مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
تتجاوز الأسئلة المتعلقة بصفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على فروع بنك مصر في الإمارات حدود الاستفسار عن نقاط وإن كانت جوهرية منها قيمة الصفقة المحتملة والتي لم يتم الكشف عنها بعد، وهل سيتم إجراء فحص نافٍ للجهالة لأصول وخصوم الفروع قبل إتمام الصفقة، ومتى تمت عملية التقييم الأولى لأصول فروع بنك مصر والتي على أساسها جرت تلك الصفقة المكوكية، وهل تعني الخطوة اختفاء كيان بنك مصر من القطاع المصرفي الإماراتي، وما هو شكل الوجود المصرفي المصري داخل الإمارات في المرحلة المقبلة، لكن في المقابل هناك ما هو أهم من طرح تلك الأسئلة في الوقت الحالي بخاصة ونحن على مقربة من قرار أميركي مرتقب بإغلاق فروع بنك مصر في الإمارات على خلفية مزاعم بإجرائها معاملات مالية بنحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات تابعة للنظام الإيراني والحرس الثوري.
أول تلك الأسئلة: هل جرى تنسيق مصري إماراتي أميركي قبل تنفيذ الصفقة التي حصل البنك الأهلي المصري بموجبها على موافقة مبدئية من مصرف الإمارات المركزي للاستحواذ على فروع بنك مصر الخمسة في الإمارات؟ وهل كانت هناك ترتيبات رقابية أوسع شارك فيها مسؤولون من الدول الثلاث وتستهدف احتواء الأزمة المصرفية بالغة التعقيد التي تضر بالقطاع المصرفي الإماراتي وبنك مصر معًا، ومعها توفر حماية لعملاء تلك الفروع وتنظيم انتقال الأعمال والأنشطة المصرفية والالتزامات القائمة بسلاسة ويسر إلى المشتري الجديد قبل التعرض لمخاطر الإغلاق والملاحقة من قبل الإدارة الأميركية على خلفية فرض وزارة الخزانة عقوبات على الفروع بسبب صلات مزعومة بإيران واتهامات محددة موجهة له؟
ثاني تلك الأسئلة: هل تغيير الملكية وانتقالها من بنك إلى آخر وبهذه السرعة تعني تلقائيًا سقوط أي إجراء أميركي نهائي يتعلق بالتحويلات والمعاملات التي نفذتها فروع بنك مصر لصالح جهات إيرانية قبل إتمام صفقة الشراء الأخيرة؟ وهل تلك الخطوة تمنح فروع بنك مصر حصانة قانونية من أي ملاحقة أميركية قد تصدر نهاية هذا الشهر بشأن تعاملاتها مع النظام المالي الأميركي وبالدولار والربط بشبكة السويفت، أم أن تغيير شكل ملكية الفروع لا يترتب عليه محو تلقائي للالتزامات والقضايا والديون والمشكلات الأخرى المتعلقة بالفروع، بخاصة أنّ هناك فارقًا كبيرًا بين صفقات الاستحواذ ونقل قاعدة عملاء وحسابات من بنك إلى بنك آخر؟
وهل نحن أمام صفقة مرتبة بعناية تعني تحصين الأعمال والأنشطة المصرفية التي ستنتقل من بنك مصر إلى المالك الجديد وهو البنك الأهلي من تداعيات أي إجراء أميركي نهائي مرتبط بالمعاملات السابقة مع النظام الإيراني والتي لا تزال وزارة الخزانة الأميركية تصر على صحتها دون أن نسمع رأي الإدارة المصرية سواء من قبل البنك المركزي المصري أو بنك مصر الأم بالقاهرة، أم أننا أمام صفقة سريعة قد تفتح النار على البنك الأهلى المصري نفسه؟
ثالث الأسئلة: هل ما جرى من صفقة عاجلة وتحت موافقة مصرف الإمارات المركزي يعد مخرجًا منظمًا وسريعًا لبنك مصر من سوق الإمارات من دون التعرض إلى خسائر مالية كبيرة وتعويضات محتملة وملاحقات قضائية في حال اقدام الإدارة الأميركية على إغلاق تلك الفروع، ووضع عملائه تحت ضغوط شديدة أو دفعهم نحو الانتقال السريع لبنوك أخرى، ويتم التعامل معه على أنه مجرد نقل قاعدة العملاء والحسابات من بنك إلى بنك آخر؟
رابع الأسئلة المطروحة: هل تلك الصفقة تعني تراجع شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية (FinCEN) عن قرار منع المؤسسات المالية الأميركية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح بنك مصر في الإمارات، ومنع تمرير تعاملات تخصه عبر تلك الحسابات، وهو ما مثل أزمة كبرى للبنك المصري خلال الشهر الجاري، وضغطت على عملائه خاصة من ناحية تحويل الأموال وفتح الاعتمادات المستندية وإصدار خطابات الضمان وتسهيل إجراءات الاستيراد والتعامل مع الخارج؟ هل قرارات المنع ستنتقل إلى فروع البنك الأهلي في الإمارات خاصة وأنها سترث محفظة بنك مصر من ودائع وقروض وغير ذلك من الأنشطة المصرفية؟
في كل الأحوال، لم تغلق صفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على فروع بنك مصر في الامارات، باب التكهنات وطرح الأسئلة الشائكة، بل فتحتها على مصراعيها باحثة عن إجابات منطقية وشفافة تطفئ ظمأ الرأي العام في مصر المتعطش للحقيقة، وكذا أسئلة المتعاملين مع البنك المصري وهم بالمناسبة كُثر، إذ إن شريحة كبيرة من المصريين العاملين في الإمارات والبالغ عددهم نحو 1.3 مليون تتعامل مع تلك الفروع التي توفر لهم تعاملات مصرفية سلسة وتحويلات سريعة ورخيصة لذويهم في مصر.

