يدفع نظام التقييم الجديد تلاميذ الصفين الأول والثاني الابتدائي إلى دائرة امتحانات شهرية وأسبوعية وأعمال سنة، بعدما كانت سنوات التأسيس أقرب إلى قياس المهارات والتفاعل، ما أشعل مخاوف أسرية واسعة من تحويل البداية التعليمية إلى سباق درجات.

 

ويضع القرار أطفالًا في السادسة والسابعة أمام امتحانات تحريرية ودرجات موزعة طوال الفصل الدراسي، بينما يؤكد أولياء أمور أن هذه السن تحتاج وقتًا للقراءة والكتابة واللعب والتفاعل، لا جدولًا متصلًا من الاختبارات والواجبات والمراجعات.

 

 

الامتحانات تزاحم سنوات التأسيس الأولى

 

وفي العام الدراسي 2026-2027، خصصت وزارة التربية والتعليم 60 درجة لامتحان نهاية الفصل، و15 درجة للاختبارات الشهرية، و10 للتقييمات الأسبوعية، و5 للواجب، و5 لكراسة الحصة، و5 للمواظبة والسلوك.

 

وبذلك لم يعد الطفل في أولى أو ثانية ابتدائي يواجه نشاطًا تشخيصيًا بسيطًا، بل منظومة درجات كاملة تلاحقه من كراسة الحصة إلى الواجب الأسبوعي ثم اختبار الشهر، قبل الوصول إلى امتحان نهاية الفصل.

 

كما يرى الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن وضع 60% من الدرجة على الامتحانات النهائية في الابتدائي يمثل ترتيبًا معكوسًا، لأن هذه المرحلة يفترض أن تعتمد أكثر على التقييم المستمر.

 

وفي تصريحات أخرى، حذر شوقي من الإفراط في التقييمات بالصفوف الأولى، موضحًا أن تداخل الواجبات اليومية والتقييمات الأسبوعية والاختبارات الشهرية قد يضاعف الضغوط على الأطفال والمعلمين والأسر دون إضافة تعليمية توازي هذا العبء.

 

ومن ناحية أخرى، تتضاعف المشكلة عندما تصبح الدرجة محور العلاقة بين الطفل والمدرسة، لأن الخوف من فقدان الدرجات يدفع بعض الأسر إلى المراجعة اليومية المكثفة، ويحوّل الخطأ الطبيعي في سنوات التعلم إلى مصدر توتر دائم.

 

وعلى هذا الأساس، تتراجع مساحة التجربة الهادئة التي يحتاجها الطفل لإتقان الحروف والكلمات والحساب، بينما يصبح المعلم مطالبًا بإنهاء المقرر وتجهيز أوراق التقييم ورصد الدرجات ومتابعة الواجبات في وقت دراسي محدود.

 

وبحسب شهادات أولياء الأمور، بدأ أطفال يسألون يوميًا عن موعد الامتحان بدل انتظار حصة الرسم أو النشاط، وهي إشارة مقلقة إلى انتقال القلق الدراسي إلى أعمار يفترض أن تتشكل فيها علاقة آمنة ومشجعة مع المدرسة.

 

وفي المقابل، لا تعني الاعتراضات رفض متابعة مستوى الطفل، وإنما الاعتراض على تحويل المتابعة إلى اختبارات متكررة ودرجات متراكمة، بدل استخدامها لتشخيص الصعوبات مبكرًا وعلاجها داخل الفصل من دون ترهيب أو سباق منزلي.

 

 

التقييمات تستهلك الحصة والبيت

 

ومن داخل الفصل، يواجه المعلم أصلًا وقتًا محدودًا لتأسيس عشرات الأطفال في القراءة والكتابة والحساب، ثم تأتي التقييمات والواجبات والرصد لتقتطع جزءًا إضافيًا من الحصة التي يفترض أن تذهب للتدريب الفردي والممارسة.

 

كما قال الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، إن كثرة التقييمات تستغرق وقتًا على حساب القراءة الحرة والأنشطة الفنية والرياضية، وقد تزيد الضغط الواقع على الطفل.

 

وفي قراءة أخرى لتطبيق النظام، أوضح حجازي أن ضيق زمن الحصة مع كثرة التقييمات يترك وقتًا أقل للشرح، وهو ما قد يدفع الطلاب إلى البحث عن دعم تعليمي خارج المدرسة بدل أن تكون المدرسة هي المصدر الأساسي.

 

ومن ثم يصبح ما يفترض أنه أداة لمتابعة التحصيل سببًا إضافيًا في تمديد اليوم الدراسي داخل المنزل، حيث تتابع الأسرة الواجب وكراسة الحصة والتقييم الأسبوعي والاختبار الشهري خوفًا من ضياع أي جزء من الدرجات.

