تتصاعد حدة التوتر بين روسيا واليابان على خلفية الوجود العسكري الأمريكي في الأراضي اليابانية، بعدما طالبت موسكو طوكيو بإزالة منظومات الصواريخ الأمريكية من طراز «تايفون»، التي جرى نشرها خلال تدريبات عسكرية مشتركة شاركت فيها الولايات المتحدة وأستراليا واليابان.

 

وجاء الموقف الروسي الجديد بلهجة حادة، إذ أكدت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو سبق أن احتجت على نشر المنظومة، معتبرة أن وجودها في اليابان يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الروسي، في ظل حساسية الموقع الجغرافي لليابان وقربها من الأراضي والمياه الروسية في منطقة شرق آسيا.

 

ونقلت وكالة «تاس» الروسية الرسمية عن المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، أن روسيا تطالب اليابان بإزالة أنظمة «تايفون» الأمريكية من أراضيها، مشيرة إلى أن موسكو وجهت احتجاجًا رسميًا إلى طوكيو في الثالث من سبتمبر الجاري.

 

 

موسكو تصعّد احتجاجها

 

لم تكتفِ روسيا بإبداء اعتراض عابر على المناورات العسكرية، بل عادت لتؤكد أن نشر المنظومة الصاروخية مسألة تتعلق بأمنها القومي، مطالبة اليابان بالتعامل مع الاحتجاج الروسي بجدية.

 

وقالت زاخاروفا إن موسكو أرسلت مذكرة احتجاج إلى الجانب الياباني في الثالث من سبتمبر، مؤكدة ضرورة أن تأخذ طوكيو الموقف الروسي على محمل الجد.

 

ويعكس هذا التصعيد تمسك موسكو برفض أي خطوات عسكرية تراها قريبة من حدودها أو من مناطق نفوذها الأمنية في الشرق الأقصى، خصوصًا في ظل تعزيز التعاون العسكري بين اليابان والولايات المتحدة وحلفائهما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

 

وتنظر روسيا إلى التحركات العسكرية الأمريكية في محيطها الآسيوي باعتبارها جزءًا من ترتيبات أمنية أوسع قد تؤثر في التوازن العسكري بالمنطقة، بينما ترى طوكيو وواشنطن أن التدريبات المشتركة تهدف إلى رفع الجاهزية والتنسيق بين القوات المشاركة.

 

 

«تايفون» تثير مخاوف روسية

 

وتكتسب منظومة «تايفون» أهمية خاصة في الموقف الروسي بسبب طبيعة الأسلحة التي يمكنها تشغيلها، إذ تستطيع المنظومة إطلاق صواريخ من طراز «إس إم-6» وصواريخ «توماهوك» المجنحة.

 

ويزيد وجود مثل هذه القدرات الصاروخية في اليابان من حساسية موسكو تجاه التدريبات العسكرية المشتركة، خاصة أن الصواريخ المرتبطة بالمنظومة يمكن أن تمنح القوات المشاركة قدرة إضافية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.

 

ومن وجهة النظر الروسية، فإن نشر هذه القدرات في الأراضي اليابانية لا يمكن فصله عن التحولات العسكرية التي تشهدها منطقة شرق آسيا، حيث تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على تعزيز التعاون العسكري والتدريبات المشتركة.

 

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة سباقًا لتعزيز القدرات العسكرية، مع تركيز متزايد على أنظمة الدفاع الصاروخي والصواريخ بعيدة المدى والتنسيق بين القوات الأمريكية وحلفائها الآسيويين.

 

وتعتبر موسكو أن أي نشر لمنظومات صاروخية أمريكية في مناطق قريبة من الأراضي الروسية يستوجب ردًا سياسيًا وأمنيًا، وهو ما يفسر تكرار الاحتجاجات الروسية على الوجود العسكري الأمريكي في اليابان.

 

 

تدريبات مشتركة تشعل التوتر

 

جاء نشر منظومة «تايفون» خلال تدريبات عسكرية مشتركة شاركت فيها اليابان والولايات المتحدة وأستراليا، وهي تدريبات تعكس تنامي التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.

 

وتنظر طوكيو إلى هذه التدريبات باعتبارها وسيلة لتعزيز التنسيق العسكري مع شركائها، في وقت تسعى فيه اليابان إلى توسيع قدراتها الدفاعية وتكثيف التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف أخرى في المنطقة.

 

لكن موسكو تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة، إذ تعتبر أن توسيع نطاق التدريبات العسكرية ونشر أسلحة أمريكية متطورة في اليابان يزيد من الضغوط العسكرية المحيطة بها.

 

ولذلك لم يكن الاعتراض الروسي مرتبطًا بالمناورات وحدها، بل امتد إلى وجود منظومة «تايفون» نفسها، التي باتت محورًا جديدًا في الخلافات الأمنية بين موسكو وطوكيو.

 

 

خلافات موسكو وطوكيو تتسع

 

ولا يأتي الخلاف بشأن «تايفون» بمعزل عن سلسلة من التوترات السياسية بين روسيا واليابان خلال الأسابيع الأخيرة.

 

فقد تبادلت موسكو وطوكيو الاحتجاجات على خلفية عدد من التطورات، بالتزامن مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جزيرة متنازع عليها تقع قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليابان وتخضع للسيطرة الروسية.

 

وتعد هذه الجزر من الملفات التاريخية الحساسة في العلاقات بين البلدين، وظلت تمثل عقبة أمام الوصول إلى تسوية شاملة لبعض القضايا العالقة بين موسكو وطوكيو.

 

وأدى النشاط الروسي في المناطق المتنازع عليها إلى إثارة اعتراضات يابانية، في حين تؤكد موسكو تمسكها بسيادتها وسيطرتها على المناطق الواقعة تحت إدارتها.

 

ومع دخول العامل العسكري الأمريكي بقوة إلى المشهد، تتداخل الخلافات الثنائية بين روسيا واليابان مع التنافس الأوسع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

 

 

اليابان أمام ضغط روسي متزايد

 

ويضع الموقف الروسي الحكومة اليابانية أمام ضغوط إضافية، خصوصًا أن طوكيو ترتبط بتحالف أمني وثيق مع واشنطن، ويشكل التعاون العسكري الأمريكي الياباني أحد الركائز الأساسية للسياسة الدفاعية اليابانية.

 

ومن المرجح أن تجعل المطالب الروسية بإزالة منظومة «تايفون» الملف أكثر حساسية بين الجانبين، في ظل تمسك موسكو بموقفها الرافض لوجود قدرات صاروخية أمريكية متقدمة في اليابان.

 

وتحاول روسيا من خلال الاحتجاجات الرسمية إيصال رسالة واضحة إلى طوكيو وواشنطن بأن نشر أنظمة صاروخية أمريكية في المنطقة لن يمر دون اعتراض من جانبها.

 

وفي المقابل، فإن أي استجابة يابانية للمطالب الروسية ستبقى مرتبطة بحسابات طوكيو الأمنية وعلاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل القضية جزءًا من نقاش أوسع بشأن مستقبل الترتيبات الدفاعية في شرق آسيا.