واصلت قوات الاحتلال قصف قطاع غزة وتشديد حصاره، اليوم الأربعاء، بالتزامن مع اعتقال 24 فلسطينيًا بالضفة الغربية، بينهم أربعة أطفال.
وتكشف المعطيات الفلسطينية والأممية اتساع تداعيات العدوان، بين حرمان السكان من الغذاء، وتضاعف الأسر التي تعيلها نساء، واستمرار اقتحام المنازل وترويع أصحابها.
القصف والحصار يبددان التهدئة
شنت قوات الاحتلال سلسلة هجمات على مناطق متفرقة من القطاع، مواصلة خرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر 2025 بمدينة شرم الشيخ.
ففي رفح، استهدفت طائرة مسيّرة محيط حي عائلة البردويل غربي المدينة، بينما أطلقت الزوارق الحربية النار في البحر، ضمن الهجمات التي طالت جنوب القطاع.
وامتد القصف المدفعي إلى المناطق الشرقية لمدينة خان يونس، بالتزامن مع إطلاق كثيف لنيران الزوارق الحربية قبالة سواحل المدينة، وفق المعطيات الواردة.
وطالت قذائف المدفعية المناطق الشمالية الشرقية من مخيم البريج وسط القطاع، لتتوزع الاعتداءات على مناطق سكنية ومحيط مخيمات، بالتزامن مع استمرار القيود العسكرية.
وفي الشمال، قصفت المدفعية المناطق الشمالية من بيت لاهيا، وأطلقت الزوارق نيرانها باتجاه المناطق الشمالية الغربية، بينما استمرت القيود على الحركة ودخول الاحتياجات الأساسية.
وتتواصل هذه الاعتداءات خلال الشهر الحادي عشر للاتفاق، وسط معاناة مئات آلاف النازحين، الذين لم تنه التهدئة المعلنة أزمتهم مع القصف والحصار والنزوح.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، يعتمد أكثر من 95% من السكان بصورة كلية أو شبه كلية على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وفقد أكثر من 90% قدرتهم الشرائية، وفق المكتب، ما يجعل توفر السلع بالأسواق غير كافٍ لتأمين الغذاء، بعدما استنزفت الحرب موارد الأسر ومدخراتها.
ولا يسمح الاحتلال بدخول سوى نحو 35% من كميات الغذاء والمساعدات المتفق عليها، بحسب المكتب، مقابل حجب نحو 65% من الإمدادات المفترض وصولها.
وخلال فترة رصد بلغت 330 يومًا، دخلت 69,387 شاحنة مساعدات وغذاء، من أصل 198 ألف شاحنة كان يفترض دخولها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
وتعني الأرقام غياب أكثر من 128 ألف شاحنة عن الإمدادات المقررة، بما يكشف حجم الفجوة بين الالتزامات المعلنة والكميات التي وصلت فعليًا للقطاع.
ووصف المكتب التحكم بكميات الغذاء بأنه «تجويع صامت»، محذرًا من استخدام المساعدات للضغط على السكان، في امتداد لحرب الإبادة الجماعية، بحسب تعبيره.
وطالب المجتمع الدولي ومجلس الأمن والوسطاء بإلزام الاحتلال بوقف الخروقات وفتح المعابر، وضمان تدفق الغذاء والمساعدات بالكميات المتفق عليها دون استمرار العرقلة.
ولم تنعكس الإعلانات بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق على الواقع الوارد بالمعطيات، إذ بقي الفلسطينيون يواجهون القصف وتقييد الإمدادات وتدهور الخدمات الأساسية.
النساء يتحملن كلفة مضاعفة
وفي جانب آخر من الكارثة، قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن نحو ربع أسر غزة تعيلها نساء، بعدما فقدت عائلات كثيرة معيلها.
وقدرت الهيئة عدد هذه الأسر بنحو 86,290 أسرة، أي ضعف عددها قبل أكتوبر 2023، بما يعكس التحول القاسي الذي فرضته الحرب على العائلات.
وتشمل هذه الفئة أرامل ونساء اعتُقل أزواجهن أو أصيبوا بجروح بالغة، وأخريات اختفى أزواجهن قسرًا أو ما زال مصيرهم مجهولًا، وفق التقرير.
وأوضح التقرير أن الأسر التي تعيلها نساء تواجه مصاعب أكبر مقارنة بالأسر التي يعيلها رجال، خصوصًا في الحصول على المأوى والغذاء والمال.
وقالت رئيسة قسم العمل الإنساني بالهيئة، صوفيا كالتورب، إن لقاءات النساء كشفت حجمًا مروعًا من الألم الجماعي، وسط مسؤوليات متزايدة وظروف معيشية متدهورة.