 

وعلاوة على ذلك، تقول إحدى الأمهات إن الأسرة أصبحت تعيش في «ساقية دراسية» تمتد تسعة أشهر، فلا مساحة كافية للراحة أو اللعب، بينما تتراكم الواجبات والتقييمات ثم الامتحانات في دورة لا تكاد تتوقف.

 

وفي السياق نفسه، يحذر أولياء أمور من أن العبء يقع على الأمهات بصفة خاصة، إذ تتحول ساعات المساء إلى متابعة للكتابة والحل والمراجعة، حتى يبدو أن الأسرة كلها مطالبة بأداء أعمال السنة بدل الطفل.

 

وبينما يفترض أن تساعد المتابعة المستمرة في اكتشاف الضعف مبكرًا، فإن كثافتها قد تدفع بعض المعلمين إلى التركيز على شكل الإجابة المطلوبة في الاختبار، بدل منح الطفل وقتًا كافيًا للفهم والممارسة وتصحيح الأخطاء.

 

ولذلك فإن ربط كل نشاط تقريبًا بدرجة يرفع حساسية الأسرة تجاه أي تقصير صغير، ويغذي المقارنات بين الأطفال، مع أن الفروق الفردية في سرعة القراءة والكتابة خلال هذه السن طبيعية ولا تعني فشلًا دراسيًا مبكرًا.

 

 

القرارات المرتدة تربك فلسفة التأسيس

 

وفي الخلفية، كان مسار تطوير التعليم الذي بدأ عام 2018 قد قام على إبعاد الامتحانات التقليدية عن الصفوف الأولى، مع التركيز على الفهم والمهارات والتقييم المستمر، قبل أن تعود الاختبارات تدريجيًا إلى هذه الأعمار.

 

كما أن عودة الورقة الامتحانية إلى الصفين الأول والثاني لا تبدو تعديلًا صغيرًا في جدول الدرجات، بل تغييرًا في فلسفة مرحلة تأسيسية صُممت أصلًا لتقليل الحفظ والاسترجاع وإعطاء الطفل مساحة أوسع للتفاعل والتجربة.

 

ومن زاوية السياسات التعليمية، يرى الدكتور محسن فراج، أستاذ المناهج بكلية التربية بجامعة عين شمس، أن تطوير التعليم يحتاج خطة ممتدة، وأن القرارات المتتابعة وردود الفعل المفاجئة لا تمنح المنظومة استقرارًا كافيًا لقياس نتائجها.

 

وفي هذا السياق، اعتبر فراج أن كثرة القرارات الحالية تفتقر إلى الوضوح في بعض جوانبها، وهو ما يضع عودة الامتحانات المبكرة داخل سؤال أوسع عن ثبات فلسفة التطوير وعدم تبديل أدواتها قبل تقييم آثارها.

 

ومن هنا يزداد قلق الأسر عندما تجد طفلًا بدأ عامه الدراسي الأول محاصرًا بين واجب وكراسة وتقييم أسبوعي واختبار شهري وامتحان نهائي، بينما تتغير قواعد القياس من مرحلة لأخرى بوتيرة يصعب استيعابها.

 

كما أن التوسع في الاختبارات لا يضمن وحده علاج ضعف القراءة والكتابة، لأن التشخيص بلا وقت كافٍ للتدخل والعلاج قد يتحول إلى تسجيل متكرر للمشكلة نفسها، بينما يحتاج الطفل إلى معلم متفرغ وتدريب فردي منتظم.

 

وعلى الجانب الآخر، يستند مؤيدو النظام إلى أن التقييمات المتقاربة تمنع تراكم الضعف حتى الصفوف الأعلى، وتوفر للأسرة والمعلم صورة مستمرة عن مستوى الطفل، وهي حجة ترتبط بضرورة المتابعة المبكرة وعدم ترك الفجوات التعليمية تتسع.

 

لكن الاعتراض الذي يطرحه متخصصون وأسر يتركز على حجم الجرعة وطريقة التنفيذ، لا على مبدأ المتابعة، خصوصًا حين تجتمع الامتحانات الشهرية والتقييمات الأسبوعية والواجبات وامتحان نهاية الفصل في عمر ست أو سبع سنوات.

 

وفي النهاية، تضع الأزمة وزارة التعليم أمام سؤال مباشر عن فلسفة الصفوف الأولى: هل المطلوب بناء طفل يحب المدرسة ويتقن المهارات تدريجيًا، أم بناء سجل درجات يبدأ منذ السنة الأولى ويجعل الامتحان حاضرًا في كل أسبوع وشهر؟

 

وبالتالي تظل المسألة معلقة بين هدف معلن لمتابعة التحصيل مبكرًا وتحذيرات تربوية من أن كثافة القياس قد تستهلك وقت التعلم نفسه، وتحوّل المتابعة من وسيلة علاج إلى عبء يومي على الطفل والمعلم والأسرة.