أعلنت محافظة القاهرة استكمال مشروع تطوير سور مجرى العيون بالقاهرة التاريخية على امتداد 3 كيلومترات حتى كوبري فم الخليج، وربطه بمسارات دينية وتراثية، بهدف تحويل المنطقة إلى مقصد سياحي عالمي ومتحف مفتوح بحلول نهاية العام الجاري.

 

ويأتي الكشف وسط غضب متراكم من إزالة مبان ومقابر وتغيير طرق داخل نطاق تاريخي شديد الحساسية، حيث يخشى سكان ومتخصصون أن تتحول ذاكرة المدينة إلى واجهات محسنة للزوار بينما تتراجع أولوية البشر الذين صنعوا هذا النسيج وعاشوا داخله.

 

التطوير بين الربط والإزالة

 

وبحسب الخطة المعلنة، تربط المحافظة مجمع الأديان وسور مجرى العيون ومساجد آل البيت بتلال الفسطاط والمتحف القومي للحضارة المصرية، في محاولة لصناعة مسار سياحي متصل بدلا من بقاء المزارات منفصلة وسط شبكة مرورية وعمرانية معقدة.

 

وفي هذا الإطار، انتهت المحافظة من المرحلة الأولى لترميم سور مجرى العيون والممشى المجاور له بطول كيلومتر واحد، بينما تستهدف استكمال المسافة الباقية حتى كوبري فم الخليج، مع إزالة تعديات وتنظيف الأسطح الحجرية وفتح العيون المغلقة.

 

كذلك شملت التدخلات إزالة كوبري السيدة عائشة بعد سنوات من شكاوى تتعلق بسلامته وكثرة الحوادث عليه، مع تشغيل محور بديل وإعادة تخطيط محيط الميدان وإضافة التشجير والإنارة، وهي تغييرات واسعة تتجاوز مجرد ترميم أثر منفرد.

 

ومن ناحية أخرى، تقول المحافظة إن إزالة الكوبري ستسمح باستعادة الرؤية البصرية للمنطقة وربط مواقعها الأثرية، غير أن اتساع نطاق الطرق والمحاور الجديدة يعيد السؤال القديم حول أولوية حركة السيارات مقارنة بحماية النسيج التاريخي ومسارات المشاة والسكان.

 

وعلى مستوى التنفيذ، تشمل الخطة مناطق باب زويلة ودرب اللبانة وحارة الروم ومحيط مسجد الحسين وحديقة المحمودية، إلى جانب السيدة عائشة، ما يجعل المشروع شبكة تدخلات متعددة تتطلب معايير موحدة بدلا من حلول منفصلة قد تنتج هويات عمرانية متعارضة.

 

وفي المقابل، يتحفظ أستاذ العمارة والصيانة بجامعة عين شمس حسام البرمبلي على منهج التطوير، ويرى أن التعامل مع المناطق التراثية يحتاج هوية محددة ومنهجية واضحة ودراسة أعمق قبل تغيير عناصر المكان، لا الاكتفاء بقرارات تنفيذية متسارعة.

 

وبهذا المعنى، لا يصبح نجاح المشروع مرتبطا بحجم ما ينجز من طرق ومماش وإضاءات فقط، بل بقدرة الجهات المنفذة على إثبات أن كل تدخل جديد يحافظ على القيمة الأصلية للمكان ولا يستبدلها بصورة حديثة مصممة للاستهلاك السياحي.

 

لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى نشر خرائط التدخلات وحدود المناطق المحمية ومعايير إزالة المباني أو الإبقاء عليها، لأن عبارة الحفاظ على الهوية تظل فضفاضة ما لم ترتبط بقواعد يمكن للمتخصصين والسكان مراجعتها ومحاسبة الجهات المنفذة على أساسها.

 

ومن ثم فإن المشروع، رغم إمكاناته السياحية، يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج يتمثل في تحسين البنية والخدمات دون محو الطبقات العمرانية المتراكمة، وفي تحقيق عائد اقتصادي دون تحويل القاهرة التاريخية إلى مشهد مصقول منفصل عن حياة سكانها اليومية.

 

الهوية تحت ضغط السياحة

 

غير أن الجدل لا يبدأ من سور مجرى العيون وحده، إذ سبقت الخطة موجات اعتراض على هدم أجزاء من جبانات القاهرة التاريخية ومبان ذات قيمة معمارية، وهو ما جعل أي إعلان جديد عن التطوير محاطا بشكوك تتجاوز التفاصيل الهندسية المعلنة.

 

وبالتوازي مع ذلك، تعد القاهرة التاريخية مساحة حية تضم سكانا وأسواقا وحرفا وطرق عبور ومقابر ومزارات، ولذلك فإن اختزالها في مجموعة آثار منفصلة يهدد بفقدان العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي منحت المكان قيمته، حتى إذا بقيت الواجهات الحجرية سليمة.

 

وفي قراءة نقدية، ترى عالمة الآثار مونيكا حنا أن تراث المدينة يمثل رأسمالها الحقيقي، وأن فقدان الطبقات التاريخية يخفض قيمة المكان بدلا من زيادتها، كما دعت سابقا إلى وجود جهة واحدة قادرة على إدارة مواقع التراث بعيدا عن تضارب الاختصاصات.

