتفاق «4+4» وإعادة تشكيل مجلس المفوضية، ما وسع نطاق الخلاف من النصوص الانتخابية إلى الجهة المسؤولة عن تنظيم التصويت والإشراف عليه.
وبذلك لم يعد الأمر متعلقًا بمادة واحدة في قانون انتخاب رأس الدولة؛ فالتعديلات طالت الانتخابات البرلمانية ومجلس المفوضية، وهي عناصر يؤثر اجتماعها في الاستعداد للاقتراع والثقة بإدارته.
وفي قراءة للمشهد، تمنح القوانين الجديدة مجلس النواب زمام المبادرة التشريعية، لكنها تفتح سؤالًا حاسمًا عن مدى قبول المجلس الأعلى للدولة بها، وعن مصير أي ترتيبات تفتقر إلى توافق مسبق.
غير أن إصدار النصوص لا يعني وحده تجاوز المأزق؛ فالانتخابات تحتاج إلى قواعد يفهمها المرشحون والناخبون، ومؤسسات تستطيع تطبيقها دون أن تصبح شرعيتها محل نزاع قبل فتح الصناديق.
ومن ثم، يبرز تشكيل مجلس المفوضية باعتباره قضية لا تقل حساسية عن تعديل القوانين، لأن أي خلاف حول الجهة المشرفة قد ينتقل مباشرة إلى الطعون في الإجراءات والنتائج.
وعلى هذا الأساس، يبدو تسريع الخطوات التشريعية محفوفًا بمخاطرة سياسية إذا لم تصاحبه تسوية مع الطرف الآخر، خصوصًا أن النزاع الحالي يدور حول طريقة اتخاذ القرار بقدر دورانه حول مضمونه.
مساران متنافسان على قواعد الانتخابات
وفي المقابل، يؤكد المجلس الأعلى للدولة، بقيادة محمد تكالة، أن إجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية استحقاق وطني، لكنه يربط إمكان تحقيقهما بسلامة الأساس الدستوري والقانوني وقبول القواعد بين المؤسسات.
كما يتمسك المجلس بمخرجات لجنة «6+6»، التي أنشأها المجلسان لإعداد القوانين الانتخابية وأصدرت نصوصًا في 2023، ويرى أن التعديل الدستوري الثالث عشر أرسى مسارًا تشاركيًا لا يجوز تجاوزه منفردًا.
وفي بيانه، استند المجلس إلى خريطة الطريق التي اعتمدتها رئاسات المجلسين والمجلس الرئاسي يوم 18 يونيو 2026، وقال إنها أكدت البناء على الإطار الانتخابي القائم بدل فتح مسار أحادي جديد.
وعلى الجانب الآخر، اعتمد مجلس النواب اتفاق «4+4»، وهو ترتيب أحدث جرى التوقيع عليه في طرابلس نهاية أغسطس، ويتناول خطوات بينها معالجة الإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس المفوضية.
لكن المجلس الأعلى للدولة يرى أن الاتفاق يحتاج إلى استكمال مساره المؤسسي والقانوني، ويطالب باستمرار التشاور، محذرًا من أن تصبح قواعد الاقتراع نفسها سببًا جديدًا لتعطيل الموعد المنتظر.
وهنا تكمن عقدة التصعيد: لا يعلن أي من المجلسين رفض الانتخابات، لكن كلًا منهما يتمسك بطريق مختلف لتعديل القوانين، فيما يتراجع الاتفاق على الجهة التي تمنح هذه التعديلات قبولًا سياسيًا.
وفضلًا عن ذلك، فإن التنازع بين «6+6» و«4+4» لا يقتصر على أسماء لجان التفاوض؛ بل يتعلق بمصدر المشروعية الذي يستند إليه كل طرف عند صياغة شروط الترشح والتصويت.
ولذلك، قد يتحول أي اتفاق جزئي حول موعد الاقتراع إلى خلاف جديد إذا بقيت القواعد محل اعتراض، لأن تثبيت التاريخ لا يعالج وحده النزاع بشأن القانون والمفوضية وآلية اعتمادهما.
الأمم المتحدة أمام اختبار التيسير
وفي الخلفية، تدفع بعثة الأمم المتحدة نحو تنفيذ اتفاق «4+4» ضمن خريطة الطريق، ورحبت بتأييد مجلس النواب له، معتبرة معالجة الإطار القانوني وإعادة تشكيل المفوضية خطوتين أساسيتين.
كما رحب مجلس الأمن الدولي بالاتفاق، لكنه دعا إلى حصوله على دعم أوسع من الأطراف الليبية، وهي إشارة إلى أن التأييد الخارجي لا يحل محل قبول المؤسسات المعنية داخل البلاد.
وفي مواجهة هذا المسار، طلب المجلس الأعلى للدولة من البعثة ممارسة دور تيسيري يحترم المؤسسات الليبية، وأعلن استعداده لحوار يفضي إلى قواعد مستقرة وسلطة تنفيذية موحدة.
وبينما يتفق المجلسان على هدف إنهاء المرحلة الانتقالية، يظهر الاختلاف عمليًا عند تحويله إلى إجراءات ملزمة؛ فالمسار المتنازع عليه يحدد من يصوغ القانون، ومن يختار إدارة الاقتراع، وكيف تعتمد القرارات.
ومن ناحية عملية، تتوقف قدرة الوساطة على تقريب المواقف حول كيفية إقرار التعديلات، لا الاكتفاء بتبادل التأييد والاعتراض؛ فالإطار الذي يرفضه أحد الطرفين سيظل معرضًا للطعن السياسي.
كذلك يهدد استمرار الشقاق بإرباك عمل المفوضية، إذ يصعب بناء استعدادات انتخابية واضحة إذا ظل مجلس إدارتها والقوانين التي ستطبقها موضوع مواجهة بين مؤسستين محوريتين.
وفي الوقت نفسه، يضع هذا الخلاف المواطنين أمام مفارقة متكررة: تُطرح الانتخابات بوصفها مخرجًا من المرحلة الانتقالية، ثم تتحول إجراءات التحضير لها إلى ساحة صراع جديد حول الصلاحيات.
ولهذا، يحتاج الطرفان إلى إعلان نقاط الخلاف المحددة، والاتفاق على آلية واضحة لحسمها، وتقديم جدول يمكن اختباره علنًا، بدل الاكتفاء بصياغات عامة عن ضرورة إجراء الانتخابات.
وفي النهاية، لا تكمن المسألة في كثرة القوانين أو سرعة إصدارها، بل في قدرة المؤسسات الليبية على إنتاج قواعد قابلة للتطبيق والقبول، حتى لا تصبح صناديق الاقتراع بداية أزمة أخرى.

