أعادت تحذيرات من بيع طماطم مصابة بأسعار تبلغ عشرة جنيهات للكيلو فتح ملف مسؤولية الحكومة عن حماية غذاء المصريين، بعدما أصبح البحث عن سلعة تناسب الدخل المحدود مصحوبًا بالقلق من جودتها.

 

وتكشف القضية مأزقًا يتجاوز ثمرة معيبة على عربة خضار؛ فالمواطن مطالب بالتدقيق قبل الشراء، بينما يبقى السؤال الأهم معلقًا بشأن دور الأجهزة المختصة في منع الغش، وضمان غذاء سليم بأسعار يستطيع الناس تحملها.

 

 

التحذيرات لا تعفي الحكومة من المسؤولية

 

حذر حسين عبد الرحمن أبو صدام، نقيب عام الفلاحين والخبير الزراعي، من احتمال ارتباط بعض عروض الطماطم منخفضة السعر بإصابات وصفها بالسوس، موضحًا أن الجودة ومكان البيع يؤثران في تفاوت الأسعار.

 

وبحسب تصريحاته، تصل أسعار بعض الأنواع الجيدة إلى ثلاثين جنيهًا للكيلو، مقابل عشرة جنيهات لأنواع أخرى. وهذه مقارنة وردت في حديثه، وليست تسعيرة موحدة لجميع الأسواق أو دليلًا على إصابة كل منتج رخيص.

 

واعتبر أبو صدام بيع الثمار المصابة للمستهلك دون توضيح حالتها نوعًا من الغش، وطالب أصحاب المطاعم بعدم استخدامها في السلطات، بما يسلط الضوء على مسؤولية البائع عن حقيقة المنتج الذي يقدمه.

 

لكن اختزال القضية في مطالبة المواطن بفحص مشترياته يترك جوهر المشكلة بلا علاج؛ إذ لا يجوز أن يتحول المستهلك إلى مفتش أغذية اضطراري، ثم يتحمل وحده نتيجة عيوب لم يتمكن من اكتشافها.

 

ولا ينبغي تحويل التحذير إلى حملة تخويف من الأسعار المنخفضة؛ فذلك قد يضر بالمزارع والتاجر الملتزم، ويمنح الغلاء مبررًا زائفًا، بدل توجيه التفتيش إلى المنتجات المشتبه بها والتحقق من حالتها فعليًا.

 

كما أن تطمينات أبو صدام بشأن عدم الضرر تظل تصريحات منسوبة إليه، ولا تقدم بمفردها تقييمًا صحيًا لكل ثمرة مصابة. والمطلوب توضيح متخصص يميز بين طبيعة الإصابة وحالة الثمار ومدى صلاحيتها.

 

تبدأ مساءلة الحكومة هنا من أسئلة محددة: هل فُحصت المنتجات محل التحذير؟ وهل حُددت أماكن تداولها ومصادرها؟ وما الإجراءات المتخذة إذا ثبت الغش؟ تلك إجابات أهم من تكرار النصائح على الشاشات.

 

أما الاكتفاء بتوجيه التحذيرات إلى الأسر، فيرسخ منطقًا مقلوبًا يجعل الطرف الأضعف مسؤولًا عن اكتشاف المخالفة، بينما يفترض أن تصل الرقابة إلى مصدرها قبل أن تصبح جزءًا من مشتريات البيت اليومية.

 

 

تكاليف الزراعة تحاصر الفلاح والمستهلك

 

وفي تفسير ضغوط الإنتاج، قدر أبو صدام تكلفة زراعة فدان الطماطم بنحو مئة ألف جنيه للموسم دون الإيجار، في تصريحات خلال أغسطس، محذرًا من أعباء متزايدة تهدد العائد الذي يحصل عليه المزارع.

 

وأوضح أن الشتلات والأسمدة والعمالة ومكافحة الآفات والري والنقل تستهلك ميزانية الزراعة، مطالبًا بدعم حقيقي للفلاح. ويقدم هذا المطلب نقدًا لكفاية المساندة المتاحة، دون الحاجة إلى نسب موقف سياسي غير موثق إليه.

 

وتضع هذه التقديرات الحكومة أمام اختبار يتجاوز إعلان وفرة المحاصيل؛ فوجود الطماطم بالأسواق لا يعني استقرار زراعتها اقتصاديًا، خصوصًا عندما يصبح تراجع سعر البيع مصدر خسارة لمن تحمل نفقات الإنتاج ومخاطره.

