أعادت خطبة الجمعة الموحدة لوزارة الأوقاف ملف تصوير الأفراد إلى قلب الجدل العام، بعدما وضعت الخصوصية في مواجهة مباشرة مع استخدام الهواتف المحمولة لتوثيق اعتداءات ومخالفات ووقائع قد تتحول لاحقًا إلى أدلة.

 

وفتحت صياغة الخطبة بابًا واسعًا للأسئلة حول حدود التحذير الديني من التصوير، خصوصًا حين ينتقل الأمر من حماية الحياة الخاصة إلى وقائع تقع في أماكن عامة ويحتاج أصحابها إلى إثبات سريع قبل ضياع الدليل.

 

 

الخصوصية ليست حظرًا مطلقًا للتوثيق

 

وفي خطبة 25 سبتمبر 2026، شددت وزارة الأوقاف على أن حرمة الخصوصية تمتد إلى الفضاء الرقمي، وحذرت من تصوير الناس دون إذن ومن نشر صورهم ومعلوماتهم بما قد يسبب أذى مستمرًا يتجاوز لحظة الالتقاط.

 

كما أن هذا التحذير ينسجم مع أصل دستوري واضح، إذ تقر المادة 57 بحرمة الحياة الخاصة وسرية وسائل الاتصال، لكنها لا تجعل كل استخدام للكاميرا في المجال العام فعلًا واحدًا يخضع للحكم نفسه.

 

لكن الإشكال يبدأ عندما تُطرح عبارة «التصوير دون إذن» بصياغة عامة، من دون إبراز الفروق القانونية بين منزل مغلق وطريق عام، أو بين تصوير عابر وتوثيق واقعة عنف أو إهمال أو مخالفة جسيمة.

 

وفي هذا السياق، يؤكد محمود البدوي، المحامي بالنقض والخبير القانوني ورئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان، أن التقاط الصور في المكان العام لا يخضع تلقائيًا للحظر المقرر لتصوير الأشخاص داخل الأماكن الخاصة.

 

كما أن هذا التفريق يهدم فكرة التعامل مع الكاميرا باعتبارها مصدر الخطر في ذاتها، ويعيد النقاش إلى طبيعة المكان والواقعة وطريقة استخدام التسجيل، بدل وضع التوثيق المشروع وانتهاك الحياة الخاصة في سلة واحدة.

 

ومن ثم تزداد الحاجة إلى تعريف الناس بالفارق بين من يلاحق شخصًا عاديًا بعدسته بلا مبرر، وبين من يوثق اعتداءً يقع أمامه أو مخالفة قد تختفي آثارها قبل وصول الجهات المختصة.

 

وفي المقابل، يوضح حكم منشور لمحكمة النقض أن تصوير أشخاص في الطريق العام لا يدخل تلقائيًا في نطاق انتهاك الحياة الخاصة بالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، لاختلافه عن المكان الخاص.

 

لذلك فإن التوعية الدقيقة تحتاج إلى إبراز هذا الحد الفاصل، لأن صياغة المسألة باعتبار كل تصوير دون إذن اعتداءً قد تخلق فهمًا أوسع من الحدود التي رسمها القضاء عند تطبيق نصوص الخصوصية.

 

 

الهاتف شاهد لا منصة تشهير

 

وفي المحور الثاني، تتضح خطورة الخلط بين التصوير والنشر، فتوثيق واقعة محتملة الجريمة يختلف قانونيًا وأخلاقيًا عن تحويل الضحية أو المتهم أو المارة إلى مادة مفتوحة للتداول والتعليق والإدانة الجماعية.

 

كما يشرح محمد فتحي، خبير الإعلام الرقمي، أن الكاميرا ليست أصل الأزمة، وإنما الغرض من استخدامها، فتوثيق إهمال جسيم أو اعتداء أو مخالفة يمكن أن يخدم المصلحة العامة عندما يذهب الدليل للجهات المختصة.

 

لكن فتحي يضع خطًا واضحًا عند تحويل المادة المصورة إلى وسيلة ابتزاز أو تشهير أو مطاردة للمشاهدات، لأن نشر الوجوه والتفاصيل الشخصية قد يصنع ضررًا جديدًا لا علاقة له بإثبات الواقعة الأصلية.

 

وفي السياق القانوني نفسه، يقول محمد فايز، المحامي بالنقض، إن تجريم التصوير يرتبط في المادة 309 مكرر بالاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والتقاط صورة لشخص في مكان خاص دون رضاه، مع اختلاف التكييف بحسب الملابسات.

