تتحرك إيران على مسارين متوازيين مع تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، يجمع الأول بين تنشيط علاقاتها الإقليمية، والثاني بين رفع مستوى التحذيرات العسكرية من أي هجوم جديد، وذلك بالتزامن مع استعداد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للتوجه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، وصل وزير الداخلية الباكستاني محسن رضا نقوي إلى طهران، الاثنين، في زيارة رسمية التقى خلالها نظيره الإيراني إسكندر مؤمني والرئيس مسعود بزشكيان، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتعاون الحدودي والاقتصادي، إلى جانب التطورات الإقليمية.
وتأتي الزيارة في وقت تؤدي فيه إسلام آباد دوراً في الاتصالات المتعلقة بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة، بينما تؤكد طهران أن زيارة الوزير الباكستاني مخصصة بالأساس لمتابعة الملفات الثنائية والاتفاقات السابقة، وليست مرتبطة برسالة أو مبادرة أميركية جديدة.
وفي المقابل، صدرت عن القيادة العسكرية الإيرانية خلال الأيام الماضية تحذيرات شديدة اللهجة من أي هجوم أميركي جديد، مع تأكيدها أن أي استهداف لإيران سيقابله رد على المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة.
زيارة باكستانية إلى طهران
ناقش نقوي خلال اجتماعه مع مؤمني ملفات التعاون بين البلدين، والتنسيق الحدودي، ومتابعة الاتفاقات التي سبق التوصل إليها بين طهران وإسلام آباد.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام باكستانية، بحث الوزيران أيضاً التطورات الإقليمية، فيما أشاد مؤمني بالجهود التي يبذلها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير لدعم السلام والاستقرار في المنطقة.
وأكد وزير الداخلية الإيراني أن العلاقات بين إيران وباكستان شهدت خلال العامين الماضيين تطوراً وصفه بالاستراتيجي والعميق، مشيراً إلى وجود اهتمام متبادل بتوسيع التعاون في قطاعات متعددة.
كما ركزت المحادثات على تنفيذ التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال الزيارات السابقة لمسؤولي البلدين، في وقت تسعى فيه طهران وإسلام آباد إلى زيادة مستوى التبادل التجاري وتعزيز الروابط الاقتصادية بينهما.
وقال مؤمني إن أحد الأهداف المطروحة يتمثل في رفع قيمة التبادل التجاري بين البلدين من نحو 3 مليارات دولار إلى 10 مليارات دولار على المديين القصير والمتوسط، مع استكمال تنفيذ الاتفاقات التي لم تدخل حيز التطبيق بعد.
وتشمل الملفات التي تحظى باهتمام الجانبين التجارة والاقتصاد والسياحة والثقافة والعلوم، إلى جانب القضايا الأمنية والحدودية، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بالعلاقات بين الجارتين.
بزشكيان يبحث توسيع التعاون
استقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الوزير الباكستاني، حيث ركز اللقاء على تطوير العلاقات الثنائية والاستثمارات المشتركة وتوسيع الاتصالات الاقتصادية.
وقال بزشكيان إن الضغوط والإجراءات الأميركية دفعت، بحسب تقييمه، إلى مزيد من التقارب والتعاون بين الدول الإسلامية، معتبراً اللقاءات المتكررة بين المسؤولين الإيرانيين والباكستانيين مثالاً على ذلك.
وأشار الرئيس الإيراني إلى ما تمتلكه إيران وباكستان من موارد وقدرات بشرية، داعياً إلى توظيف هذه الإمكانات في تطوير العلاقات الاقتصادية وتعزيز الاعتماد على القدرات الداخلية والإقليمية.
من جهته، قال نقوي إن العلاقات بين البلدين تمر بمستوى مرتفع من التعاون، مؤكداً رغبة باكستان في توسيعها لتشمل مجالات التجارة والاقتصاد والسياحة والسياسة والثقافة والعلوم.
