يفتح حديث وزير الدولة للإعلام  بحكومة الإنقلاب ضياء رشوان عن ملاحقة مستخدمي السوشيال باسم «الحق العام» بابًا جديدًا لتخويف المصريين من الكتابة، فيما تتقدم توجيهات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ومشروعات البرلمان لتضييق المساحة التي بقيت متاحة للتعبير.

 

وتدفع السلطة بثلاثة مسارات متزامنة: رصد المحتوى تمهيدًا للملاحقة، وفرض ضوابط على المنصات، وإعداد تشريعات تمنح الدولة صلاحيات أوسع. وعندما تغدو العبارات الفضفاضة معيارًا للمحاسبة، يصبح الصمت الخيار الأكثر أمانًا للمستخدمين.

 

 

الحق العام بوابة لترهيب المستخدمين

 

وفي اجتماعه مع رؤساء تحرير مواقع إخبارية يوم 21 سبتمبر، تحدث ضياء رشوان عن تحريك دعاوى في نطاق «الحق العام» ضد محتوى يمس ما وصفه بقيم المجتمع وتماسك الأسرة والكرامة الإنسانية والخصوصية.

 

وبينما تشمل القائمة اعتداءات محددة كالسب والقذف وانتهاك الحياة الخاصة، فإن إدخال «قيم المجتمع» و«تماسك الأسرة» يترك مساحة واسعة لتأويل منشور غاضب أو تعليق ساخر بوصفه مخالفة تستدعي تدخل الدولة.

 

ومن جهتها، حذرت لبنى درويش، مديرة المناصرة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في ورقة موقف أعدتها عن تنظيم مواقع التواصل، من أن العبارات الغامضة قد تتحول إلى جرائم جديدة وآلية دائمة لرصد الحسابات وملاحقة أصحابها.

 

كذلك وثقت الورقة، حتى نهاية يوليو 2026، ما لا يقل عن 545 قضية أو واقعة ملاحقة مرتبطة باتهام «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، طالت 626 شخصًا على الأقل؛ وهي حصيلة تمنح تهديدات رشوان وقعًا ملموسًا.

 

وعلى هذا الأساس، لا يحتاج التخويف إلى ملاحقة كل مستخدم. يكفي الإعلان عن رصد التعليقات وحفظها وفحصها حتى يبدأ المصريون بمراجعة كلماتهم قبل نشرها، خشية أن تُحمّلها جهة رسمية معنى لم يقصدوه.

 

ثم يزداد الخطر حين يصبح مسؤول الإعلام طرفًا في اختيار ما يستحق الملاحقة تحت عنوان «الحق العام». فالوزارة التي يفترض أن تيسر وصول المعلومات تضع نفسها هنا عند مدخل بلاغات تهدد أصحاب الآراء.

 

ولهذا تبدو دعوة رشوان إلى تطوير الأطر القانونية امتدادًا للملاحقة المعلنة، لا إجراءً منفصلًا عنها؛ إذ يجمع المساران بين مراقبة ما يكتبه المصريون اليوم وتوسيع سلطة الدولة على ما سيكتبونه غدًا.

 

 

حماية الأطفال تتحول إلى وصاية رقمية

 

وفي 17 سبتمبر، طالب السيسي بالتحرك السريع لحماية الأطفال من مخاطر المنصات دون انتظار تشريع جديد، بعدما حمّل المستخدم مسؤولية اختياراته على السوشيال، في خطاب وسّع دائرة الخوف من الاستخدام اليومي لهذه المساحات.

 

وعقب ذلك، صدر قرار يمنع الحسابات المستقلة لمن هم دون 13 عامًا، ويفرض وضعًا آمنًا على حسابات من تتراوح أعمارهم بين 13 وأقل من 15 عامًا، مع التحقق من أعمار المستخدمين ومراجعة الحسابات القائمة.

 

وفي المقابل، تثير أدوات التحقق والرصد أسئلة عن البيانات التي ستُجمع، ومن سيطلع عليها، وحدود استخدامها لاحقًا. وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا حين تجتمع إجراءات المنصات مع توجه حكومي أوسع لمراقبة المحتوى.

 

ومن جانبه، تناول محمد عبد السلام، المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، ملاحقة النساء بسبب تعبيرهن الرقمي تحت دعاوى حماية قيم الأسرة، وعدّها من الانتهاكات المستمرة لحرية التعبير في مصر.

 

كما يُظهر هذا المسار أن عنوان الحماية يمكن أن يتجاوز الفئة المعلنة له. فحين تتسع سلطة تصنيف المحتوى إلى «ضار» أو «مخالف للقيم»، قد تطال القيود أصوات البالغين وشكاواهم اليومية أيضًا.

 

وفوق ذلك، لا يبدد تحميل الأسر مسؤولية حماية أبنائها أثر توجيهات السيسي على بقية المستخدمين. فالرسالة السياسية المصاحبة للتحرك السريع تقول إن الكتابة والمشاهدة والمشاركة باتت أنشطة تستدعي مراقبة أشد.

 

ولهذا لا تقف القضية عند ضبط أعمار الأطفال على المنصات؛ بل تمتد إلى حدود تدخل الدولة في حياة المصريين الرقمية، وإلى احتمال استخدام خطاب الحماية لفرض وصاية أوسع على الكلام والصور والحسابات.

 

 

تشريعات البرلمان توسع أدوات الحجب

 

وفي البرلمان، أُحيل منذ أبريل مشروع قانون لتنظيم منصات التواصل إلى لجنتي الاتصالات والشؤون الدستورية والتشريعية. ويتضمن المقترح التزامات على المنصات الأجنبية، إلى جانب صلاحيات للحجب وغرامات وعقوبات على مخالفات محددة.

 

وبموجب المشروع، تُطالب المنصات بمقر وممثل قانوني داخل مصر، وإزالة محتوى مخالف عند الإخطار، وعدم إتاحة الاشتراك لمن هم دون 16 عامًا. كما يطرح إنشاء منصة مصرية، ويجيز الحجب عند عدم الامتثال.

 

ومن زاوية المجال الرقمي، بيّنت الباحثة رحمة سامي، في دراسة عن تراخيص المواقع الإلكترونية، أن اشتراط الموافقة الإدارية المسبقة يمنح الجهات المنظمة سلطة تؤثر في استمرار المنصات وتعدد الأصوات المتاحة للجمهور.

 

كذلك يضع مشروع البرلمان سلطة الحجب في قلب العلاقة بين الدولة والمنصات. وعندما تكون مخالفة «الآداب العامة» سببًا لإزالة المحتوى، يستطيع الغموض في تعريفها دفع الشركات إلى حذف مواد واسعة اتقاءً للعقوبة.

 

وعلاوة على ذلك، يختلف حد السن المقترح في المشروع، وهو 16 عامًا، عن الفئات العمرية التي تناولها قرار سبتمبر. ويعكس اختلاف الرقمين تعدد مسارات فرض القيود قبل حسم إطار واضح لحقوق المستخدمين.

 

ومع أن المشروع لا يزال مطروحًا للمناقشة، فإن أثره يبدأ قبل إقراره حين يُقرأ إلى جوار تهديدات الملاحقة والرصد الجاري. فالمصري الذي يخشى التعليق اليوم يرى أمامه احتمال مزيد من القيود غدًا.

 

وهكذا تتلاقى تحركات رشوان وتوجيهات السيسي ومشروع البرلمان عند نتيجة واحدة: توسيع قدرة السلطة على مراقبة التعبير الرقمي ومعاقبته. وكلما اتسعت الكلمات القابلة للتأويل، ضاقت حرية المصريين واتسعت دائرة الخوف.