 

كما أن أحكام النقض المنشورة تميز بين تصوير شخص في مكان خاص وتصويره في طريق عام، وتؤكد أن الأخير قد لا يندرج تحت جريمة انتهاك الخصوصية، وإن أمكن أن يخضع لوصف قانوني آخر.

 

ومن هنا يصبح وضع التوثيق والنشر تحت تحذير واحد سببًا محتملاً للارتباك، بينما يحتاج الناس إلى قواعد عملية تفصل بين الاحتفاظ بالدليل وتسليمه للشرطة أو النيابة وبين بثه أمام ملايين المستخدمين.

 

وبالمثل، تشير المعايير الدولية الخاصة بالتجمعات العامة إلى أن التسجيل قد يلعب دورًا إيجابيًا في المساءلة، مع ضرورة احترام الخصوصية والتناسب، كما تقر بحق المشاركين والصحفيين والمراقبين في تسجيل مسؤولي إنفاذ القانون.

 

وعليه فإن حماية الخصوصية لا تتطلب إقصاء الكاميرا من المجال العام، بل تحتاج قواعد أوضح تحدد متى يصبح التصوير اعتداءً، ومتى يكون توثيقًا مشروعًا، ومتى ينقلب النشر نفسه إلى انتهاك منفصل.

 

 

بطء البلاغات يدفع نحو المنصات

 

وفي المحور الثالث، تظهر أزمة أعمق من الهاتف، لأن انتشار نشر الشكاوى على المنصات لم ينشأ من فراغ، بل ارتبط لدى قطاعات من الناس بالشعور بأن الرأي العام الرقمي يسرع الاستجابة الرسمية.

 

كما تلفت نشوة عقل، أستاذة الإعلام وعضو مجلس النواب، إلى أن معالجة هذا السلوك ترتبط بتحسين التعامل مع البلاغات التقليدية، بحيث يحصل صاحب الشكوى على الاهتمام نفسه دون الحاجة إلى تحويل قضيته إلى «ترند».

 

لكن هذا الطرح يضع الأجهزة المختصة أمام اختبار مباشر، فصاحب تسجيل لاعتداء أو فساد إداري يحتاج مسارًا واضحًا لاستلام المادة وحفظها وفحصها وإبلاغه بما تم، وليس تركه أمام طريق غير معلوم النهاية.

 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن النشر العشوائي قد يضر ضحايا التحرش أو الأطفال أو أشخاصًا لم تثبت ضدهم أي اتهامات، وقد يحول البحث عن العدالة إلى محاكمة جماهيرية بلا ضمانات.

 

ومن ناحية أخرى، فإن قصر التوعية على سلوك الأفراد يترك جانبًا من المشهد بلا معالجة، لأن مؤسسات الدولة نفسها مطالبة بحماية الخصوصية وعدم تفتيش الهواتف أو الاطلاع على محتواها خارج الضوابط القضائية المقررة.

 

كما وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في دراسة سابقة ممارسات لتفتيش هواتف مواطنين قسرًا، وطالبت بقصر الاطلاع على محتوى الهواتف على الأطر القضائية، وهو ما يوسع النقاش من تصوير الناس إلى حماية بياناتهم.

 

ولهذا يصبح الاتساق ضروريًا، فلا يمكن التعامل مع الخصوصية باعتبارها واجبًا يقع على الفرد وحده، بينما تظل الضمانات المطلوبة من المؤسسات أقل حضورًا رغم أن الدستور نفسه يحمي الحياة الخاصة ووسائل الاتصال.

 

وفي المحصلة، تحتاج القضية إلى خطاب أكثر تحديدًا يشرح الفرق بين المكان الخاص والعام، وبين التوثيق والنشر، وبين الدليل والتشهير، ويمنح صاحب الواقعة طريقًا قانونيًا سريعًا يحفظ حقه وحقوق الآخرين.

 

كما تحتاج المؤسسات إلى أن تجعل البلاغ الرسمي مجديًا بالسرعة نفسها التي تتحرك بها القضايا المتداولة، لأن تقليص الاعتماد على المنصات يرتبط قبل أي شيء بثقة تنشأ من استجابة واضحة ومساءلة قابلة للمتابعة.

 

وبذلك يبقى الهاتف أداة يمكن أن تنتهك الخصوصية أو تحمي حقًا، ويتحدد الفارق بالواقعة والمكان والهدف وطريقة الاستخدام، بينما تظل الحاجة قائمة لقواعد دقيقة لا تساوي بين التوثيق المشروع والتشهير.