وبحسب البيانات، تفتقر قرابة سبع من كل عشر أسر تعيلها نساء إلى مأوى مناسب، مقابل 55% من الأسر التي يعيلها رجال في القطاع.
وأبلغت ثلاثة أرباع الأسر التي تعيلها نساء عن أضرار بمساكنها، مقارنة بنحو ثلثي الأسر التي يعيلها رجال، ما يزيد صعوبة تأمين الاستقرار والحماية.
واضطرت الأسر التي تعيلها نساء إلى النزوح ثماني مرات في المتوسط منذ أكتوبر 2023، مقابل سبع مرات للأسر التي يعيلها رجال، وفق الهيئة.
وتتحمل النساء مسؤولية حماية الأطفال وتوفير احتياجات المنزل، بالتزامن مع مرارة فقدان الأزواج، في بيئة تتقلص فيها مصادر الدخل والمساعدات وفرص الوصول للخدمات.
ولم يوفر اتفاق وقف إطلاق النار الحماية المطلوبة؛ إذ وثقت الهيئة مقتل 246 امرأة وفتاة بين أكتوبر 2025 و28 يوليو 2026 نتيجة العمليات الإسرائيلية.
وقالت كالتورب إن الحصيلة تعادل مقتل ست نساء وفتيات أسبوعيًا، مشيرة إلى ضحايا سقطن خلال أنشطة يومية أو داخل مناطق تؤوي عائلات نازحة.
ومن بينهن رغد عاشور، البالغة 18 عامًا، التي قُتلت بغارة إسرائيلية أثناء توجهها إلى امتحان الثانوية العامة بمدينة غزة، بحسب ما نقلته الهيئة.
كما أوردت واقعة مقتل طفلة في السادسة بغارة شنتها مروحية على مخيم للنازحين في مواصي خان يونس، ضمن استمرار استهداف الفلسطينيين رغم الاتفاق.
وشددت الهيئة على التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإيصال المساعدات دون عوائق، ووضع احتياجات النساء والفتيات في صميم الاستجابة والتعافي.
اعتقالات تطال الأطفال والأشقاء
وبالتزامن مع هجمات غزة، نفذت قوات الاحتلال حملة اقتحامات بالضفة الغربية، أسفرت عن اعتقال 24 فلسطينيًا على الأقل، بينهم أطفال وأسير محرر وشقيقان.
وشهدت محافظة جنين اعتقال سبعة فلسطينيين، بينهم طفلان، خلال مداهمات طالت زبوبا والسيلة الحارثية وكفر قود، وترافقت مع تفتيش المنازل والعبث بمحتوياتها.
ومن زبوبا، اعتقلت القوات بهاء عبيدي ونجله الطفل عز الدين، ومحمد وليد جردات ونجله الطفل ريان، إضافة إلى طارق عبد القادر جردات.
واعتقلت رائد حسن شواهنة من السيلة الحارثية وطارق غانم من كفر قود، وداهمت مسكنًا لنازحين بمحيط الجامعة العربية الأمريكية، ضمن الاقتحامات التي شهدتها المحافظة.
وفي طولكرم، اعتقلت القوات ستة فلسطينيين، بينهم الشقيقان همام وخطاب أحمد متروك، وقالت مصادر فلسطينية إن اعتقالهما استهدف الضغط على شقيقهما خباب لتسليم نفسه.
وشملت الاعتقالات سليم أبو خوصة وحمزة وهدان وعمرو غالب أبو زيتون وإسماعيل عوفي، فيما اقتحمت القوات بلدة بلعا ونفذت عمليات تمشيط في شوارعها.
وفي نابلس، اعتقلت القوات خمسة فلسطينيين من تل وشرقي المدينة وإسكان روجيب وبيتا، هم ياسين الخاروف وسالم عصيدة ورامي الطيراوي وعطا الله حشاش وبيان داوود.
وطالت الاعتقالات الطفلين فريد رامي الهريمي وسعدي رائد العدم في بيت لحم، ومحمود فوزي الهيموني وإسماعيل سمير الفيومي في محافظة الخليل، خلال المداهمات.
وفي قلقيلية اعتقلت القوات إبراهيم أمجد غناوي من عزون، بينما اعتقلت الأسير المحرر أحمد الصيفي من بيرزيت، بالتزامن مع اقتحام مستوطنين تجمع يرزا بطوباس.
واعتبر مكتب إعلام الأسرى استهداف الأطفال والأسرى المحررين وأشقاء المطاردين، وتخريب المنازل، جزءًا من سياسة التنكيل والعقاب الجماعي المتواصلة بحق الفلسطينيين في مختلف المحافظات.