 

وعلاوة على ذلك، شاركت حنا مع متخصصين في تحركات قانونية سابقة لحماية جبانات القاهرة التاريخية من الإزالة، ما يعكس أن الاعتراض لم يكن خلافا جماليا على شكل التطوير، بل نزاعا حول تعريف التراث نفسه وحدود حق الجهات التنفيذية في تغييره.

 

ومع ذلك، تؤكد المحافظة في خطتها الحالية حماية المباني ذات الطابع المعماري وترميمها وإعادة تأهيلها، كما أعلنت الإبقاء على سوق الحمام بالسيدة عائشة، في محاولة لطمأنة أصحاب الأنشطة والمترددين على السوق بأن التطوير لن يعني إقصاءهم من المكان.

 

وبين الوعدين والواقع، تبقى الضمانة الأساسية هي الشفافية حول ما سيبقى وما سيزال وكيف ستدار الأنشطة بعد انتهاء التنفيذ، لأن حماية سوق واحد لا تكفي وحدها لإثبات أن المنهج العام يحافظ على المجتمع المحلي باعتباره جزءا من القيمة التراثية.

 

وفي السياق نفسه، تحمل فكرة المتحف المفتوح قدرا من الجاذبية السياحية، لكنها تصبح مقلقة حين يفهم منها تحويل الأحياء إلى فضاءات للفرجة، إذ إن المدينة التاريخية ليست معرضا صامتا وإنما بيئة سكن وعمل وعبادة وذاكرة تتغير بحذر عبر الزمن.

 

وبناء على ذلك، فإن زيادة أعداد الزوار ليست معيار النجاح الوحيد، فالمعيار الأهم هو بقاء السكان والحرف والأسواق وقدرتهم على الاستفادة من العائد الجديد، دون أن يؤدي ارتفاع قيمة الأرض أو الاستثمار السياحي إلى دفعهم خارج أحيائهم تدريجيا.

 

الصيانة اختبار ما بعد الافتتاح

 

أما التحدي الأبعد فيتعلق بما بعد افتتاح الممرات والمماش، لأن التجارب السابقة تظهر أن الترميم بلا صيانة مستمرة يعيد المشكلات خلال سنوات، بينما تحتاج منطقة بهذا الاتساع إلى جهة إدارة واضحة تراقب المباني والمرافق والنظافة والحركة والتغيرات التجارية.

 

وفي هذا الصدد، تؤكد المعمارية مي الإبراشي، صاحبة خبرة طويلة في ترميم وإدارة تراث القاهرة التاريخية، أن الحفاظ الحقيقي يجب أن يشمل النسيج العمراني كاملا والمباني غير المسجلة أيضا، وأن يكون السكان شركاء في التنمية وليسوا مجرد متلقين لنتائجها.

 

كما قدمت الإبراشي عبر مبادرة الأثر لنا نموذجا يقوم على ربط صيانة التراث بالمنفعة الاجتماعية والاقتصادية للسكان، معتبرة أن شعور المجتمع بملكية تراثه والاستفادة منه يدفعه إلى حمايته، بدلا من فرض مشروع ينتهي دوره عند تسليم أعمال الإنشاء.

 

وفوق ذلك، تطرح هذه الرؤية سؤالا حول مصير الحرف والورش والأنشطة الصغيرة بعد ارتفاع الجاذبية السياحية، إذ قد ينجح المشروع عمرانيا لكنه يفشل اجتماعيا إذا استبدلت الأنشطة المحلية بخدمات مرتفعة التكلفة موجهة للزوار والقادرين على الإنفاق فقط.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو الإدارة الموحدة ضرورة لا شعارا، لأن تعدد الجهات بين الآثار والمحافظة والتخطيط والتنسيق الحضاري والمرافق يفتح الباب لتضارب الأولويات، بينما تحتاج المنطقة إلى قرار واحد يوازن بين الحفظ والتنقل والخدمات والسكن والاستثمار السياحي.

 

وعليه، فإن نشر خطة صيانة دورية وموازنة مخصصة لها ومؤشرات لقياس حالة المباني سيمنح المشروع فرصة للاستمرار، بدلا من الاعتماد على حملات تجميل مرتبطة بالافتتاحات، ثم ترك المشكلات اليومية تتراكم حتى تصبح أعمال الترميم الجديدة مطلوبة مرة أخرى.

 

وفي المحصلة، تستطيع الحكومة تحويل القاهرة التاريخية إلى مقصد عالمي إذا عاملتها كمدينة حية لا كخلفية سياحية، ووضعت حياة السكان والذاكرة العمرانية في قلب المشروع، لا على هامشه، وأخضعت أي إزالة أو تغيير لمراجعة علمية معلنة وقابلة للنقاش.

 

وأخيرا، سيظل الحكم على المشروع بعد انتهاء الأعمال، حين يتضح ما إذا كانت 3 كيلومترات من التطوير قد أعادت للقاهرة بعض ملامحها التاريخية، أم أضافت طبقة جديدة من التجميل فوق أسئلة قديمة عن الهدم والهوية ومن يقرر مصير المدينة.