طهران تنفي رسائل أميركية
وفي مقابل التكهنات بشأن احتمال ارتباط الزيارة بوساطة بين طهران وواشنطن، أكدت إيران أن زيارة نقوي لا تحمل رسالة أميركية إلى القيادة الإيرانية.
ونقلت وكالة تسنيم عن مصدر مطلع أن زيارة الوزير الباكستاني لا علاقة لها بالقضايا القائمة بين إيران والولايات المتحدة، وأن المحادثات تتركز على العلاقات الثنائية والتعاون المشترك.
كما نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وجود مبادرات خاصة أو رسائل استثنائية مرتبطة بالزيارة، مؤكداً أن الهدف الأساسي يتمثل في متابعة التفاهمات السابقة بين البلدين، وخاصة القرارات التي اتخذت على مستوى قيادتيهما.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواصل فيه الاتصالات غير المباشرة حول الأزمة الإيرانية الأميركية، بينما لا توجد، وفق التقارير المتاحة، ترتيبات معلنة لعقد لقاء رسمي بين الجانبين.
وفي الوقت نفسه، تتجه الأنظار إلى نيويورك، حيث من المقرر أن يغادر بزشكيان الثلاثاء للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن المتوقع أن يعرض الرئيس الإيراني مواقف بلاده من التطورات الإقليمية والدولية، في ظل استمرار التوتر مع واشنطن.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد وصل بالفعل إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، ما يمهد لحضور دبلوماسي إيراني على مستوى رفيع خلال الدورة الجديدة.
تحذيرات عسكرية من هجوم جديد
بالتوازي مع النشاط الدبلوماسي، رفعت طهران مستوى التحذيرات العسكرية خلال الأيام الأخيرة.
وقال مقر خاتم الأنبياء المركزي، وهو مركز القيادة العسكرية الإيرانية الموحدة، إن أي هجوم أميركي جديد سيقابل باستهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، محذراً كذلك الدول الإقليمية من دعم أي تحرك عسكري ضد إيران.
ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن القيادة العسكرية قولها إنها تلقت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة قد تستعد لاستئناف عملياتها ضد إيران بدعم من بعض دول المنطقة، من دون أن تقدم علناً أدلة مستقلة تؤكد هذه المعلومات.
وبحسب ما نقلته وكالة الأناضول، حذرت القيادة الإيرانية من أن أي دول إقليمية تنخرط في دعم هجوم أميركي ستُعتبر، وفق الموقف الإيراني، طرفاً في الصراع.
وتزامنت هذه التصريحات مع استمرار التوتر في منطقة الخليج ومضيق هرمز، الذي تراجع فيه حجم حركة السفن بصورة كبيرة. وذكرت رويترز أن 17 سفينة لنقل السلع عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، مقارنة بـ37 سفينة في الأسبوع السابق، وبمتوسط كان يناهز 125 سفينة يومياً قبل الحرب.
كما شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة حوادث مرتبطة بالملاحة، في وقت لا تزال فيه حركة التجارة والطاقة عبر الممرات البحرية الإقليمية متأثرة بالتوتر العسكري.
رسائل متبادلة قبل نيويورك
وفي إطار التصعيد الكلامي، صدرت عن مسؤولين عسكريين إيرانيين تصريحات تؤكد استعداد القوات المسلحة للرد على أي هجوم جديد.
وقال قائد في الحرس الثوري الإيراني إن طهران باتت، وفق تقييمه، في موقع يسمح لها بفرض إرادتها في الميدان، مشيراً إلى امتلاك القوات الإيرانية قدرات عسكرية لم يكشف عنها بعد.
كما تحدث الحرس الثوري عن الاستعداد لتوجيه ردود عسكرية في حال تعرضت إيران لهجوم، وربط بعض تصريحاته بالتطورات المتعلقة بمضيق هرمز.
وتزامنت هذه الرسائل مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب قال فيها إنه منفتح على لقاء بزشكيان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنه لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن ترتيب لقاء بين الرئيسين.

