حذرت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، من تغليب الاعتبارات التجارية على منظومة التعليم العالي، مطالبة بضمان عدالة القبول وحماية فرص الطلاب المصريين.

 

وتطرح التحذيرات نقاشًا بشأن التوازن بين جذب الطلاب الوافدين وتعزيز الموارد المالية للجامعات، وبين الحفاظ على تكافؤ الفرص وجودة التعليم، بالتزامن مع اعتراضات على تغيير قواعد احتساب مجموع الشهادات الدولية.

 

 

جذب الوافدين وعدالة المنافسة الجامعية

 

وقدمت عبد الناصر سؤالًا برلمانيًا إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري التعليم العالي والتربية والتعليم، بشأن قواعد القبول بالجامعات، وتفاوت شروط المنافسة بين الطلاب المصريين والوافدين واللاجئين، وتعديل معايير تقييم الشهادات الدولية.

 

وبحسب الأرقام الواردة في المادة، تستقبل مؤسسات التعليم العالي التابعة للوزارة نحو 138 ألف طالب وافد، إضافة إلى 60 ألفًا بالأزهر، ليقترب الإجمالي من 200 ألف طالب يدرسون داخل مصر.

 

وتؤكد وزارة التعليم العالي أن التوسع في استقبال الطلاب الدوليين يأتي ضمن رؤية لتعزيز القوة الناعمة المصرية، وتحسين موقع الجامعات في التصنيفات، إلى جانب العائد الاقتصادي وتوفير موارد بالعملات الأجنبية.

 

وتشمل التوجهات الحكومية الترويج للدراسة في مصر وتيسير إجراءات التحاق الوافدين، بالتوازي مع السعي لإنشاء أفرع لجامعات مصرية بالخارج، في دول أفريقية وعربية وآسيوية، بما يوسع الحضور التعليمي المصري دوليًا.

 

وترى النائبة أن المشكلة تبدأ عندما تمنح القدرة على سداد المصروفات بالعملة الأجنبية فرصًا للوصول إلى تخصصات معينة، بينما يخوض الطالب المصري منافسة شديدة بعد سنوات طويلة من الدراسة والاستعداد.

 

وشددت على أن التعليم الجامعي لا يمكن التعامل معه باعتباره سلعة عادية، لأن توزيع المقاعد الدراسية يرتبط بالاستحقاق الأكاديمي والمسؤولية العامة للجامعة، خصوصًا حين تكون الفرص المتاحة محدودة أمام المتقدمين.

 

وأكدت أن الاعتراض لا يستهدف الطلاب الوافدين أو ينتقص من حقهم في التعليم، وإنما يطالب بمراجعة فلسفة القبول، وضمان ألا يتحمل الطلاب المصريون تكلفة التوسع في تسويق الخدمات التعليمية خارجيًا.

 

وأشارت إلى أهمية مبادرة «ادرس في مصر»، التي أطلقتها الحكومة منتصف عام 2019، ودورها في دعم التبادل العلمي والثقافي، وفتح مسارات للتعاون بين الجامعات المصرية والمؤسسات المناظرة في مختلف الدول.

 

لكنها تساءلت عن موقع الطالب المصري داخل هذه السياسة، معتبرة أن تنمية الموارد واجتذاب الدارسين من الخارج يجب أن يقترنا بضمانات واضحة للعدالة، وتفسير معلن للفروق بين مسارات وشروط القبول.

 

 

الطاقة الاستيعابية وجودة التعليم الطبي

 

ويمتد الجدل إلى قدرة الجامعات على استيعاب الأعداد المتزايدة، إذ ترى عبد الناصر أن تخصيص مقاعد إضافية للوافدين، إن ثبت، لا يحسم بمفرده الأسئلة المتعلقة بمستوى الخدمة التعليمية والتدريب المتاح.

 

وأوضحت أن عدم المساس بالأعداد المقررة للمصريين عبر التنسيق، إذا أكدته الحكومة، يظل جانبًا إداريًا من القضية، بينما يتعلق الجانب الأوسع بكفاية الموارد المشتركة التي يعتمد عليها جميع الطلاب بالجامعات.

 

وتشمل هذه الموارد المدرجات والمعامل والمستشفيات الجامعية وأعضاء هيئة التدريس، وهي عناصر تحدد قدرة المؤسسة على تقديم تعليم فعال، بصرف النظر عن جنسية الطالب أو المسار الذي التحق من خلاله.

 

وتكتسب المسألة حساسية أكبر في كليات الطب، حيث يرتبط التأهيل بتدريب سريري ومتابعة عملية داخل المستشفيات، ولا يقتصر على حضور المحاضرات النظرية أو توفير مكان إضافي للطالب داخل قاعات الدراسة.

