تشهد تونس تصاعدًا ملحوظًا في حدة الاحتجاجات الشعبية، بالتزامن مع تفاقم الأزمات المرتبطة بالخدمات الأساسية والظروف المعيشية، وفي مقدمتها انقطاع التيار الكهربائي ونقص مياه الشرب، وسط موجة حر شديدة تزيد من معاناة المواطنين وتدفع قطاعات من الشارع التونسي إلى التعبير عن غضبها في العاصمة وعدد من المناطق الأخرى.

 

وتظاهر آلاف التونسيين في العاصمة تونس، رافعين شعارات تنتقد أداء الرئيس قيس سعيّد، ومنددين بما وصفوه بتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، فيما حمل المحتجون لافتات تختصر حجم الأزمة في كلمتي "العطش" و"الظلام"، في إشارة إلى أزمة المياه وانقطاعات الكهرباء التي باتت من أبرز مصادر الغضب الشعبي.

 

ولم تقتصر المطالب على الخدمات الأساسية، إذ امتدت الهتافات إلى قضايا سياسية وحقوقية، حيث طالب متظاهرون بالإفراج عن من وصفوهم بـ"السجناء السياسيين"، بالتزامن مع انتقادات متصاعدة لمسار الحكم منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيّد في يوليو 2021.

 

"لا ماء ولا كهرباء ولا حرية"

 

وفي تعبير يلخص حالة الغضب التي سيطرت على الاحتجاجات، قال المحامي والنائب السابق سمير بن عمر إن الشعب التونسي يجد نفسه "مهانًا"، مرددًا شعار "لا ماء ولا كهرباء ولا حرية".

 

وتعكس هذه العبارات تداخل المطالب الاجتماعية والسياسية داخل الاحتجاجات، بعدما أصبحت الأزمات اليومية المتعلقة بالمياه والكهرباء والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية جزءًا من النقاش العام بشأن أداء الدولة ومؤسساتها.

 

وتشير المعطيات الصادرة عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى تسجيل مئات الاحتجاجات في مناطق مختلفة من البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، تركز جزء كبير منها على مشكلات نقص مياه الشرب وانقطاع الكهرباء، وهو ما يعكس اتساع نطاق الاستياء خارج العاصمة ووصوله إلى مناطق تعاني منذ سنوات من مشكلات تنموية وخدمية.

 

ولا تبدو الاحتجاجات الحالية مرتبطة بملف سياسي واحد، إذ تتداخل فيها المطالب المتعلقة بتحسين الخدمات مع مطالب اقتصادية واجتماعية، إلى جانب اعتراضات على المسار السياسي والحقوقي في البلاد.

 

 

المعارضة تنتقد أداء السلطة

 

ومن بين الأصوات المعارضة التي ظهرت في الاحتجاجات، عز الدين الحزقي، الشخصية المعروفة في أوساط المعارضة اليسارية، الذي قال إن التونسيين "ينتفضون في وجه الوضع الكارثي" الذي تعيشه البلاد.

 

ووجه الحزقي انتقادات حادة إلى إدارة الدولة، معتبرًا أن مؤسسات البلاد لم تعد تؤدي دورها بالشكل المطلوب، في تصريحات تعكس اتساع الهوة بين السلطة ومعارضيها في ظل استمرار الخلاف حول طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد يوليو 2021.

 

أزمات المعيشة تتصدر المشهد

 

ولا يمكن فصل الاحتجاجات الأخيرة عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها تونس، إذ يواجه المواطنون ارتفاعًا في تكاليف المعيشة، إلى جانب مشكلات مرتبطة بتوفير بعض الخدمات والسلع، فيما أصبحت أزمة المياه والكهرباء واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الاحتجاجات المحلية.

 

ويزداد تأثير أزمة المياه خلال فصل الصيف، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث تتحول أي اضطرابات في شبكات التزويد إلى أزمة يومية تمس الأسر والمحال والمؤسسات ومختلف الأنشطة الاقتصادية.

 

أما انقطاع الكهرباء، فيضيف عبئًا آخر على المواطنين، لا سيما في ظل درجات الحرارة المرتفعة، ويؤثر كذلك في قطاعات اقتصادية وخدمية تعتمد بصورة مباشرة على انتظام التيار الكهربائي.

 

ويرى الباحث السياسي طارق الكحلاوي أن تونس تواجه مشكلتين متداخلتين، الأولى مرتبطة بما وصفه بـ"إساءة الحوكمة السياسية التسلطية"، والثانية تتعلق بعدم نجاعة إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية اليومية للمواطنين.

 

وأشار الكحلاوي إلى أن مشكلات الخدمات الأساسية، من انقطاع الكهرباء وعدم توفر المياه وبعض أزمات الوقود، أصبحت مصدرًا مباشرًا لغضب قطاعات من المجتمع، معتبرًا أن كثيرًا من المواطنين ينظرون إلى الوضع باعتباره نتيجة لسوء إدارة الملفات اليومية.

