وضع رد نقيب المهندسين محمد عبد الغني تصريحات مصطفى مدبولي عن الرواتب أمام اختبار الواقع، بعدما قابل الحديث عن ثلاثين ألف جنيه بأرقام أقل كثيرًا، تكشف الفارق بين واجهة الإنجاز وأوضاع العاملين.

 

وبالتزامن مع استعراض وزير التعليم زيادات أجور المعلمين، يتجدد السؤال عن خطاب حكومة السيسي: هل تقدم صورة مكتملة لدخول المواطنين، أم تنتقي الأرقام الأكثر بريقًا لتجميل سياسات يعجز أصحاب الرواتب عن الاحتفاء بنتائجها؟

 

 

ثلاثون ألفًا على المنصة وأربعة آلاف في رد النقابة

 

خلال جولته بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تحدث مدبولي عن مهندسين حديثي التخرج يتقاضون بين 25 و30 ألف جنيه داخل بعض المشروعات، مستشهدًا بهذه النماذج للتدليل على قيمة فرص العمل التي توفرها الاستثمارات.

 

هذا السياق مهم؛ فرئيس الوزراء لم يقل إن جميع المهندسين يحصلون على المبلغ نفسه. لكن تقديم الحالات الأعلى دخلًا بوصفها واجهة للنجاح يظل ناقصًا دون بيان أعداد المستفيدين ونسبتهم إلى سوق العمل.

 

وجاء رد عبد الغني ليعيد النقاش إلى نطاق أوسع، موضحًا أن رواتب المهندسين بالحكومة وقطاع الأعمال تتراوح بين أربعة وتسعة آلاف جنيه، بينما تتراوح بالقطاع الخاص بين ستة وأحد عشر ألفًا.

 

وبحسب النقيب، فإن بلوغ ثلاثين ألف جنيه، إن تحقق، يرتبط بحالات نادرة ووظائف أو مواقع ذات طبيعة خاصة. وبذلك يصبح السؤال الحقيقي عن مدى تمثيل تلك النماذج للواقع الذي يعيشه المهندسون.

 

 

 

 

الفارق بين أربعة آلاف وثلاثين ألف جنيه لا يمكن دفنه تحت عبارة نجاح المشروعات. إنه يستدعي تفسيرًا لاختلال الأجور، وحدود مسؤولية الحكومة عن العاملين لديها، قبل استعراض الرواتب الأعلى في مواقع أخرى.

 

والأشد إحراجًا أن النقيب أثار ملف بدل التفرغ، الذي قال إنه يتراوح بين أربعين ومئة وثمانين جنيهًا. هذه الأرقام تضع الحديث عن تقدير الكفاءات أمام امتحان مالي شديد الوضوح والقسوة.

 

كما أشار إلى بطالة تتراوح بين عشرين وخمسة وعشرين بالمئة بين المهندسين، وفق الإحصاءات التي استند إليها. وهي تقديرات تحتاج نشر مصادرها ومنهجيتها، لكنها تفرض على الحكومة ردًا موثقًا يتجاوز الاحتفاء بنماذج فردية.

 

رد النقابة، بهذا المعنى، يسحب النقاش من منصة التصفيق إلى ملف الأجور والتوظيف. فنجاح مصنع في دفع راتب جيد لا يمنح الحكومة شهادة شاملة بحسن إدارة سوق العمل أو إنصاف أصحاب المؤهلات.

 

 

رواتب المعلمين.. أين التفاصيل وراء إعلان الطفرة؟

 

وفي ملف التعليم، عرض محمد عبد اللطيف خلال لقاء إعلامي في عشرة سبتمبر أرقامًا قال إنها تعكس تحسن الأجور، بينها متوسط عام يقترب من أحد عشر ألفًا وثمانمئة واثنين وعشرين جنيهًا.

 

وشملت الأرقام المعلنة نحو تسعة آلاف وأربعمئة وتسعة جنيهات للمعلم المساعد، وأربعة عشر ألفًا وسبعمئة وعشرين جنيهًا لكبير المعلمين. وهذه بيانات منسوبة للوزير، وليست تحققًا مستقلًا مما يصل فعليًا إلى الحسابات.