 

وحذرت النائبة من أن التوسع العددي دون دراسات دقيقة قد يضغط على الإمكانات العلاجية والتدريبية، بما ينعكس على جودة التعليم الطبي ومستوى إعداد الخريجين للاضطلاع بمسؤولياتهم المهنية بعد إنهاء الدراسة.

 

وطالبت بألا يتقدم المقابل المالي على الاستحقاق الأكاديمي في التخصصات ذات المقاعد المحدودة، مشيرة إلى الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة، باعتبارها مجالات تحتاج إلى حسابات دقيقة قبل التوسع في القبول.

 

وفي المقابل، يواجه طلاب الثانوية العامة ومدارس المتفوقين وغيرها من المسارات التعليمية منافسة قوية، تجعل الحصول على درجات مرتفعة شرطًا أساسيًا للاقتراب من التخصص المرغوب، دون ضمان الحصول على المقعد.

 

وبحسب النائبة، فإن الفروق الكبيرة وغير المفسرة في الحدود الدنيا للقبول تخلق شعورًا بعدم العدالة، وتثير تساؤلات حول قيمة الاجتهاد الدراسي عندما تختلف شروط الوصول إلى الفرص الجامعية بصورة واسعة.

 

ويضع السؤال البرلماني الحكومة أمام مطلب توضيح العلاقة بين خطط زيادة الوافدين والطاقة الاستيعابية الفعلية، وبيان الأسس التي تحكم توزيع الفرص، مع ضمان عدم تراجع نصيب الطلاب من التدريب والإشراف.

 

 

الشهادات الدولية وتغيير قواعد المجموع

 

وفي ملف موازٍ، أثارت عبد الناصر اعتراضات تتعلق بطلاب الشهادات الدولية، وفي مقدمتها الشهادة البريطانية والدبلومة الأمريكية، على خلفية إدخال مواد اللغة العربية والتاريخ والهوية ضمن حساب المجموع المؤهل للجامعة.

 

وقالت إن أولياء الأمور فوجئوا بتعديلات قد تجعل وزن هذه المواد يصل إلى 20% من الدرجة المستخدمة في المنافسة، بما يمنح نتائجها تأثيرًا مباشرًا على فرص الالتحاق بالكليات المختلفة مستقبلًا.

 

وأكدت أن جوهر الاعتراض لا يتعلق بأهمية اللغة العربية أو التاريخ، إذ يمثل تعلمهما والحفاظ على الهوية الوطنية جزءًا من مسؤولية الدولة، وإنما يرتبط بتوقيت تعديل القواعد وآلية تطبيقها فعليًا.

 

فالطالب الذي اختار نظامًا دوليًا قبل سنوات يكون قد رتب مواده ومساره الأكاديمي استنادًا إلى متطلبات محددة، وفق طرح النائبة، ثم يواجه متغيرات مؤثرة قبل الانتقال إلى المرحلة الجامعية مباشرة.

 

واعتبرت أن تحميل هؤلاء الطلاب نتائج قرارات لاحقة على بدء دراستهم يثير مشكلة في عدالة الانتقال بين القواعد، خاصة عندما تصبح مواد إضافية جزءًا حاسمًا من المجموع الذي يحدد ترتيبهم.

 

ولتوضيح حجم التأثير، ذكرت أن حصول طالب على 80% في مواد تمثل خُمس المجموع، مقابل الدرجة الكاملة، يعني فقدان أربع نقاط مئوية، وهو فارق قد يحسم المنافسة على التخصصات الطبية.

 

وأشارت إلى أن طلاب هذه المسارات يدرسون مواد علمية متخصصة، ويؤدون اختبارات تختلف بحسب نظام الشهادة، ومنها اختبارات سات وإي إس تي، ما يستدعي مراعاة طبيعة استعدادهم عند إضافة متطلبات.

 

وطالبت بأن تكون التعديلات مدروسة ومعلنة في توقيت يسمح للطلاب وأسرهم بالتخطيط، بدلًا من مفاجأة دفعات بدأت رحلتها التعليمية بالفعل، مع ضرورة توضيح طريقة احتساب المواد وأثرها على فرص المنافسة الجامعية بشكل مفهوم.

 

وتجمع القضية بين مطلبين: شفافية قواعد القبول ومراعاة استقرار المسارات التعليمية، بينما تنتظر التساؤلات البرلمانية إجابات حكومية توضح ضمانات تكافؤ الفرص، وحدود التوسع في استقبال الوافدين، وكيفية حماية جودة التعليم.