يكشف حديث الدكتورة عالية المهدي عن فجوة واسعة بين نجاح الأرقام التي يراها صندوق النقد الدولي في الموازنة والسياسة النقدية، وبين واقع يعيشه المصريون كل يوم مع ارتفاع الأسعار وانكماش الدخل وتآكل المدخرات.
وتضع تصريحات أستاذة الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أثناء حديثها مع برنامج حقائق وأسرار على قناة صدى البلد، جوهر الأزمة في غياب الاقتصاد الحقيقي عن وصفات الصندوق، بينما تتحول حياة محدودي الدخل إلى اختبار قاسٍ للبقاء
السياسات النقدية بلا اقتصاد منتج
وتؤكد المهدي أن برامج صندوق النقد الدولي تنظر أساسًا إلى المؤشرات المالية والنقدية، مثل خفض العجز وإدارة الدين وسعر الصرف، فيما تتراجع قضايا التشغيل والإنتاج والاستثمار إلى هامش الاهتمام.
وبهذا المنطق، يصبح تحقيق انضباط حسابي في دفاتر الدولة هدفًا قائمًا بذاته، حتى لو لم ينتج عنه مصنع جديد أو فرصة عمل مستقرة أو زيادة حقيقية في دخول الأسر.
كما تشير إلى أن إعادة هيكلة الاقتصاد، بما تتطلبه من تطوير قطاعات الإنتاج وتعميق الصناعة ودعم الادخار المحلي، لا تحتل المساحة الكافية في أجندة الصندوق ولا في التطبيق الحكومي المتأثر بها.
ومن ثم، تتكرر القرارات التي تثقل كلفة التمويل على المستثمرين وتضغط على المستهلكين، بينما يبقى السؤال المؤجل: كيف سينمو الإنتاج إذا استنزفت الأسعار والدين والرسوم قدرة السوق على الحركة؟
وفي المقابل، لا تعني مؤشرات النجاح التي يرحب بها الصندوق أن الاقتصاد صار قادرًا على حماية المواطنين، لأن تحسن بند في الموازنة لا يساوي تلقائيًا تحسنًا في الطعام والعلاج والتعليم.
كذلك، تكشف التجربة أن ضبط المالية العامة من دون شبكة حماية فعالة وتحول إنتاجي واسع، ينقل عبء الإصلاح إلى ملايين المواطنين، بدل توزيع التكلفة بصورة عادلة على القادرين والمستفيدين.
لذلك، تبدو عبارة النجاح بدرجة معقولة، من منظور مؤسسات التمويل الدولية، شديدة القسوة حين تقارن بما يدفعه الموظف والعامل وصاحب المعاش في السوق كل صباح.
الثمن اليومي لتآكل الجنيه
وتعرض المهدي رقمًا صادمًا يلخص حجم الانهيار في القوة الشرائية، إذ تقول إن مئة جنيه كانت تملك قيمة شرائية عام 2010، أصبحت تعادل الآن 12 جنيهًا و70 قرشًا فقط.
وبمعنى أبسط، فقد الجنيه نحو 87 بالمئة من قيمته الشرائية خلال هذه السنوات، بينما ارتفعت الأسعار بنسبة 670 بالمئة، في تحول ضخم لم تلحق به دخول غالبية المصريين.
كما لا تبدو هذه الأرقام مجرد مقارنة اقتصادية مجردة، بل تفسر لماذا صار الراتب ينفد قبل منتصف الشهر، ولماذا تحولت الضروريات اليومية إلى قائمة طويلة من الحسابات والتنازلات.
وفي ظل التضخم المتراكم، لا يحمي ارتفاع الراتب الاسمي صاحبه بالضرورة، لأن الزيادة التي تبدو كبيرة على الورق قد تذوب سريعًا أمام أسعار الغذاء والإيجار والمواصلات والفواتير.
ثم إن المتضرر الأكبر ليس من يملك أصولًا أو مدخرات بالدولار أو قدرة على رفع الأسعار، بل من يعتمد على دخل ثابت أو عمل غير منتظم لا يمنحه أي ضمان.
وعلى هذا الأساس، تتحول كل موجة تضخم إلى ضريبة غير معلنة على الفقراء والطبقة الوسطى، تُدفع من الطعام والعلاج والدروس والملابس، لا من أرباح الشركات الكبرى.
بينما يقال إن تراجع معدل التضخم يمثل تحسنًا، تذكر المهدي أن الأسعار نفسها لم تتراجع، وإنما استمرت في الارتفاع بوتيرة أقل، وهو فرق بالغ الأهمية بالنسبة للمواطن.
لأن انخفاض معدل الزيادة لا يعيد الأسعار إلى ما كانت عليه، ولا يعوض ما فقدته الأسر من مدخرات وقدرة شرائية، خصوصًا بعدما تراكمت القفزات السعرية لسنوات متتالية.
الفقر يتسع خارج الحسابات الرسمية
وتستند المهدي إلى آخر بيانات رسمية للفقر صدرت عام 2021، وسجلت أن 33.5 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وهو رقم ثقيل حتى قبل موجات الغلاء اللاحقة.
غير أن هذه النسبة لا تعكس بصورة كاملة ما جرى من 2022 إلى 2024، حين تعرض الاقتصاد لموجة تضخم عنيفة، دفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات أكثر قسوة.
كما وصل التضخم خلال عام 2022 إلى نطاق تراوح بين 28 و30 بالمئة، لتبدأ الأسر في استنزاف مدخراتها والاقتراض وتقليص الإنفاق على الاحتياجات التي لا تبدو عاجلة.
وبالتالي، يصبح تقدير ارتفاع الفقر أمرًا منطقيًا لا مبالغة فيه، طالما أن الأجور لم تواكب حجم الغلاء، وطالما فقدت السلع الأساسية جانبًا كبيرًا من قدرتها على الشراء.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال الأزمة في تداعيات كورونا أو الحرب الروسية الأوكرانية فقط، لأن السياسات المحلية وسلسلة القرارات الاقتصادية عمّقت أثر الصدمات على المجتمع.
إذ تحمل محدودو الدخل نتائج التعويم ورفع الأسعار وتراجع الدعم، في حين لم تظهر بالمقابل قفزة إنتاجية كافية تخفض الاستيراد أو توفر وظائف قادرة على حماية الناس.
ولهذا، لا تكفي عبارات الاستقرار المالي إذا كان ثمنها اتساع الفجوة الاجتماعية وتراجع جودة الحياة، فالمعيار الحقيقي لأي إصلاح هو ما يلمسه المواطن في بيته.
وأخيرًا، تضع تصريحات عالية المهدي الحكومة وصندوق النقد أمام سؤال لا تجيب عنه الجداول المالية وحدها: أي نجاح يمكن الاحتفال به، إذا كانت المعيشة نفسها تصبح أصعب كل يوم؟

