إن حكمة الخالق سبحانه في خلق إبليس والآثام والشرور في الكون عظيمة ومتعددة، ولا يحيط بتفصيلها إلا الله تعالى. وهي من تمام قدرته وقضائه وحكمته في خلقه، وله سبحانه في ذلك مصالح وحِكم بالغة.


ومن هذه الحِكم إكمال مراتب العبودية، وابتلاء العباد وتمييز الخبيث من الطيب، وإظهار كمال القدرة، وتحقيق الشكر، وقيام المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا، إضافة إلى ظهور كمال حكمته وتمام حمده سبحانه.

 

 

أولاً - إكمال العبودية وابتلاء العباد

 

أراد الله تعالى أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية، من خلال مجاهدة الشيطان وحزبه، ومخالفته ومراغمته وإغاظته، وإغاظة أوليائه، والاستعاذة بالله من شره وكيده.

 

ويترتب على هذه المجاهدة من المصالح الدنيوية والأخروية ما لا يمكن حصوله دون وجود أسبابها، فيلجأ العبد إلى ربه، ويستعين به، ويطلب منه العصمة والحماية من الشيطان ووساوسه.

 

وجعل الله إبليس مَحكًّا يمتحن به خلقه، ليتبين به خبيثهم من طيبهم، ويميز أهل الإيمان والطاعة عن أهل الكفر والمعصية، ويظهر أثر الأعمال في حياة العباد.

 

والله تعالى يعلم الخبيث والطيب أزلاً، قبل خلق الخبثاء والطيبين، ولكنه أراد أن يميزهم في الدنيا، ويمحص الصف، ويجازي العباد وفق أعمالهم، لا بمجرد علمه السابق بأحوالهم.

 

قال تعالى: **﴿مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾** [آل عمران: 179].

 

وقال تعالى: **﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾** [آل عمران: 142].

 

كما جعل الله إبليس عبرة لمن خالف أمره، وتكبر عن طاعته، وأصر على معصيته، وجعل ذنب آدم عليه السلام عبرة لمن أذنب ثم تاب وندم ورجع إلى ربه.

 

فابتلى الله أبوي الجن والإنس بالذنب، فجعل إبليس عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه، وجعل آدم عليه السلام عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه، وفي ذلك حِكم بالغة وآيات ظاهرة.

 

 

ثانيًا - إظهار كمال القدرة والحكمة وقيام العبودية

 

من حكم خلق إبليس والشياطين أن يظهر الله عز وجل كمال قدرته لخلقه، فقد خلق جبريل عليه السلام وجعله رسولاً للأنبياء، وهو أمين وحي السماء الذي به حياة الأرواح.

 

وخلق ميكائيل عليه السلام، وجعله موكلاً بالأرزاق والأمطار التي بها حياة الأبدان، وخلق إسرافيل عليه السلام، ووكله بالصور الذي ينفخ فيه بأمر الله لتحيا الأبدان بعد موتها يوم القيامة.

 

وخلق الله سائر الملائكة، وخلق إبليس والشياطين، وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه، فهو سبحانه خالق الأضداد، والقادر على إيجاد كل ما يشاء بحكمته وقدرته.

 

فهو خالق السماء والأرض، والضياء والظلام، والجنة والنار، والماء والنار، والحر والبرد، والطيب والخبيث، وفي اجتماع هذه الأضداد تظهر عظمة القدرة والحكمة.

 

والضد إنما يظهر جنسه بضده؛ فلولا القبيح لم نعرف فضيلة الجميل، ولولا الفقر لم نعرف قدر الغنى، فوجود المتضادات يكشف للخلق عن معاني الأشياء وخصائصها.

 

وخلق الله آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وخلق حواء من أب دون أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم دون أب، وخلق سائر البشر من أب وأم.

 

وفي ذلك بيان أن الله على كل شيء قدير؛ فإن شاء أن يخلق بغير أب ولا أم خلق، وإن شاء أن يخلق من أب وأم خلق، فهو سبحانه يفعل ما يشاء.

 

وتقتضي حكمة الله أن يخلق المتضادات، وأن يخص كل واحد منها بما يليق به من الأحكام والصفات والخصائص، لأن من أسمائه سبحانه **الحكيم**، والحكمة من صفاته.

 

والمحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا وغيرها من معاني العبودية المحبوبة إلى الله لا تظهر كمالاتها إلا بالمجاهدة، ومجاهدة النفس والهوى والشيطان من أعظم ميادين تحقيق العبودية.

 

فالجهاد بكل ما تحمله الكلمة من معنى ذروة من ذرى العبودية، وأحبها إلى الرب سبحانه، ولولا خلق إبليس وحزبه، فكيف تتحقق مرتبة العبودية في مجاهدة النفس والهوى والشيطان؟

 

وفي خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها، وما يترتب عليها من المصالح والحِكم والفوائد التي لا يستطيع العباد الإحاطة بها، وإنما يعلمها الله سبحانه وتعالى.

 

 

ثالثًا - تحقيق الشكر وتمام الحمد لله تعالى

 

إن الله سبحانه يحب أن يُشكر بحقيقة الشكر وأنواعه، وقد نال أولياؤه بوجود عدو الله إبليس وجنوده وامتحانهم به أنواعاً من الشكر، لم تكن لتحصل لهم بالصورة نفسها بدونه.

 

ويتضح ذلك في حال آدم عليه السلام، فالفرق كبير بين شكره لله وهو في الجنة قبل خروجه منها، وبين شكره بعد أن ابتلي بعدوه، ثم اجتباه ربه، وتاب عليه وقبله.

 

والله سبحانه وتعالى محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته، كما هو محمود على فضله وعطائه ورفعه وإكرامه، فله الحمد التام الكامل على جميع ذلك.

 

وهو سبحانه يحمد نفسه على ذلك كله، ويحمده عليه ملائكته ورسله وأولياؤه، ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم، لأن أفعاله سبحانه دائرة بين الحكمة والعدل والفضل.

 

وهكذا يظهر أن وجود إبليس والشرور ليس عبثاً، وإنما يجري ضمن قضاء الله وحكمته، وتترتب عليه من المصالح في العبودية والابتلاء والشكر والمعرفة ما يعجز البشر عن حصره.

 

فتبارك الله رب العالمين، وأحكم الحاكمين، له الحمد الكامل على فضله وعدله، وعلى عطائه ومنعه، وعلى رفعه وخفضه، وعلى إكرامه وانتقامه، فهو الحكيم العليم.

 

................................................

المصادر والمراجع:

1. الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري "جامع البيان في تأويل القرآن".

2. المغراوي، محمد بن عبدالرحمن. التدبر والبيان في تفسير القرآن بصحيح السنن.

3. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

4. الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1415هـ، 1995م.

5. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان".

6. ابن قيم الجوزية. مفتاح دار السعادة، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، السعودية، ط1، 1997م.

7. سيد قطب. في ظلال القرآن.

8. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.