تحاصر زيادات رسوم الطرق المصريين بأعباء متلاحقة، بعدما تحولت رحلات العمل وزيارات الأهل إلى سلسلة مدفوعات عند بوابات التحصيل، بينما تواصل الحكومة تسويق التوسع في الأسفلت باعتباره إنجازًا يستوجب الإشادة وتسديد الفاتورة معًا.

 

وتفرض منظومة الكارتة سؤالًا يتجاوز جودة الرصف واتساع الحارات إلى عدالة توزيع التكلفة، بعدما بلغت الزيادة على بعض الطرق 50% ووصلت بأخرى إلى 100%، لتلتهم الرسوم جانبًا من منفعة اختصار المسافات وتوفير الوقت.

 

 

بوابات الجباية تلاحق رحلات المصريين

 

ففي رحلة محمود فهمي من مدينة السادس من أكتوبر إلى قريته بمحافظة أسيوط، تصل رسوم المرور إلى 25 جنيهًا، موزعة بين عشرة جنيهات للطريق الدائري الإقليمي و15 جنيهًا لطريق أسيوط الشرقي.

 

وبينما اختار الموظف الأربعيني هذا المسار لسرعته وملاءمته للوصول إلى قريته، فوجئ بارتفاع رسم الطريق الشرقي من عشرة جنيهات إلى 15 جنيهًا، أي زيادة تبلغ النصف مقارنة بما دفعه خلال سفرته السابقة.

 

كذلك يواجه سعيد صفوت، الذي يتردد على الساحل الشمالي للعمل في الهندسة الصوتية للحفلات، ارتفاعًا في إجمالي الرسوم التي يسددها من عشرين إلى ثلاثين جنيهًا، لتصبح الزيادة اقتطاعًا متكررًا من عائد عمله.

 

أما ارتفاع رسم طريق العلمين من عشرة جنيهات إلى عشرين، فيعني مضاعفة المبلغ المطلوب عند البوابة، وهو فارق لا يستقيم معه تصوير الزيادة باعتبارها تعديلًا هامشيًا، خصوصًا بالنسبة لمن تتكرر رحلاتهم بحكم العمل.

 

وفي السياق نفسه، يرى إبراهيم عز الدين، المخطط والباحث العمراني، في تحليل منشور عن المشروع القومي للطرق، أن المحاور الجديدة قد تتحول إلى سبب لارتفاع تكلفة الرحلات بدلًا من تخفيف أعبائها الاقتصادية.

 

ويستشهد عز الدين بتجربة مستخدمي طريق بنها الحر، حيث أصبح بعض الركاب أمام اختيار بين تحمل ازدحام الطريق القديم أو دفع أجرة إضافية لاستخدام الجديد، بما يجعل القدرة المالية محددًا للاستفادة من التطوير.

 

ومن هنا، تبدو المشكلة أعمق من الاعتراض على دفع بضعة جنيهات؛ فحين يصبح البديل الأرخص أكثر ازدحامًا وأطول زمنًا، تضيق حرية الاختيار، ويتحول سداد الرسوم إلى ضرورة عملية يفرضها الوصول إلى العمل والأسرة.

 

وعلى هذا الأساس، لا يجوز اختزال المنفعة العامة في عدد الدقائق التي تختصرها السيارة، دون حساب ما يدفعه صاحبها مقابل هذا الاختصار، ومدى تناسب الفاتورة المتكررة مع دخله والتزاماته الأساسية الأخرى.

 

بل إن وصف الطريق بأنه أسرع لا يعفي الحكومة من مسؤولية إتاحة تنقل ميسور، لأن العامل الذي يستخدمه لتحصيل رزقه لا يشتري رفاهية، وإنما يتحمل تكلفة إضافية للوصول إلى مصدر دخله.

 

 

ذريعة الصيانة لا تعفي المحاسبة

 

في المقابل، يدافع وكيل لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب محمد مصيلحي عن الرسوم باعتبارها ممارسة معروفة عالميًا، ويوضح أن حصيلتها تُستخدم في التطوير والصيانة، معتبرًا الزيادات محدودة قياسًا بما تتطلبه المحافظة على الطرق.

 

غير أن الاستشهاد بتطبيق رسوم المرور خارج مصر لا يحسم عدالة قيمتها محليًا؛ فالمقارنة الجادة تحتاج إلى النظر في مستويات الدخول، وجودة البدائل، وتكرار الدفع، ووضوح القواعد التي تحكم زيادة التعريفة.

