طلال أبو غزالة

رجل أعمال أردني، خبير في المعلوماتية والملكية الفكرية

 

ثمّة دراسات وأخبار تمرّ أحيانًا وكأنّها أرقام، لكن الحقيقة أنّها تتصل بشيء أكبر بكثير. وقصّة المعادن النادرة واحدة منها، وهناك فرق كبير بين امتلاك مخزون استراتيجي وامتلاك صناعة استراتيجية.

 

مثلًا، تُفيد دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (سي أس آي أس)، الذي سبق أن كنتُ عضوًا في مجلس الشرق الأوسط التابع له، بأنّ قيود المعادن النادرة كشفت واحدة من أبرز نقاط الضعف في الأمن القومي الأميركي، بسبب الاعتماد على سلاسل توريد تُسيطر عليها الصين بدرجة كبيرة، أي إنّ الاعتماد الغربي على المعادن الصينية يجعل أي اضطراب في التوريد عامل ضغط مباشر على الصناعات التكنولوجية والعسكرية.

 

في المقابل، تضخ واشنطن اليوم مليارات الدولارات لبناء سلاسل توريد تقول إنّها أكثر أمانًا، تشمل المناجم، ومصانع المعالجة، والمخزونات الاستراتيجية، والمغناطيسات، إلى جانب اتفاقيات مع حلفاء في آسيا وأستراليا والشرق الأوسط، لكن من يتابع هذه التحرّكات يُلاحظ أنّها تكشف حقيقة لافتة، بأنّ الولايات المتحدة تحاول بسرعة إنشاء صناعة بنتها الصين بهدوء، وعلى مدى سنوات طويلة.

 

وقد ظهر هذا بوضوح عندما فرضت بكين قيودًا على صادرات بعض المعادن النادرة في إبريل 2025، ثم وسّعتها في أكتوبر، وعندها أدركت شركات غربية كثيرة أنّ المشكلة لا تتعلّق بتوافر الخام فقط، بل أيضًا بالقدرة على فصله وتكريره ومعالجته وتحويله إلى مُكوّنات صناعية جاهزة، فالخام قد يوجد في أكثر من دولة، لكن منظومة الإنتاج المُتكاملة لا تزال مُركّزة إلى حدّ كبير في الصين، لذلك لم يكن أثر القيود الصينية مُرتبطًا فقط بما يغادر الموانئ، بل بما يحدث بعد استخراج الخام من المنجم، وهي مرحلة لا يمكن تعويضها بقرار تمويل أو إعلان سياسي.

 

من هنا جاءت الاستجابة الأميركية الواسعة التي توحي بأنّ واشنطن بدأت معالجة الخلل، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما، لكن تمويل الصناعة لا يعني امتلاكها، فالمعدن المُستخرج من المنجم لا يصبح مباشرة مادة صالحة لمصانع الطائرات، والسيارات، والإلكترونيات، والدفاع، وبين المرحلتين عمليات فصل وتنقية ومعالجة، ثم صناعات مُتخصّصة وقد تستغرق سنوات حتى تصل إلى إنتاج تجاري مستقر. غير أنّ الصين أنجزت هذا المسار بالفعل، ولذلك تبدو المقارنة غير متكافئة، فعندما تعلن واشنطن عن مصنع جديد تضيف حلقة إلى سلسلة لا تزال قيد التكوين، بينما تمتلك بكين سلسلة عاملة يمكنها تعديل شروطها وكمياتها وفق الظروف السياسية والاقتصادية.

 

ربّما تستطيع الولايات المتحدة شراء التكنولوجيا وبناء المصانع، لكن تحويل الخطط إلى صناعة مستقرّة ليس أمرًا سريعًا، خصوصًا أنّ الصين مرّت بهذه المراحل قبل أن تصبح مركزًا عالميًّا لهذا القطاع... وقد تغيّر هذه الجهود شكل السوق على المدى الطويل وتُقلّص الحصة الصينية، لكن تقليل الاعتماد يختلف عن إزاحة الصين من موقعها الحالي، فتنويع مصادر الإمداد لا يعني أنّ المصدر المُراد الابتعاد عنه فقد أهميته؛ بل قد يؤكّد العكس، خصوصًا أنّ هذه الاستثمارات لم تكن لتبلغ هذا الحجم لولا أنّ بكين تملك موقعًا لا يمكن تجاهله. فحتى الهدنة التجارية بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، في أكتوبر الماضي، لم تُنهِ القلق. قد تكون خفّفت التوتّر، لكنها لم تُعد الشركات الغربية إلى ما قبل اكتشاف هشاشة سلاسل توريدها.

 

ومن منظور بكين، لا تحتاج المسألة إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن، يكفي أن تدرك الولايات المتحدة أنّ إعادة بناء قطاع صناعي حسّاس كهذا لا تتم خلال عام أو عامين، وهنا تدخل المعادن النادرة في الحساب الأوسع المُرتبط بتايوان، فإذا وقع تصعيد في مضيق تايوان، فلن تقتصر الأزمة على السفن والطائرات والأسواق المالية؛ بل ستكون سلاسل التوريد في قلب المعادلة، وستكون المعادن النادرة من أكثر حلقاتها حساسية، لذلك تتجاوز الإجراءات الأميركية الخاصة بالمغناطيسات الصينية، ومنها القيود التي ستبدأ في وزارة الدفاع في يناير 2027، حدود سياسة المشتريات العسكرية. فواشنطن تريد معرفة مصدر المواد الداخلة في منظومتها الدفاعية، وهذا مفهوم، لكن الصين تنظر إلى الأمر من موقع مختلف فلديها صناعة قائمة، وسوق كبيرة، وخبرة مُتراكمة، وقدرة على معالجة المواد التي يحاول الآخرون إنتاجها محليًّا، ولن تحتاج إلى إثبات هذا في كلّ مرة؛ فحجم الأموال التي تضخّها واشنطن وحلفاؤها يكفي لإظهار الفارق.

 

ستستمر المنافسة، وقد تتراجع حصّة الصين مع الوقت، وتظهر مراكز إنتاج جديدة، غير أنّ السؤال الأهم لا يتعلّق بعدد المليارات المُعلنة أو المشاريع الجديدة، بل بكمية الإنتاج الفعلي عندما تبدأ المصانع العمل، وبكلفته، وبمدى قدرة هذه السلاسل على الاستمرار من دون دعم حكومي دائم.