استقبل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في القاهرة، وسط حديث رسمي عن تنسيق إقليمي واسع، بينما تصاعدت تسريبات بحث إرسال قوات جوية ودفاع جوي إلى السعودية دون موافقة مجلس النواب.

 

وتفتح هذه التسريبات بابًا خطيرًا حول طبيعة التفاهمات التي جرت خلف الأبواب المغلقة، خصوصًا مع اقتراب استحقاق وديعة سعودية تبلغ نحو خمسة مليارات وثلاثمئة مليون دولار لدى البنك المركزي المصري خلال أكتوبر.

 

لكن لا توجد حتى الآن معلومات مستقلة تثبت إبرام اتفاق عسكري أو مالي بهذا الشكل، كما لم يصدر إعلان رسمي يؤكد إرسال قوات مصرية أو ربط تمديد الوديعة بأي مهمة دفاعية داخل الأراضي السعودية.

 

 

مقايضة أمن الخليج بالمال

 

وتستند الرواية المتداولة إلى أن القاهرة قد توافق على نشر وحدات جوية ومنظومات دفاع جوي لحماية منشآت سعودية، مقابل أموال عاجلة وترتيب جديد يؤجل رد الوديعة المستحقة خلال أكتوبر.

 

غير أن هذا السيناريو، إن صح، يعني انتقال العلاقة من التعاون السياسي والعسكري إلى صيغة مقايضة مباشرة، تضع قدرات الجيش المصري في مواجهة التزامات مالية وضغوط اقتصادية متزايدة.

 

كما أن إرسال قوات أو منظومات قتالية إلى دولة أخرى لا يمكن اعتباره إجراءً فنيًا محدودًا، لأن وجودها قد يجعل مصر طرفًا مباشرًا في أي هجمات أو ردود عسكرية لاحقة.

 

وبحسب العميد المتقاعد سمير راغب، الباحث العسكري الذي تحدث سابقًا عن الضوابط الدستورية للمهام الخارجية، فإن مشاركة القوات المصرية خارج الحدود تحتاج إجراءات رسمية واضحة ولا تُدار عبر تسريبات.

 

ويعارض راغب عمليًا تحويل الشائعات العسكرية إلى بديل عن القرارات المعلنة، إذ يربط أي انتشار خارجي بتحديد المهمة والمدة ومجال التفويض، مع رفض ترك التفاصيل الحساسة للتقديرات السياسية المغلقة.

 

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن دفاع جوي مصري في السعودية لا يحدد طبيعة القوة المطلوبة، ولا يوضح هل ستكون بطاريات اعتراض، أم أطقم تشغيل، أم طائرات مقاتلة، أم دعمًا استخباراتيًا.

 

كذلك لا يشرح المتداول حجم المقابل المالي المفترض، ولا الجهة التي ستدفعه، ولا ما إذا كان المقابل منحة مباشرة أو استثمارًا أو تمديدًا لوديعة قائمة بالفعل.

 

وتزداد الشكوك لأن البيانات المعلنة عقب لقاء السيسي وبن سلمان ركزت على أمن الملاحة والتنسيق الإقليمي، ولم تتحدث عن نشر قوات مصرية أو توقيع اتفاق دفاعي جديد.

 

 

الدستور أمام اختبار السرية

 

وتتعلق أخطر نقاط التسريب المزعوم بالقول إن أي انتشار عسكري قد يتم من دون موافقة مجلس النواب، وهو ما يضع التفاهم المفترض أمام اختبار دستوري وسياسي بالغ الحساسية.

 

ويشير محمد محسوب، أستاذ القانون ووزير الشؤون القانونية السابق والمعارض المعروف للسلطة الحالية، إلى أن القرارات العسكرية الخارجية لا ينبغي عزلها عن الرقابة التشريعية والضمانات الدستورية.

 

وبحسب القراءة الدستورية المتداولة، يحتاج إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الحدود إلى أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة أغلبية الثلثين داخل مجلس النواب.

 

لكن الجدل لا يتوقف عند مسألة الموافقة الشكلية، إذ يطرح أيضًا سؤالًا حول طبيعة المهمة، وهل تتعلق بالدفاع عن الأمن القومي المصري مباشرة، أم بحماية منشآت ومصالح دولة حليفة.

 

ومن ثم فإن تمرير القرار باعتباره دعمًا لأمن الخليج قد لا يحسم الخلاف، لأن أي اشتباك داخل الأراضي السعودية قد يفرض على القوات المصرية مشاركة فعلية في صراع إقليمي واسع.

 

كما أن السرية البرلمانية لا تعني غياب المسؤولية السياسية، فالموافقة المغلقة يجب أن تكون محددة المدة والمهام والقواعد، لا أن تتحول إلى تفويض مفتوح يمكن تمديده دون نقاش عام.

 

ويحذر معارضون من أن غياب الشفافية يجعل البرلمان مجرد غطاء لاحق لقرارات اتُخذت مسبقًا، خصوصًا إذا جرى تقديم الانتشار العسكري باعتباره التزامًا عربيًا لا يحتاج إلى تفسير تفصيلي.

