ينظر الإسلام إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا مكرمًا ينتمي إلى أصل بشري واحد، مهما اختلف عرقه أو لغته أو لونه أو موطنه، ولذلك أقام القرآن الكريم منظومة واسعة من القيم الإنسانية التي تحفظ الكرامة، وتدعو إلى العدل، وتؤكد المساواة، وتفتح أبواب التعارف والتعاون والتسامح بين البشر. ومنذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، أرست مصادر الإسلام الأساسية، وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، قواعد واضحة للتعامل مع الاختلاف بوصفه سنة من سنن الله في خلقه، لا مبررًا للصراع أو التعصب أو التمييز.

 

ويقدم التاريخ الإسلامي في مراحل متعددة شواهد على حضور هذه القيم في حياة المسلمين وتعاملهم مع أتباع الديانات والملل والثقافات المختلفة، سواء كان المسلمون حكامًا أو محكومين. فالغاية التي يرسمها الإسلام للعلاقات الإنسانية تقوم على صيانة كرامة الإنسان واحترام حقوقه، وإقامة العدل بين الناس، وتحويل التنوع البشري من سبب للتنازع إلى باب للتعارف والتعاون والتسابق في الخير وإعمار الأرض.

 

 

وحدة الأصل تجمع بني الإنسان

 

يبدأ التصور الإسلامي للعلاقة بين البشر من حقيقة كبرى، وهي أن الناس جميعًا ينحدرون من أصل واحد، وأن اختلاف الشعوب والقبائل والألوان والألسنة لا يلغي وحدة الأسرة الإنسانية ولا يعطي شعبًا أو عرقًا حق الاستعلاء على غيره.

 

ولهذا خاطب الله تعالى البشر جميعًا بخطاب جامع، فقال سبحانه: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: 13].

 

فالغاية التي يقررها القرآن من التنوع ليست التنافر ولا التباغض، وإنما «التعارف»، بما يحمله هذا المعنى من التقارب والتعاون وإدراك الإنسان لما يجمعه بغيره قبل النظر إلى ما يختلف فيه معه.

 

ويؤكد القرآن كذلك أن البشر جميعًا يرجعون إلى نفس واحدة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

 

وقال سبحانه في موضع آخر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189].

 

وهكذا يهدم القرآن منذ البداية كل أساس يمكن أن تُبنى عليه العنصرية أو العصبية أو احتقار الآخر، لأن الجميع أبناء أصل بشري واحد، خلقهم إله واحد، وجعل اختلافهم جزءًا من حكمته في هذا الكون.

 

 

عبادة الله غاية البشر جميعًا

 

لم يوحد الإسلام بين الناس في أصل الخِلقة فقط، بل قرر كذلك وحدة الغاية الكبرى من وجودهم، وهي عبادة الله تعالى، فليس هناك جنس خُلق لهدف مختلف عن جنس آخر، وإنما جاءت الغاية واحدة.

 

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

 

ولذلك جاء النداء القرآني عامًا للناس جميعًا، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].

 

إنه خطاب لا ينظر إلى قوم أو لون أو طبقة اجتماعية، وإنما يخاطب «الناس»، ليربطهم جميعًا بالخالق الواحد الذي أنعم عليهم بالوجود، ويذكرهم بأن الاختلافات الدنيوية لا تلغي الحقيقة الكبرى التي يشترك فيها البشر جميعًا.

 

كما حمل الإنسان مسؤولية إعمار الأرض والقيام بواجبه فيها، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].

 

ومن هنا يتحول وجود الإنسان على الأرض إلى مسؤولية أخلاقية وعمرانية، فليس المقصود أن يعيش البشر في صراع دائم، وإنما أن يقوموا بواجبهم في الإصلاح والبناء، وأن يتجنبوا الظلم والفساد وسفك الدماء.

 

 

التقوى تسقط أوهام التفوق

 

وضع الإسلام معيارًا واضحًا للتفاضل بين البشر لا يقوم على المال أو النسب أو اللون أو اللغة أو الطبقة الاجتماعية، وإنما يرتبط بالتقوى والعمل الصالح وما يحمله الإنسان من استقامة ومسؤولية أمام خالقه.

 

قال تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: 13].

 

وتسد هذه الآية الطريق أمام أوهام التفوق العنصري والاجتماعي، فلا يستطيع صاحب مال أن يدعي أنه أكرم عند الله بسبب ثروته، ولا صاحب نسب بسبب أسرته، ولا شعب بسبب عرقه أو لغته أو حضارته.

 

كما تكسر الآية أبواب الكبر والغرور، وتجعل قيمة الإنسان مرتبطة بما يحمله قلبه من تقوى وما يقدمه من عمل صالح، وهي قيمة لا يملك البشر الحكم الكامل عليها، لأن الله سبحانه هو العليم الخبير.

