تضع تحريات مباحث أول مدينة نصر هيئة الأوقاف المصرية في قلب أزمة أرض الجولف، بعدما نسبت إليها فض أختام قطعة متنازع عليها رغم قرار النيابة العامة بغلق الموقع ومنع الأطراف جميعًا من التصرف فيه.
وتثير هذه الوقائع سؤالًا يتجاوز حدود 17,907 مترًا مربعًا: كيف تدفع هيئة عامة 924 مليون جنيه مقابل أرض مثقلة بالنزاع، ثم تواجه اتهامًا باقتحامها ومخالفة قرار صادر لحماية الوضع القانوني القائم؟
تحريات الفض وقرار غل اليد
وفي المحضر رقم 4584 لسنة 2026 إداري أول مدينة نصر، المؤرخ في 23 يناير، تناولت التحريات واقعة اتهام الهيئة بفض أختام القطعة رقم 6أ بشارع النزهة في أرض الجولف، استجابة لطلب النيابة فحص البلاغ.
وبحسب الوقائع المنشورة عن التحريات، نُسب إلى الهيئة دخول الأرض رغم تشميعها، وهي واقعة تستدعي تحديد الأشخاص الذين نفذوا الدخول، ومن أصدر التعليمات، وما إذا كانت هناك مستندات تجيز أي إجراء ميداني.
وكان قرار سابق في المحضر رقم 9545 لسنة 2022 قد قضى بغل يد الملاك وبنك فيصل الإسلامي وهيئة الأوقاف عن الموقع، إلى حين حسم النزاع، ما يجعل الالتزام به واجبًا على الجميع.
ولهذا لا يحسم امتلاك أحد الأطراف عقدًا أو تسجيلًا لاحقًا مسألة السماح بدخول أرض مشمعة؛ فالسؤال المباشر هو هل تغير قرار التحفظ رسميًا قبل وقوع ما تناولته التحريات من اتهامات؟
وفي المقابل، تظل التحريات عنصرًا من عناصر التحقيق وليست حكمًا نهائيًا بالإدانة، لكن هذه الحقيقة لا تبرر الصمت الإداري عن واقعة تمس سلطة النيابة أو التهرب من توضيح موقف الهيئة للرأي العام.
وتقول الرواية المنشورة إن النيابة طلبت حضور رئيس هيئة الأوقاف ومدير الشؤون القانونية ببنك فيصل لسماع أقوالهما، وإنهما لم يحضرا حتى وقت نشرها؛ ولم يتضح سبب الغياب أو موعد جديد للاستماع.
ومن ثم يصبح نشر نتيجة الاستدعاءات، وبيان حالة الأختام في تاريخ الواقعة، وتحديد المسؤول عن حراسة الموقع ضروريًا لمنع تحول قضية جنائية وإدارية محتملة إلى تراشق مفتوح بين الأطراف المتنازعة.
أما الملاك والمستفيدون فيتمسكون بحقوقهم في الحيازة، ويقدمون بلاغاتهم بوصفها مواجهة مع تصرفات البنك والهيئة، فيما يبقى تحديد صاحب الحق النهائي مرهونًا بأوراق الدعوى وأحكام القضاء.
صفقة بملايين الجنيهات وسط النزاع
وعلى جانب آخر، تعود جذور الأزمة إلى خلاف ثلاثي على الملكية والحيازة، قبل أن يتخذ بنك فيصل إجراءات لتسجيل الأرض باسمه بموجب المشهر رقم 5577 لسنة 2023، وفق الوقائع المتداولة.
لكن الملاك يعترضون على هذا الإجراء، مستندين إلى قرار غل اليد ومحضر حصر الحيازة رقم 66 لسنة 2023، الذي يقولون إنه أثبت إبعاد البنك وبقاء الأرض تحت التحفظ.
وبعد ذلك، أعلن بنك فيصل موافقة مجلس إدارته على بيع القطعة لهيئة الأوقاف مقابل 924 مليون جنيه نقدًا، رغم استمرار نزاع يضع قدرة المشتري على الانتفاع الفعلي بالأرض محل سؤال.