 

ومن الخطأ تحميل الفلاحين جماعيًا مسؤولية تداول الثمار المعيبة، أو الجزم بأن ضيقهم المالي يدفعهم إلى الغش. لكن تجاهل خسائرهم يترك أحد جذور اضطراب السوق قائمًا، ويحول كل موسم إلى مواجهة جديدة.

 

المسؤولية الحكومية تقتضي مراجعة وصول مستلزمات الإنتاج إلى المزارعين بتكلفة محتملة، وتحسين الإرشاد الزراعي ومتابعة الآفات، بدل انتظار خروج المحصول ثم التعامل مع أزماته باعتبارها مشكلات منفصلة بين البائع والمشتري فقط.

 

كذلك تستحق المسافة السعرية بين الحقل ومتجر التجزئة فحصًا معلنًا يوضح نصيب النقل والتعبئة والفاقد وهوامش التداول، حتى لا تتحول اتهامات الوسطاء إلى بديل سهل عن فهم مواضع الخلل ومحاسبة المتسببين.

 

وحين يُطلب من المواطن دفع سعر أعلى لتجنب الشك في الجودة، يصبح محدود الدخل محاصرًا بين ميزانيته وطمأنينته. وهذه نتيجة تستوجب تدخلًا عامًا يضمن الحد المقبول من الجودة لجميع المشترين دون تمييز.

 

فالغذاء السليم ليس مكافأة لمن يستطيع شراء الصنف الأغلى، ودعم المنتج ليس منحة دعائية. كلاهما مسؤولية تستدعي سياسات قابلة للقياس، تحمي استمرار الزراعة وتمنع تحميل الأسر فاتورة اضطراب الإنتاج والتسويق معًا.

 

 

هدر المحاصيل يكشف قصور السياسات

 

ومن زاوية إدارة المحصول، انتقد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، حجم الفاقد في الطماطم، ودعا إلى التوسع في التصنيع الزراعي بجوار الأراضي لزيادة القيمة المستفادة من الإنتاج.

 

وقدّر نور الدين، في تصريحات تلفزيونية خلال مايو، الهدر بنحو ثلاثين بالمئة من إنتاج الطماطم. ويظل الرقم تقديرًا منسوبًا إليه، لكنه يدعم مساءلة السياسات عن كفاءة حفظ المحصول وتسويقه والاستفادة منه.

 

وتشير هذه الرؤية إلى أن مواجهة الأزمة تبدأ قبل وصول الثمار إلى البائع؛ عبر جمع وتعبئة ونقل أفضل، ومنافذ تصنيع تستوعب المحصول الصالح، وتقلل احتمالات خسارته أثناء التداول أو عند زيادة المعروض.

 

ولا يعني التصنيع فتح منفذ لتصريف الثمار غير الصالحة؛ بل توفير استخدام اقتصادي للمحصول السليم وفق اشتراطات واضحة. والفصل بين الأمرين ضروري حتى لا يتحول تقليل الهدر إلى ستار يسمح بتمرير المخالفات.

 

أما الرقابة، فلا تقاس بعدد الحملات وحده، وإنما بما تكشفه وتعالجه، وبقدرتها على متابعة المخالفين ومنع التكرار. والمواطن يحتاج نتائج مفهومة عن الأسواق التي يشتري منها، لا أرقامًا إجمالية يصعب تقييم أثرها.

 

ولا تكفي المعلومات المتاحة للجزم بأن الأسواق الشعبية خارج الرقابة أو أن الإصابة منتشرة على نطاق واسع. لكن غياب دليل الانتشار لا يعفي الحكومة من التحقيق في التحذير وإعلان نتائج واضحة للجمهور.

 

المطلوب نشر نتائج الفحص عند إجرائه، وتوضيح معايير قبول المنتجات، وتيسير الشكاوى، ومتابعة مصادر التوريد للمطاعم والأسواق. فتلك إجراءات تمنح المواطن حماية عملية، وتجعل المحاسبة مرتبطة بمخالفة مثبتة يمكن تتبع المسؤول عنها.

 

وتبقى الفضيحة السياسية في قبول فكرة أن الفقير مطالب بالاختيار بين الغلاء والشك في طعامه. وعلى الحكومة إثبات قدرتها على حماية مائدته، لأن التحذيرات مهما ارتفع صوتها لا تقوم مقام الرقابة والمحاسبة.