 

كما أن ضرورة الصيانة لا تمنح أي جهة تفويضًا مفتوحًا لرفع الرسوم؛ إذ يفترض أن تقترن مطالبة الناس بمزيد من الأموال بإتاحة حسابات مفهومة توضح تكلفة التشغيل وحصيلة التحصيل وأوجه الإنفاق.

 

وفي هذا الإطار، دعا إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي، في مقال عن حوادث الطرق والسكك الحديدية، إلى مراجعة قروض النقل والإنفاق على مشروعاته، ومساءلة جودة النتائج التي تحققت مقابل الأموال الضخمة المخصصة لها.

 

وبناءً على هذا المطلب، تصبح المحاسبة على العائد شرطًا أساسيًا قبل تحميل المستخدم أعباء جديدة؛ فحجم الإنفاق وحده لا يثبت كفاءته، كما أن ضخامة المشروع لا تضمن تلقائيًا عدالة تمويله أو حسن إدارته.

 

ورغم أن أستاذ التخطيط العمراني سيف الدين فرج يربط تفاوت الرسوم باختلاف كثافة الاستخدام وتكلفة الصيانة، فإن هذا التفسير يفتح سؤالًا عن دراسات التشغيل التي سبقت إنشاء الطرق وتقدير أعبائها السنوية.

 

فإذا كانت بعض المسارات تشهد نشاطًا مكثفًا لثلاثة أشهر فقط، فإن موسمية الاستخدام يفترض أن تكون حاضرة في حسابات الجدوى منذ البداية، لا أن تصبح لاحقًا مبررًا دائمًا لزيادة ما يسدده العابرون.

 

لذلك، فإن إعلان أعداد الكباري وأطوال المحاور لا يغني عن نشر مؤشرات قابلة للمراجعة بشأن تكاليف الصيانة والسلامة وكفاءة التحصيل، حتى يستطيع الناس تقييم الخدمة التي يدفعون ثمنها بدلًا من الاكتفاء بخطاب الإنجازات.

 

 

تنمية تستبعد أصحاب الدخول المحدودة

 

وعلى طريق العودة إلى الشرقية، يروي أحمد فرج أنه يسدد 15 جنيهًا بسيارته الملاكي على طريق شبرا بنها الحر، ثم عشرة جنيهات أخرى بين الزقازيق وديرب نجم، لتصل الرسوم إلى 25 جنيهًا.

 

وبالنسبة إلى من يضطر لعبور بوابات يوميًا، تتغير دلالة المبلغ تمامًا؛ فافتراض دفع 25 جنيهًا في كل اتجاه خلال 22 يوم عمل يعني إنفاق 1100 جنيه شهريًا على الرسوم وحدها، قبل الوقود والصيانة.

 

وإلى جانب ذلك، تتحمل بعض الأسر المقيمة بأطراف القاهرة رسومًا متكررة للوصول إلى منازلها، أو تلجأ إلى الاشتراكات، بينما يضيف الانتظار أمام بوابات التحصيل تكلفة زمنية تنتقص بدورها من الفائدة المعلنة للطرق السريعة.

 

وفي جذور هذا الخلل، رصد الباحث العمراني يحيى شوكت، بالاشتراك مع أميرة خليل، في دراسة لموازنة 2015/2016، تفاوتًا حادًا في توزيع استثمارات التنقل، وضعفًا في الإنفاق على الأتوبيسات والترام مقارنة بالمشروعات الأخرى.

 

وقد أظهرت الدراسة آنذاك تخصيص 8.2% فقط من موازنة النقل الجماعي للأتوبيسات والترام، وهو اختلال يوضح أهمية مساءلة أولويات الإنفاق، بدلًا من اعتبار كل توسع إنشائي دليلًا كافيًا على خدمة احتياجات الأغلبية.

 

ومن هذا المنظور، تصبح زيادة الرسوم أشد وطأة عندما يغيب البديل الجماعي الملائم؛ إذ يُطلب من المستخدم دفع المزيد مقابل الطريق، بينما تظل قدرته على الاستغناء عن السيارة مرتبطة بتوافر خدمة أخرى وكفاءتها.

 

فضلًا عن ذلك، قد تنتقل زيادة تكاليف عبور المركبات التجارية إلى أسعار التوزيع والخدمات، وفق قدرة العاملين على استيعابها، بما يوسع دائرة المتضررين لتشمل أسرًا لا تمتلك سيارة ولا تعبر بوابة تحصيل بنفسها.

 

وهكذا، تتحول الحكومة من تقديم الطرق باعتبارها منفعة عامة إلى مطالبة الناس بإثبات قدرتهم على دفع ثمن استخدامها باستمرار، بينما يبقى معيار النجاح الحقيقي هو تخفيف تكلفة الحياة، لا تعظيم حصيلة البوابات.