يواجه سكان ولاية غرب كردفان السودانية أزمات إنسانية متلاحقة، بعدما أدت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام إلى انهيار الخدمات الصحية، وإغلاق معظم المستشفيات، ونزوح الأطباء والكوادر الطبية، وانعدام وسائل النقل.
وتتسع رقعة المعاناة مع تفشي الكوليرا للمرة الثالثة خلال العام الجاري، وسط اعتماد عشرات القرى على آبار مكشوفة ومياه غير صالحة للشرب، بينما يموت المرضى داخل منازلهم أو خلال رحلات علاجية طويلة وخطرة.
وباء متكرر وسط انهيار صحي
وفي فبراير، ظهرت الإصابات الأولى بمنطقة فوجا شمال الولاية، قبل انتقالها إلى قرى أخرى، ثم سجلت محلية ود بندة إصابات ووفيات في أربع قرى خلال موجة جديدة.
كما عادت الكوليرا في أغسطس إلى محلية الإضية الواقعة أقصى جنوب غرب كردفان، مخلفة نحو مائتي إصابة وعشرات الوفيات، وفق تقديرات محلية متباينة تعذر التحقق منها ميدانياً.
وبحسب مصادر طبية، حالت صعوبة التنقل وانعدام الأمن دون حصر الإصابات بدقة، خصوصاً في القرى النائية التي تنتشر حولها مجموعات مسلحة وعصابات تقطع الطرق وتنهب المركبات.
وفي إحدى القرى التي تضم نحو سبعين أسرة، سُجلت قرابة ثمانين إصابة بالكوليرا، توفي خمسة عشر من أصحابها، بينما أصيب عشرات آخرون في قرى مجاورة.
كذلك سجلت قريتان أخريان نحو ثلاثة وخمسين مصاباً وأربع وفيات، فيما تحدثت غرف الطوارئ عن مائة وثلاثة وثلاثين مصاباً في الإضية، بينهم ثلاثة وعشرون متوفياً.
لكن تقديرات أخرى صادرة عن جهات صحية تابعة للسلطة المحلية أشارت إلى نحو مائة وعشرين مصاباً، بينما تجاوزت التقارير الواردة إلى وزارة الصحة الاتحادية مائتي إصابة.
ومن دون أرقام نهائية، تبدو الخسائر أكبر من الإحصاءات المتاحة، لأن كثيراً من المرضى لا يصلون إلى المرافق الصحية، ولا تملك الأسر وسائل نقل آمنة لإبلاغ الجهات المختصة.
مياه ملوثة وقرى بلا حماية
وفي أكثر من مائة وثمانين قرية، بقي السكان في منازلهم رغم القتال وانعدام الخدمات، لأن مزارعي الصمغ العربي يخشون ترك أشجارهم عرضة للقطع أو التحويل إلى فحم.
كما تضاعفت أزمة المياه، إذ وصل سعر صهريج الشرب إلى نحو ستة ملايين جنيه سوداني، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب.
وتعتمد غالبية القرى على آبار جوفية بدائية تحفر يدوياً، ثم تُسحب مياهها بالدلاء، من دون وسائل تنقية أو حماية تمنع سقوط الحشرات والأوساخ داخلها.
ومع بداية الخريف، تتفاقم المخاطر بسبب انفتاح الآبار على العراء، ودخول الزواحف والحشرات إليها، واختلاط المياه بمخلفات مختلفة، بينما لا يملك السكان بديلاً متاحاً.
وفوق ذلك، اتسعت رقعة الجوع في محلية الإضية، واضطر بعض السكان إلى تناول أعلاف الحيوانات، قبل إصابتهم بالملاريا وحمى الضنك والكوليرا وسط غياب الرعاية.
وبينما يستخدم المدنيون مصادر المياه الملوثة للشرب، تنتقل العدوى سريعاً بين أفراد الأسر، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى الصابون، والمطهرات، ومراكز العزل والعلاج.
كما تراجعت قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة الوباء، بعدما نزحت أعداد كبيرة من العاملين الصحيين، وتوقفت حملات التوعية، وتعذر إيصال الأدوية ومستلزمات مكافحة العدوى.
وفي القرى البعيدة، لا يجد المرضى سوى وصفات شعبية أو مساعدة محدودة من الأهالي، بينما تتحول أعراض الجفاف الحاد إلى خطر قاتل خلال ساعات قليلة.
رحلات علاجية محفوفة بالموت
ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفولة، عاصمة الولاية، انهارت مؤسسات السلطة والخدمات الأساسية، ثم زادت الأزمة بعد سقوط مدينة النهود في مايو 2025.
وتوقفت المستشفيات ومراكز الخدمات ومحطات المياه في مناطق واسعة، فيما بقيت المرافق القليلة العاملة عاجزة عن استقبال الأعداد المتزايدة من المرضى وتوفير العلاج اللازم.
وفي مستشفى مدينة ود بندة، لا يوجد سوى طبيب عمومي وممرض واحد، بينما تفتقر مرافق أخرى إلى الأطباء والمعامل والصيدليات، وتعتمد على مساعدين طبيين محدودي الخبرة.
كذلك غادر الأطباء والكوادر الصحية الولاية بعد تعرضهم للاستهداف والانتهاكات، الأمر الذي أدى إلى إغلاق مؤسسات علاجية كانت تخدم مساحات جغرافية واسعة.
وبحسب سكان محليين، يحمل الأهالي المرضى على عربات بدائية تجرها الدواب باتجاه مدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان، وقد تستغرق الرحلة أسبوعاً كاملاً.
وخلال الطريق، يموت بعض المرضى قبل بلوغ المستشفى، بسبب الجفاف أو النزيف أو تأخر العلاج، بينما تمنع المخاطر الأمنية المركبات من التحرك بين القرى بحرية.
كما لا تتحرك أي مركبة في مناطق عدة من دون موافقة عناصر مسلحة، وقد تتعرض للاستيلاء أو يواجه سائقوها التهديد والقتل، ما يضاعف عزلة السكان.
وفي ريفي المجلد والميرم ولقاوة، تنتشر الإصابات وسط نقص حاد في الكوادر والمحاليل والأدوية، بينما تتوقع مصادر محلية ارتفاع أعداد الوفيات خلال الأيام المقبلة.
وتواجه السلطات الاتحادية صعوبة في الوصول إلى المناطق المتضررة، لأنها تقع تحت سيطرة الدعم السريع، في حين تعجز الإدارة المحلية عن توفير ممرات آمنة للفرق الطبية.
فضلاً عن ذلك، تتبادل السلطات المتصارعة الاتهامات بشأن منع الأدوية، وتشريد الكوادر، والتعدي على العاملين الصحيين، بينما يبقى المدنيون وحدهم أمام وباء سريع الانتشار.
ومن جانب آخر، أدى غياب الرقابة الصحية إلى صعوبة اكتشاف الحالات مبكراً، إذ لا توجد سجلات موحدة أو فرق ميدانية قادرة على زيارة القرى المتباعدة.
وتحتاج غرب كردفان إلى تدخل عاجل يشمل توفير مياه آمنة، ومراكز علاج مؤقتة، وأدوية ومحاليل، ووسائل نقل، إلى جانب حماية الكوادر وفتح ممرات إنسانية.
ومع استمرار الحرب، لا تبدو الكوليرا أزمة منفصلة عن بقية الكوارث، بل نتيجة مباشرة لانهيار الصحة والمياه والغذاء والأمن، ما يجعل إنقاذ السكان مرتبطاً بوقف التدهور الشامل.

