تواجه سياسة الحكومة في ملف الإيجار القديم اختبارًا قضائيًا واجتماعيًا ثقيلًا، مع الطعن على المادة السابعة من القانون رقم 164 لسنة 2025، التي تتيح إصدار أوامر بالطرد دون أن يوقفها مجرد رفع دعوى موضوعية.
وتكشف الأزمة خللًا يتجاوز الخلاف التقليدي بين المالك والمستأجر؛ فالحكومة التي قدمت التشريع باعتباره إعادة للتوازن، مطالبة بتفسير منح الإخلاء مسارًا سريعًا، بينما يتحمل المتضرر عبء التقاضي ومخاطر فقدان مسكنه قبل حسم النزاع.
أوامر الطرد تسبق حسم النزاع
حددت الدعوى رقم 38 لسنة 47 دستورية، المتعلقة بالمادة السابعة، جلسة أمام هيئة المفوضين في 13 سبتمبر 2026، بعدما بدأ مسار الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة جنوب القاهرة في الدعوى رقم 643 لسنة 2025.
ويجب التمييز بين نظر الدعوى أمام هيئة المفوضين وصدور حكم دستوري؛ فالأولى تتولى تحضير القضية وإعداد الرأي القانوني، بينما يبقى الفصل في دستورية النص من اختصاص المحكمة الدستورية العليا نفسها.
وتلزم المادة المستأجر، أو من امتد إليه العقد، برد المكان عند انتهاء المدة القانونية، كما تجيز الإخلاء المبكر إذا ثبت إغلاقه أكثر من سنة دون مبرر، أو امتلاك وحدة قابلة للاستخدام للغرض نفسه.
وعند الامتناع عن الإخلاء، يستطيع المالك طلب أمر بالطرد من قاضي الأمور الوقتية المختص، مع الاحتفاظ بحقه في التعويض عند وجود مقتضٍ، وهو ما يمنح المطالبة باسترداد العين أداة إجرائية مؤثرة.
في المقابل، يستطيع المستأجر إقامة دعوى موضوعية، لكن رفعها لا يوقف الأمر تلقائيًا. وهذه هي النقطة الأشد قسوة: استمرار الخصومة القضائية لا يوفر بذاته ضمانة لبقاء الأسرة داخل المسكن المتنازع عليه.
وقد انتقد المحامي الحقوقي طارق العوضي، في موقف معلن قبل التصديق على القانون، تجاهل مخرجات الحوار المجتمعي، محذرًا من تداعيات إنسانية ومن استبدال مظالم العلاقة القديمة بمظالم أشد تقع على الأسر الأضعف.
ويمثل اعتراض العوضي نقدًا للنهج التشريعي العام، وليس تصريحًا بشأن نتيجة الدعوى الحالية. لكنه يضيء السؤال الذي تطرحه المادة: كيف تتحقق العدالة إذا سبق أثر الإخلاء الفصل في النزاع الموضوعي؟
فخروج أسرة من منزلها قد يفرض إيجارًا جديدًا وتكاليف انتقال وتخزين للأثاث واضطرابًا في العمل والدراسة، وهي أعباء لا تختفي بمجرد استمرار حقها النظري في طرق أبواب القضاء للمطالبة بحقوقها.
ولا تعني هذه المخاوف ثبوت عدم دستورية المادة، أو سقوط حقوق الملاك، لكنها تضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية واضحة عن تشريع تتحمل الفئات الأقل قدرة الكلفة الإنسانية المحتملة لسرعة تنفيذه.
شروط الإخلاء تهدد استقرار الأسر
تبدو حالتا الإغلاق وامتلاك البديل واضحتين في الصياغة العامة، لكن تطبيقهما يفتح أسئلة تتعلق بالإثبات والظروف الشخصية؛ فوجود باب مغلق لا يشرح وحده سبب الغياب، وملكية عقار لا تحسم صلاحيته الفعلية للاستخدام.
والنص نفسه يشترط غياب المبرر في حالة الإغلاق، وقابلية الوحدة الأخرى للاستخدام في الغرض ذاته؛ وبالتالي لا يجوز اختزال أحكامه في أن كل غياب طويل أو ملكية أخرى يؤديان تلقائيًا إلى الطرد.
لكن الحاجة إلى فحص هذه التفاصيل تكشف حساسية المسار الإجرائي؛ إذ قد يدور النزاع حول وقائع تحتاج مستندات وتحقيقًا، بينما يظل رفع الدعوى الموضوعية وحده عاجزًا عن إيقاف أمر الإخلاء الصادر.
وفي تقييم منشور عقب إقرار القانون، حذر يحيى شوكت، الباحث والمحلل لسياسات الإسكان والعمران، من أن إنهاء العقود قد يدفع الأسر إلى مناطق أقل جودة، ويضاعف الضغط على الأحياء الطرفية والخدمات.