والأشد إثارة للجدل أن بندًا في عقد البيع، وفق الرواية المنشورة، يعفي البنك من مسؤولية عوائق الأرض ومنازعاتها الحالية والمستقبلية، ويحملها للهيئة؛ وهو ترتيب يستحق شرحًا رسميًا لتقدير المخاطر.
فإذا كانت الهيئة قد قبلت تحمل هذه المخاطر، فمن واجبها إعلان الأساس الذي استندت إليه في التقييم، وكيف حسبت أثر التقاضي والتشميع وتأخر الاستغلال على السعر المدفوع من أموال الوقف.
ولا تعني موافقة مجلس إدارة البائع وحدها سلامة الصفقة أو بطلانها؛ فالفصل في الملكية والعقد شأن قضائي، بينما تظل مسؤولية إنفاق 924 مليون جنيه قابلة للمساءلة العامة والإدارية.
وعليه، يصبح السؤال المالي محددًا: هل وُضعت سيناريوهات لخسارة الدعوى أو تأجيل البناء، وهل اطلع متخذو القرار على النزاع كاملًا قبل تحويل الثمن إلى البنك وإتمام التعاقد؟
وفي غياب إجابات موثقة، تبدو الصفقة عبئًا مفتوحًا على أموال تديرها هيئة يفترض أنها مؤتمنة عليها، خصوصًا حين يقترن ثمن الأرض باتهامات ميدانية بشأن تجاوز قرار التحفظ.
اعتراضات رقابية وأسئلة تنتظر الإجابة
وفوق ذلك، تحدثت الرواية المنشورة عن تقارير للجهاز المركزي للمحاسبات رصدت اعتراضات داخل جهات مالية ورقابية على توقيع شيكات الصرف، في ظل مخاوف تتعلق بالسيولة وبالنزاع القائم على الأرض.
غير أن مدى هذه الاعتراضات ونتائجها يحتاج إتاحة نصوص التقارير والردود الرسمية؛ فلا يكفي تداول خلاصاتها لاتهام موظفين بعينهم، ولا يجوز أيضًا دفن الأسئلة تحت شعار اكتمال إجراءات الشراء.
ولذلك يتعين بيان توقيت سداد مبلغ الصفقة، ومصدر التمويل، وطريقة تقييم الأرض، والجهة التي وافقت على تحمل الالتزامات الواردة بالعقد، حتى يمكن قياس حجم المخاطر التي تحملتها الهيئة.
كذلك يقتضي التحقيق تحديد ما إذا كانت الأختام قد فُضت فعلًا، ومتى حدث ذلك، وهل دخل الموقع موظفون أو متعاقدون باسم الأوقاف، ثم مطابقة هذه الوقائع مع محاضر المعاينة وسجلات التأمين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تمكين ممثلي الهيئة والبنك والملاك من تقديم مستنداتهم وأقوالهم كاملة، لأن الحسم لا يتحقق بعنوان اتهامي مرتفع النبرة، بل بتحقيق معلن يوضح الوقائع ويحفظ حقوق الجميع.
ومع بقاء الأرض محل نزاع، تتحول قيمة الصفقة إلى اختبار لطريقة إدارة المال العام: من أجاز الدفع، ومن قبل شروط إعفاء البائع، ومن يتحمل المسؤولية إذا تعذر استغلال الموقع؟
وبقدر ما تتطلب حماية حقوق الملاك تحقيقًا جادًا، تتطلب حماية أموال الوقف فحص كل توقيع وموافقة ومذكرة قانونية سبقت الشراء، مع إعلان النتائج للرأي العام بلا تأخير أو استثناء.
وأخيرًا، لا تنتهي القضية عند إثبات واقعة فض الأختام أو نفيها؛ إذ تنتظر إجابات منفصلة عن قانونية التصرف في الأرض، ومصير 924 مليون جنيه، ومدى احترام الجهات العامة لقرارات النيابة.
وحتى تصدر هذه الإجابات، يبقى الصمت بشأن صفقة بهذا الحجم، مع أرض مشمعة وبلاغات لم تُحسم، موقفًا يصعب الدفاع عنه أمام أصحاب الحقوق والرأي العام معًا.