 

وفي الوقت نفسه، لفت إلى ضرورة التمييز بين الاحتجاجات الاجتماعية التي ينطلق أصحابها من مطالب مرتبطة بالخدمات والظروف المعيشية، وبين تحركات جزء من النخبة السياسية التي تسعى إلى تحويل حالة الغضب الشعبي إلى ضغط سياسي على السلطة.

 

احتجاجات في مناطق أخرى

 

وبالتزامن مع التحركات في العاصمة، شهدت مناطق تونسية أخرى احتجاجات على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية واستمرار أزمات الخدمات.

 

وفي مدينة غمراسن، خرج محتجون للتعبير عن غضبهم من تردي الظروف المعيشية وأزمة الكهرباء، فيما شهدت بعض التحركات إغلاق طرقات ومحاور مرورية، في صورة تعكس انتقال الاحتجاج من المطالب الفردية والشكاوى المحلية إلى تحركات جماعية أكثر وضوحًا.

 

وتكتسب مثل هذه الاحتجاجات أهمية خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية، التي طالما ارتبطت مطالب سكانها بقضايا التنمية وفرص العمل وتحسين الخدمات العامة، والتي كانت أيضًا من بين أبرز دوافع الاحتجاجات التي سبقت الثورة التونسية عام 2011.

 

بنقردان.. احتجاجات بعد غرق قارب مهاجرين

 

وفي بنقردان جنوب شرقي تونس، اتخذت الاحتجاجات بُعدًا آخر، بعدما خرج مواطنون عقب حادث غرق قارب هجرة غير نظامية قبالة سواحل المنطقة، وفقدان عدد من الأشخاص الذين كانوا على متنه.

 

وطالب المحتجون بتكثيف عمليات البحث والتمشيط البحري، والإسراع في تحديد مصير المفقودين وانتشال جثامين الضحايا، إلى جانب المطالبة بإيجاد حلول تنموية للشباب في المنطقة التي ترتبط منذ سنوات بملف الهجرة غير النظامية.

 

وتسببت الاحتجاجات في إغلاق طرقات ومحاور حيوية داخل المدينة، قبل أن تقع مناوشات بين محتجين وقوات الأمن، وسط استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

 

وتزامنت التحركات مع تجمع مواطنين من المنطقة في ميناء الصيد البحري بجرجيس لمتابعة عمليات البحث عن المفقودين، وسط حالة من القلق والترقب بين عائلات الضحايا.

 

وبحسب المعطيات المتداولة، انطلقت رحلة القارب من سواحل بنقردان وجرجيس باتجاه إيطاليا، قبل أن ينقلب في البحر، ما أدى إلى فقدان عدد من ركابه.

 

تضارب في أعداد المفقودين والضحايا

 

وأثارت حادثة غرق القارب حالة من الارتباك بسبب تضارب الأرقام المتعلقة بعدد الأشخاص الذين كانوا على متنه.

 

فقد تحدثت تصريحات عن وجود 15 مهاجرًا، بينما أشارت روايات أولية أخرى إلى أعداد مختلفة، في وقت تداولت مصادر محلية قائمة تضم عددًا أكبر عند احتساب قائد القارب.

 

وتواصلت عمليات البحث والإنقاذ في المنطقة البحرية، وسط مشاركة وحدات الحرس البحري وأصحاب مراكب الصيد وبحارة محليين.

 

وكان الحرس البحري قد تلقى اتصالًا من طاقم باخرة تجارية أبلغ عن إنقاذ أحد الأشخاص في البحر، قبل أن تتولى الوحدات التونسية إخراجه وتقديم الإسعافات اللازمة له.

 

كما تمكن بحارة وأصحاب مراكب صيد من إنقاذ شابين من بنقردان، فيما أفادت المعطيات بأن أحد الناجين كان في حالة صحية حرجة نتيجة تعرضه لفترة طويلة لأشعة الشمس وشرب مياه البحر، إضافة إلى إصابته بحروق.

 

وفي مرحلة من عمليات البحث، جرى الإعلان عن انتشال عدد من الجثامين، فيما استمرت عمليات التمشيط بحثًا عن بقية المفقودين.

 

الحريات في قلب المواجهة

 

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى السلطة على الملفات الاقتصادية والخدمية، بل امتدت إلى قضايا الحريات العامة وحرية التعبير والعمل السياسي.

 

وتقول منظمات حقوقية إن السلطات التونسية كثفت ملاحقة شخصيات معارضة ونشطاء وصحفيين وشخصيات من المجتمع المدني، مستندة في عدد من القضايا إلى تشريعات وقرارات تقول تلك المنظمات إنها صيغت بصورة فضفاضة بما يسمح بتوسيع نطاق استخدامها.

 

وتشير منظمات حقوقية كذلك إلى وجود عشرات الشخصيات المعارضة التي تواجه ملاحقات قضائية، فيما تؤكد السلطات أن الإجراءات القضائية تستند إلى القانون وأنها تستهدف أشخاصًا متهمين في قضايا فساد أو ما تصفه بـ"التآمر على أمن الدولة".


https://www.facebook.com/reel/28070439082650998

https://www.facebook.com/watch/?v=4113294478961265

https://www.facebook.com/reel/1093845056553935

https://www.youtube.com/watch?v=PcBncbIQZzY