 

وفي حال ثبت وجود اتفاق من هذا النوع، فإن القضية لن تكون عسكرية فقط، بل ستتعلق كذلك بحدود استقلال القرار المصري، وبمدى جواز استخدام القوات المسلحة كأداة للتفاوض المالي.

 

 

وديعة أكتوبر وثمن الصفقة

 

وتمنح الوديعة السعودية المستحقة خلال أكتوبر الرواية المتداولة وقودًا إضافيًا، بعدما أظهرت بيانات مصرفية أن أصلها يبلغ نحو خمسة مليارات وثلاثمئة مليون دولار، مع فوائد ترفع القيمة الإجمالية.

 

وتحاول القاهرة، وفق تقارير اقتصادية، التوصل إلى تمديد الوديعة أو تحويلها إلى استثمار مباشر، لتجنب خروج مليارات الدولارات من الاحتياطي في توقيت شديد الصعوبة.

 

ويقول وائل النحاس، خبير التمويل والاستثمار، إن مصير الوديعة لا يزال مرتبطًا بمفاوضات اقتصادية، وإن تحويلها إلى استثمارات أو تجديدها يحتاج اتفاقًا واضحًا بين الطرفين.

 

لكن الخبير الاقتصادي السياسي ممدوح الولي، المعروف بانتقاده الحاد لسياسات الحكومة المالية واعتمادها المتكرر على التمويل الخارجي، يرى أن ربط الموارد السيادية بالتزامات سياسية يفاقم هشاشة القرار الاقتصادي.

 

وتتسق هذه القراءة مع المخاوف من استخدام الوديعة كأداة ضغط، خصوصًا إذا أصبحت إعادة جدولة الاستحقاق مرتبطة بتقديم خدمات عسكرية أو أمنية خارج الحدود.

 

كما أن تأجيل السداد لا يعني اختفاء الدين، بل ينقل عبئه إلى سنوات لاحقة، ويمنح الطرف الدائن قدرة أكبر على التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية خلال مراحل التفاوض المقبلة.

 

وتواجه الحكومة المصرية ضغوطًا متراكمة بسبب احتياجات النقد الأجنبي، وتراجع بعض الإيرادات، وارتفاع كلفة الاستيراد، وتزايد الالتزامات الخارجية، لذلك تبدو الوديعة ورقة شديدة الأهمية.

 

غير أن تحويلها إلى مقابل غير معلن لخدمة عسكرية سيكون سابقة خطيرة، لأنه يخلط بين القروض والودائع من جهة، والقرارات السيادية المتعلقة بالحرب والسلم من جهة أخرى.

 

ويخشى منتقدون من أن يؤدي هذا المسار إلى تحميل المصريين كلفة سياسية واقتصادية لا يعرفون تفاصيلها، بينما تحصل السلطة على سيولة مؤقتة دون معالجة أسباب الأزمة المالية الأساسية.

 

وفوق ذلك، قد ترفض السعودية تقديم التمديد بوصفه منحة، وتطلب ضمانات استثمارية أو أصولًا أو شروطًا مالية تجعل الاتفاق طويل الأمد وأكثر تأثيرًا على الاقتصاد المصري.

 

 

توقيت إقليمي شديد الخطورة

 

وتأتي التسريبات وسط تصعيد واسع في الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، ما يجعل أي نشر عسكري مصري محتمل أكثر خطورة من مجرد مهمة دفاعية محدودة.

 

فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة قد تستهدف مطارات أو منشآت نفطية أو موانئ، وأي منظومة مصرية موجودة هناك ستصبح جزءًا من معادلة الردع والاستهداف.

 

كما أن دخول القاهرة عسكريًا إلى جانب الرياض قد يضعف قدرتها على لعب دور الوسيط في أزمات اليمن والبحر الأحمر، ويدفع أطرافًا إقليمية إلى اعتبارها طرفًا في النزاع.

 

ويعني ذلك أن المصلحة المصرية لا تُقاس فقط بحجم التمويل الذي قد يصل إلى الخزانة، بل أيضًا بحجم المخاطر التي قد تطال الجنود والمنشآت والاقتصاد وقناة السويس.

 

لذلك تبدو الحاجة إلى إعلان واضح أكثر إلحاحًا، يتضمن حقيقة أي طلب سعودي، وطبيعة الرد المصري، وموقف مجلس النواب، ومصير الوديعة التي يحين استحقاقها خلال أكتوبر.

 

وفي غياب هذا التوضيح، ستظل التسريبات قادرة على إنتاج رواية تقول إن المال الخليجي يشتري قرارات عسكرية، وإن السيادة تُدار عبر ترتيبات لا يعرفها المواطنون.

 

وأخيرًا، فإن نفي وجود اتفاق عسكري ومالي لا يكفي وحده لإغلاق الملف، بل ينبغي نشر إطار التفاهمات الدفاعية والاقتصادية، وتحديد ما إذا كان هناك التزام مصري يتجاوز البيانات المعلنة.

 

ويظل السيناريو المتداول حتى الآن مجرد تسريبات لكن خطورتها السياسية تستحق تحقيقًا برلمانيًا ومجتمعيًا، لأن إرسال قوات أو تمديد وديعة لا ينبغي أن يظلا رهينَي التسريبات.