إسماعيل ياشا

كاتب تركي

 

صرح كبير مستشاري رئيس الجمهورية التركي ونائب رئيس لجنة سياسات القانون التابعة لرئاسة الجمهورية التركية، مهمت أوتشوم، في لقائه مع ممثلي الصحف التركية في العاصمة أنقرة الخميس الماضي، أنه يتوقع أن يتم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 16 أبريل 2028، في حال صادق البرلمان التركي على تجديد الانتخابات، مضيفا أن الرئيس أردوغان سيترشح للانتخابات الرئاسية لآخر مرة. كما أشار إلى رمزية ذاك اليوم الذي وافق الشعب التركي فيه عام 2017 عبر الاستفتاء الشعبي على الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

 

ترشح أردوغان للانتخابات الرئاسية القادمة أصبح أمرا مؤكدا بعد هذه التصريحات، إن لم يحدث طارئ يحول دون ذلك. ويحتاج تجديد الانتخابات إلى تمرير قرار من البرلمان التركي بتصويت 360 نائبا من أصل 600 نائبا لصالح القرار. ويملك حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه حاليا 326 مقعدا في البرلمان، ما يعني أن تمرير القرار من البرلمان بحاجة إلى تصويت نواب آخرين ينتمون إلى المعارضة لصالحه. ويظهر من تصريحات أوتشوم ومسؤولين آخرين مقربين من أردوغان أنهم واثقون بأن حزب العدالة والتنمية لن يجد صعوبة في إقناع عدد كاف من نواب المعارضة بالتصويت لصالح تجديد الانتخابات وتمرير قراره من البرلمان.

 

المؤيدون لترشح أردوغان لرئاسة الجمهورية لفترة أخرى يرون أن البلاد بحاجة ماسة إلى خبرته وزعامته في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها المنطقة، وأنه يجب أن يواصل قيادة تركيا مع فريقه لخمس سنوات أخرى، ما دام الدستور يمنحه هذه الفرصة، كما يقولون إن بقاء أردوغان رئيسا للجمهورية ضروري للحفاظ على الاستقرار، ونجاح مشروع "تركيا بلا إرهاب"، وإنجاز مشاريع الصناعات الدفاعية والطاقة. ويشارك في هذا الرأي حلفاء حزب العدالة والتنمية ونسبة كبيرة من أنصار تحالف الجمهور المؤيد للحكومة.

 

الأحزاب المشَكِّلة لتحالف الجمهور تدعم ترشح أردوغان للانتخابات الرئاسية القادمة. وكان رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، دعا قبل أشهر إلى ترشيح أردوغان وانتخابه لفترة أخرى. وجدد هذا الرأي قبل أيام، قائلا إن مرشح حزب الحركة القومية للانتخابات الرئاسية هو أردوغان. ولفت بهتشلي إلى أهمية السنوات الست القادمة لتركيا، مضيفا أن هناك أعمالا كثيرة يجب القيام بها. كما أشار رئيس حزب الاتحاد الكبير، مصطفى دستيجي، في المؤتمر الصحفي الذي عقده قبل أسبوع في مقر حزبه، إلى أردوغان كمرشح حزب الاتحاد الكبير للانتخابات الرئاسية القادمة.

 

حزب الرفاه الجديد، برئاسة فاتح أربكان، انضم إلى تحالف الجمهور ودعم أردوغان في الانتخابات السابقة، إلا أنه سرعان ما انشق عن التحالف بعد الانتخابات، وانضم إلى صفوف المعارضة. ويقول فاتح أربكان إنهم كحزب الرفاه الجديد لن يدعموا أردوغان مرة أخرى، بل سيترشح هو نفسه لرئاسة الجمهورية. وبعد تلك التصريحات والمواقف، تبدو عودة حزب الرفاه الجديد إلى تحالف الجمهور أمرا في غاية الصعوبة. وقد يخوض الحزب الانتخابات البرلمانية ضمن تحالف ثالث تشكله الأحزاب الصغيرة، إلا أنه من غير المتوقع أن يحظى ترشح أربكان للانتخابات الرئاسية بدعم أي حزب آخر غير حزبه.

 

هناك ارتياح في صفوف حزب العدالة والتنمية والمؤيدين لترشح أردوغان وثقة بأنه سيفوز في الانتخابات، في ظل تشرذم المعارضة والصراع الشرس بين المؤيدين لعودة كليتشدار أوغلو إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري والمنشقين من الحزب. ولا يتوقع أن تتكرر تجربة تحالف الطاولة السداسية لتخوض أحزاب المعارضة الانتخابات الرئاسية بمرشح توافقي، ما يعني أن السباق الرئاسي القادم سيخوضه أكثر من مرشحين. ومن المؤكد أن عدم وجود مرشح قوي يجتمع الناخبون المعارضون حوله بمختلف توجهاتهم السياسية سيكون لصالح أردوغان.

 

أردوغان يبلغ من العمر 72 عاما، ويحكم تركيا منذ مارس 2003. وإن ترشح للانتخابات الرئاسية القادمة وفاز فيها وأكمل فترته الجديدة، سيكون قد حكم البلاد لحوالي ثلاثة عقود. وإن كانت هذه المدة الطويلة من الحكم تشبه تلك التي تكون في الأنظمة الدكتاتورية، فإن أردوغان لم ينتهك قواعد اللعبة الديمقراطية ولم يخرج عن الصلاحيات التي يمنحها الدستور، ليبقى في منصبه، بل التزم بالدستور والقوانين والتحكم إلى الإرادة الشعبية. كما أن الانتخابات في تركيا ديمقراطية وشفافة وليست صورية كما هي في الأنظمة الدكتاتورية.

 

هناك عوامل عديدة تلقي بظلالها على توجهات الناخبين، وتأتي المشاكل الاقتصادية والظروف المعيشية على رأس تلك العوامل. ومن المؤكد أن حاجة المواطنين إلى الشعور بالأمن والأمان والاستقرار هي الأخرى تلعب دورا في تحديد اتجاه ميولهم وألوان أصواتهم. وإن نجحت الحكومة التركية في تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لبعض الشرائح كذوي الدخل المحدود والمتقاعدين قبل الانتخابات، فإن أردوغان قد يحسم الفوز في الجولة الأولى لعدم وجود مرشح ذي خبرة طويلة وحنكة سياسية يثق عموم المواطنين بقدرته على حكم البلاد، في ظل الظروف الدولية والإقليمية المضطربة واحتمال نشوب حروب وتوترات جديدة تهدد أمن تركيا واستقرارها.