 

المطلوب هنا كشف طريقة الحساب: هل المبالغ إجمالية أم صافية بعد الاستقطاعات؟ وما الحوافز الداخلة فيها؟ وأي فئات تشملها؟ فغياب هذه التفاصيل يجعل المقارنة بين الرقم المعلن والدخل الفعلي عرضة للالتباس.

 

كذلك لا يكفي إعلان متوسط عام دون توضيح كيفية استخراجه، وهل يراعي عدد العاملين في كل درجة وظيفية. فمتوسط الدرجات لا يساوي بالضرورة متوسط ما يتقاضاه المعلمون على اختلاف توزيعهم الوظيفي.

 

ولا تثبت تصريحات الوزير وحدها أن الأرقام مختلقة، لكنها لا تكفي أيضًا لإثبات رخاء المعلمين. الاختبار الجاد يقتضي مطابقة البيانات بمفردات المرتبات، وإعلان الفروق بين الدرجات والفئات وشروط صرف المبالغ المذكورة.

 

ثم تأتي القدرة الشرائية، وهي السؤال الذي لا تجيب عنه الزيادة الاسمية وحدها. فالحكم على تحسن المعيشة يتطلب مقارنة نمو الأجر بتغير تكاليف السكن والغذاء والمواصلات خلال الفترة الزمنية نفسها بدقة.

 

حين يقدم المسؤول زيادة الراتب باعتبارها نهاية النقاش، فإنه يقفز فوق السؤال الأهم: ماذا يستطيع صاحب الراتب شراءه؟ وهنا تصبح لغة الطفرة ستارًا دعائيًا إذا لم تسندها مقارنة واضحة بمستوى المعيشة.

 

 

تجميل الفشل لا يصنع حياة كريمة

 

الجامع بين الملفين هو خطر انتقاء الجزء المريح من الصورة: راتب استثنائي في مشروع بعينه، أو متوسط يحتاج تفصيلًا. وعندما تغيب بقية البيانات، تتقدم الدعاية الحكومية على حق الجمهور في المعرفة.

 

ومن هنا تكتسب عبارة «اكذب ثم اكذب» معناها كاتهام سياسي للخطاب الدعائي، لكن إثبات التعمد يحتاج أدلة. أما المساءلة المتاحة الآن فتبدأ بالسؤال عن دقة العرض، واكتمال البيانات، ومدى تمثيل الأرقام للواقع.

 

المسؤولية تقع على حكومة السيسي في تقديم كشف حساب يمكن مراجعته، يبين توزيع الأجور وفرص العمل واستقرارها. فلا ينبغي أن تتحول الزيارات الرسمية والمؤتمرات الصحفية إلى بديل عن الإحصاءات المنشورة والمساءلة.

 

ومن حق المهندس معرفة جدول التعامل مع مطالب الكادر وتحسين البدلات والاستقرار الوظيفي، ومن حق المعلم فهم مكونات راتبه. هذه مطالب قابلة للإجابة، ولا تحتاج خطبًا جديدة عن اهتمام الدولة بالكفاءات.

 

كما أن الحكومة مطالبة بالرد على النقابة بالأرقام والتعريفات نفسها، مع التمييز بين حديث التخرج وصاحب الخبرة، وبين الأجر الثابت والحوافز، وبين الوظيفة الدائمة والعمل المؤقت؛ حتى تصبح المقارنة ذات معنى.

 

أما الاكتفاء بتكرار الأرقام اللامعة، فيضاعف أزمة الثقة ويجعل العامل يشعر بأن معاناته مستبعدة من الرواية الرسمية. وأسوأ ما تفعله السلطة أن تطالب الناس بتصديق صورة لا تتيح لهم أدوات فحصها.

 

رد نقيب المهندسين يضع الحكومة أمام خيار واضح: نشر الحقيقة كاملة ومعالجة الاختلالات، أو مواصلة تجميلها بانتقاء الاستثناءات. فالرواتب لا ترتفع بالتصريحات، وكرامة المهندس والمعلم لا تُصان بمنح الفشل اسم إنجاز.