وأوضح شوكت أن كبار السن أكثر تعرضًا للضرر، بسبب ارتباطهم بمحيطهم واعتمادهم على خدمات قريبة وشبكات مساندة اجتماعية، معتبرًا أن الانتقال السكني يتجاوز نقل الأثاث إلى تغيير شروط الحياة اليومية.
ويضع هذا التحليل الحكومة أمام حقيقة تتجاهلها لغة الإخلاء الجافة: المسكن جزء من قدرة المواطن على العلاج والعمل ورعاية أسرته، وأي سياسة تنتزعه دون حماية كافية تنقل كلفتها إلى المجتمع.
وقد يتحول الانتقال القسري إلى استنزاف مستمر للدخل، حين تضطر الأسرة للسكن بعيدًا عن المدرسة أو الوظيفة، فتدفع فروق المواصلات والوقت، إضافة إلى الإيجار الجديد والتكاليف المباشرة لتأسيس حياة أخرى.
ولا يصح افتراض أن جميع المستأجرين فقراء، مثلما لا يصح تصوير جميع الملاك أصحاب ثروات؛ فالعدالة تتطلب فحص الاحتياج والقدرة والضرر، بدل معالجة أوضاع اجتماعية متباينة بأثر إخلاء واحد بالغ القسوة.
ومن هنا، يبدو نقد سياسة الحكومة متعلقًا بجوهر المعالجة: إصلاح العائد الإيجاري يمكن مناقشته اقتصاديًا واجتماعيًا، أما زعزعة الاستقرار السكني فتحتاج ضمانات تتناسب مع حجم الخسارة المحتملة، لا مجرد إعلان حسن النوايا.
وعود البدائل تحت اختبار التنفيذ
يطرح القانون في مادته الثامنة مسارًا لتخصيص وحدات بديلة من المتاح لدى الدولة، وفق قواعد وأولويات، لكن وجود هذا المسار يظل بحاجة إلى تقييم عملي لمدى كفايته وقدرة المستحقين على الاستفادة منه.
والسؤال الحاسم ليس إعلان وجود وحدات فقط، وإنما أماكنها وتكلفتها وشروط الحصول عليها وتوقيت تسليمها، ومدى ملاءمتها لأحوال الأسر، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمسنين أو أشخاص يحتاجون متابعة صحية منتظمة.
وكان الدكتور المهندس محمد عبد الغني، عضو مجلس النواب السابق ومقرر لجنة مباشرة الحقوق السياسية والتمثيل النيابي بالحوار الوطني، قد أعلن رفضه الصيغة التشريعية خلال مناقشات يوليو 2025، منتقدًا ضمانات السكن البديل.
وشكك عبد الغني، في بيانه آنذاك، في قدرة الحكومة على الوفاء بتعهداتها دون آليات واضحة وميزانيات مرصودة، معتبرًا أن الغموض يضعف قيمة الوعود ويهدد الاستقرار الاجتماعي للأسر المتأثرة بالتعديلات المقترحة.
وهذا اعتراض سابق على التنفيذ، ولا يكفي وحده للحكم على كل إجراء حكومي لاحق، لكنه يحدد معيار المحاسبة: تحويل التعهدات إلى وحدات ملائمة وتمويل معلوم ومواعيد يمكن للمواطن الاعتماد عليها.
فلا يمكن اعتبار ملف الأسرة مغلقًا بمجرد إتاحة استمارة أو فتح باب التقديم؛ الحماية الفعلية تتحقق عندما يصبح البديل قابلًا للسكن والتحمل المالي، وتكون إجراءات الوصول إليه واضحة ومنصفة للمستحقين.
وتملك الحكومة أدوات أوسع من ترك الطرفين في مواجهة مفتوحة، بينها دعم المستأجرين المستحقين، ومعالجة خسائر الملاك بصورة مدروسة، وبناء تسويات تراعي الدخل والسن والحالة الصحية وطبيعة الاستخدام الفعلي للعقار.
كما تقتضي المسؤولية نشر بيانات قابلة للفحص عن الطلبات والوحدات والتخصيصات، حتى يتمكن المجتمع من معرفة الفارق بين حجم الاحتياج وحجم الاستجابة، بدل أن تبقى الطمأنة الرسمية منفصلة عن تجارب الأسر.
وفي انتظار ما ينتهي إليه المسار الدستوري، تبقى الحكومة مسؤولة عن اختياراتها التشريعية وآثارها الاجتماعية؛ فالقانون الذي يسرّع إخراج المواطن من بيته يفرض عليها تقديم حماية ملموسة، لا الاكتفاء بإبلاغه أن التقاضي متاح.