 

وبذلك يصبح المجتمع أقرب إلى العدل حين تتحرر نظرة الناس بعضهم إلى بعض من الاعتبارات الزائفة التي صنعت عبر التاريخ صورًا كثيرة من التمييز والاضطهاد والاستعلاء.

 

 

الاختلاف سنة ربانية للتعارف

 

يقرر القرآن الكريم بوضوح أن اختلاف البشر في الشرائع والمناهج والثقافات ليس حادثًا خارجًا عن إرادة الله، وإنما يقع في إطار حكمته سبحانه وابتلائه لعباده.

 

قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48].

 

واللافت أن القرآن لم يجعل الاختلاف سببًا للتوقف عن الخير، بل وجّه البشر مباشرة إلى قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، لتصبح ميادين البر والإصلاح والعطاء ميدانًا للتنافس بدلًا من الخصومة والعداء.

 

كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119].

 

وتؤكد هذه الآيات أن الاختلاف سيظل حاضرًا في حياة البشر، وأن محاولة محوه بالكامل تصطدم بطبيعة الحياة الإنسانية التي أرادها الله متنوعة ومتعددة.

 

فالاختلاف في الألسنة والألوان والثقافات والمعتقدات لا ينبغي أن يتحول إلى وقود للكراهية، وإنما يمكن أن يصبح بابًا لفهم الآخر، وتبادل الخبرات، وإثراء الحياة الإنسانية، وتحقيق التعاون الذي تحتاج إليه المجتمعات حتى تستقيم شؤونها.

 

ومن هنا فإن تقبل وجود المختلف والتعامل معه بالعدل ليس تنازلًا عن العقيدة أو الخصوصية، وإنما هو إدراك لحقيقة قرآنية تؤكد أن الله سبحانه جعل البشر مختلفين، ثم أمرهم بأن يتسابقوا في الخير وأن يتركوا الحكم النهائي فيما اختلفوا فيه إليه سبحانه.

 

 

قيم الإسلام طريق للتعايش

 

أسس الإسلام مفهومًا واسعًا للمشترك الإنساني، يجمع بين الحفاظ على الهوية الدينية والاعتراف بكرامة الإنسان، فلا يطلب من المسلم أن يتخلى عن عقيدته، كما لا يجعل اختلافه مع غيره مبررًا للظلم أو الاعتداء أو الإهانة.

 

وتقوم هذه الرؤية على مجموعة من الأسس القرآنية الكبرى: وحدة الأصل البشري، ووحدة الخالق، ووحدة الغاية من الوجود، وإقرار التنوع، ورفض التفاضل العنصري، والدعوة إلى التعارف، والتنافس في الخير.

 

كما أن استحضار هذه القيم في واقع المجتمعات المعاصرة أصبح ضرورة في ظل ما يشهده العالم من صراعات دينية وعرقية وثقافية، إذ يقدم التصور الإسلامي أساسًا يمكن أن تُبنى عليه علاقات تحفظ الخصوصيات دون أن تحولها إلى جدران من الكراهية.

 

وقد أكدت التجربة التاريخية للمسلمين في مراحل كثيرة إمكانية ترجمة هذه المبادئ إلى واقع اجتماعي، عندما عاش أتباع ديانات وثقافات متعددة داخل مجتمعات إسلامية، وتفاعلت بينهم المصالح والمعارف والتجارب الإنسانية.

 

ومن ثم فإن الدعوة إلى المشترك الإنساني ليست دعوة إلى تذويب العقائد أو إلغاء الفوارق بين الأديان، وإنما هي دعوة إلى فهم الحكمة من التنوع، واحترام الإنسان، وإقامة العدل معه، والتعاون فيما يحقق الخير ويحفظ المجتمعات من الظلم والصراع.

 

إن البشرية اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة هذا الخطاب القرآني الجامع الذي يبدأ بنداء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ويذكر الجميع بأنهم من نفس واحدة، وأن اختلافهم وسيلة للتعارف، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم، وأن طريق التعامل مع التنوع ليس التناحر وإنما قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.

 

وبذلك يقدم الإسلام رؤية متكاملة لعالم يحفظ للإنسان كرامته، ويقيم العلاقات على العدل والرحمة والتعاون، ويجعل من الاختلاف مصدرًا للتعارف والإثراء بدلًا من أن يكون سببًا للبغضاء والصدام، لتظل رسالة القرآن دعوة مفتوحة إلى سلام يقوم على الحق، وتعايش يقوم على العدل، وإنسانية يجمعها أصل واحد وخالق واحد.

..........................................................

المصادر والمراجع:

1. الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري "جامع البيان في تأويل القرآن".

2. المغراوي، محمد بن عبدالرحمن. التدبر والبيان في تفسير القرآن بصحيح السنن.

3. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

4. الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1415هـ، 1995م.

5. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان".

6. ابن قيم الجوزية. مفتاح دار السعادة، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، السعودية، ط1، 1997م.

7. سيد قطب. في ظلال القرآن.

8. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.