تحمل الآية الكريمة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21] حقيقة إيمانية عظيمة: أن تدبير الخلق، مهما بلغت قوته، لا يخرج عن سلطان الله ومشيئته. وقد تجلّت هذه الحقيقة في قصة يوسف عليه السلام؛ إذ أراد إخوته إبعاده، فجعل الله ما مرّ به من ابتلاءات أسبابًا لنجاته وتمكينه، فمضى فيه تدبير الله، وإن بدت ظواهر الأحداث مخالفة لذلك.
وتدعو هذه الآية المؤمن إلى الثقة بربه، وعدم حصر النظر في ظاهر المحن، كما تذكّر الظالم بضعفه وعجزه عن التحكم في مصائر العباد. ويكشف نظمها عن ثبات غلبة الله وكمال قدرته، بينما ينبه ختامها إلى غفلة أكثر الناس عن هذه الحقيقة؛ فيغترون بالأسباب، ويغيب عنهم أن وراء الأحداث حكمةً لا يحيطون بتفاصيلها، وتدبيرًا لا يردّه مكر ولا ظلم.
تدبير البشر تحت سلطان الله
يدبّر الناس ويمكرون، ويتآمرون ويفعلون ما يستطيعون، ولكن الأمر أولًا وآخرًا بيد الله. وهذا هو المعنى الذي تغرسه الآية: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾؛ فلا يستعصي عليه أمر، ولا يستطيع أحد أن يبطل مشيئته أو يردّ حكمه.
وفي هذا وعيد للظالم وتثبيت للمظلوم؛ فالقدرة التي يغتر بها المتسلط لا تمنحه علم الغيب، ولا تجعله مالكًا لتصاريف الأقدار. وقد يجعل الله لمن استُضعف اليوم قوةً وغلبةً على من ظلمه. فلا يغتر الظالم بإمهاله، ولا يظن المظلوم أن ما يراه من تسلط الخلق قد خرج عن علم الله وتدبيره.
ثبات الغلبة الإلهية في بلاغة الآية
جاء قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ جملةً اسمية، ولم يأت بصيغة «ويغلب الله»، بما يدل على ثبات هذا الحكم ودوامه؛ فغلبة الله حقيقة مطّردة مع يوسف عليه السلام ومع غيره، وليست أمرًا مقصورًا على حادثة بعينها.
ويبعث بدء الجملة بلفظ الجلالة الهيبة والتعظيم، ويحمل اسم ﴿غَالِبٌ﴾ معنى القوة والقدرة، ويؤكد حرف الجر ﴿عَلَى﴾ معنى الاستعلاء. وقد أشار ابن عاشور إلى أن هذا الحرف بعد مادة الغلبة يدخل على الشيء الذي يقع فيه التنازع، كما يقال: غلبناهم على الماء. والمعنى أن الله متمّ ما قدّره، ولا رادّ لحكمه وتدبيره؛ أراد إخوة يوسف أمرًا، وأراد الله له خلافه، فكان ما أراده سبحانه.
ابتلاءات يوسف أسبابٌ للتمكين
تكشف قصة يوسف عليه السلام أن المحنة قد تكون طريقًا إلى منحة لا تظهر ملامحها في بدايتها. فما وقع له من إخوته، وما جرى من استرقاقه وبيعه، ثم توصية من اشتراه لامرأته بإكرام مثواه، وما تعرض له مع امرأة العزيز وفي السجن؛ كان داخلًا في تدبير الله الذي انتهى إلى تمكينه في الأرض.
ويحتمل قوله تعالى: ﴿عَلَى أَمْرِهِ﴾ أن يكون المراد أمر الله الذي يريده ويقدّره، فلا يقع إلا كما شاء، كما يحتمل أن يكون المراد أمر يوسف؛ أي إن الله يتولى تدبيره ورعايته، ولا يكله إلى نفسه وهواه. وفي كلا المعنيين طمأنينة للمؤمن بأن ضيق الحاضر لا يكشف وحده مآلات الأمور.
كمال القدرة والعلم يدعو إلى التضرع
لا يعجز الله شيء، وهو القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. وقد أراد إخوة يوسف إبعاده، وأراد الله نجاته وتمكينه، فنفذت مشيئته سبحانه.
ومع كمال قدرته، أحاط علمه بكل شيء، قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. ومن استحضر هذا العلم المحيط عرف قدر نفسه، وانكسر غروره، وأقبل على ربه تضرعًا ورجاءً وخوفًا، مستشعرًا افتقاره إليه في كل شأن.
غفلة الناس وبصيرة أهل الإيمان
يبيّن ختام الآية: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن كثيرًا من الناس يقفون عند ظواهر الأحداث، ولا يدركون ما وراءها من تدبير الله. فقد ظن إخوة يوسف أن إبعاده سيجعل وجه أبيهم خالصًا لهم، وأنهم سيكونون بعد ذلك قومًا صالحين، فجاءت العاقبة على غير ما خططوا.
وفي المقابل، كان يعقوب عليه السلام يعلم أن الله غالب على أمره، وتدل أقواله في القصة على ثقته بربه، دون أن يعني ذلك إحاطته بتفاصيل الأقدار المستورة. وهذه بصيرة يحتاجها المؤمن: أن يأخذ بالأسباب، ويصبر على البلاء، ويحسن الظن بالله، ويوقن أن خفاء الحكمة عنه لا ينفيها، وأن تدبير الأمر كله بيد ربه سبحانه.
......................................
المصادر والمراجع:
1. الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري "جامع البيان في تأويل القرآن".
2. المغراوي، محمد بن عبدالرحمن. التدبر والبيان في تفسير القرآن بصحيح السنن.
3. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.
4. الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1415هـ، 1995م.
5. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان".
6. ابن قيم الجوزية. مفتاح دار السعادة، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، السعودية، ط1، 1997م.
7. سيد قطب. في ظلال القرآن.
8. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.

