سجلت الجهات المعنية بمحافظة الدقهلية إصابة 5 أشخاص بينهم طفلان مساء السبت بعد عقر كلب ضال لهم بجوار مسجد الرحمة في قرية كفر الأمير التابعة لمركز تمي الأمديد ونقل المصابين إلى المستشفى للعلاج والملاحظة .
وتحولت الواقعة من حادث محلي محدود إلى صورة جديدة لعجز ممتد عن حماية الشوارع والقرى من الكلاب الضالة بينما يدفع المواطنون والأطفال ثمن بطء المواجهة الحكومية وتشتت المسؤوليات بين جهات متعددة لا توقف الخطر.
أرقام تكشف العجز
وفي المقابل تكشف الأرقام الرسمية أن مصر سجلت نحو 1.4 مليون حالة عقر خلال 2025 بعد أن كانت الحالات لا تقل عن 1.2 مليون في سنوات سابقة بما يعكس اتساع المشكلة بدل احتوائها .
وبحسب وزارة الصحة تتحمل الدولة تكلفة تقترب من 1.7 مليار جنيه سنويا لتوفير اللقاحات والأمصال لمصابي العقر بينما تظل المعالجة مركزة على علاج الضحية بعد الإصابة أكثر من منع الخطر في الشارع .
ومن ناحية أخرى تشير تقديرات الهيئة العامة للخدمات البيطرية إلى وجود ما بين 10 و12 مليون كلب شارع في مصر وهو رقم ضخم يكشف أن القضية لم تعد استثناءات متفرقة بل أزمة صحة وسلامة عامة .
وعلى مستوى التنفيذ أعلنت الهيئة تحصين نحو 121 ألف كلب ضد السعار خلال 2025 وهو رقم يبدو محدودا للغاية إذا قورن بتقديرات الملايين الموجودة في الشوارع وبمعدل حالات العقر المسجلة خلال العام نفسه .
وبالأرقام يعني ذلك أن التحصين المعلن لا يلامس إلا جزءا صغيرا من الكتلة المقدرة للكلاب فيما تظل أعداد واسعة خارج السيطرة البيطرية بما يسمح باستمرار التكاثر والاحتكاك اليومي بالمواطنين داخل الأحياء والقرى.
ورغم ذلك لا تزال الاستجابة الحكومية موزعة بين الزراعة والتنمية المحلية والبيئة والصحة وهو توزيع قد يتحول عمليا إلى دائرة مسؤوليات متداخلة ما لم توجد جهة واحدة تقود الخطة وتعلن أهدافا زمنية قابلة للقياس.
وحسب نقيب الأطباء البيطريين مجدي حسن فإن تقدير أعداد الكلاب الضالة يظل اجتهاديا في غياب رقم رسمي نهائي مرجحا وجود ما بين 12 و15 مليون كلب وهو اعتراف يكشف خللا أساسيا في إدارة الأزمة .
ويقول حسن إن غياب الإحصاء الدقيق يعطل أي خطة قابلة للحساب لأن الدولة لا تستطيع تحديد حجم التحصين أو التعقيم أو الإيواء المطلوب من دون قاعدة بيانات تعرف أين تتركز الكلاب وكيف تتغير أعدادها.
وقاية بعد فوات الأوان
وتدعم واقعة الدقهلية هذه المخاوف لأن الكلب هاجم 5 أشخاص في مكان يرتاده السكان بجوار مسجد ولم تكن الإصابة لشخص واحد نتيجة احتكاك عابر بل واقعة عقر جماعي شملت طفلين في عمر 10 و11 عاما .
وفي قراءة صحية أوسع تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأطفال بين 5 و14 عاما من أكثر ضحايا داء الكلب وأن نحو 99 بالمئة من حالات المرض البشرية تنتج عن عضات الكلاب أو خدوشها .
ويصبح الخطر أشد لأن داء الكلب يكاد يكون قاتلا بالكامل بعد ظهور أعراضه السريرية بينما يمكن منع الوفاة بالعلاج الوقائي السريع بعد التعرض وهو ما يجعل سرعة الوصول إلى الرعاية ضرورة وليست إجراء احتياطيا .
كما أن الاعتماد على علاج المصابين وحده لا يمثل سياسة وقائية كافية فكل إصابة جديدة تعني أن الخطر وصل بالفعل إلى المواطن وأن الدولة تدخلت بعد وقوع الضرر بدلا من تقليص مصادر العقر في الشوارع.
وتوضح أرقام الخدمات البيطرية فجوة أخرى إذ قدرت تكلفة الإمساك والتعقيم والترقيم وإعادة الإطلاق لنحو 3 ملايين كلب بحوالي 2.15 مليار جنيه ما يضع الحكومة أمام التزام مالي وتنفيذي لا يمكن تأجيله بلا عواقب .
وتبدو المشكلة أكثر حدة عندما تكون القرية أو الحي بعيدا عن مراكز العلاج المتخصصة لأن أي تأخر في تلقي اللقاح والمصل يزيد القلق على الأسرة ويحول واقعة العقر إلى سباق مع الزمن.
وعلى الجانب البيطري قال أحمد البنداري وكيل نقابة الأطباء البيطريين إن اللائحة التنفيذية وضعت إجراءات للتحصين والتعقيم ثم إعادة الإطلاق بعد التأكد من سلامة الحيوان مع تخصيص أماكن إيواء للحالات التي تحتاج ذلك .
وبالموازاة حذر البنداري من أن الملف يرتبط مباشرة بصحة المواطنين وأن التعامل معه يحتاج تنسيقا بين جهات متعددة وهو ما يبرز أن نجاح الخطة لا يقاس بصدور لائحة بل بقدرتها على خفض العقر .
ومن ثم فإن إعادة الكلاب إلى الشوارع بعد التعقيم والتحصين تظل بحاجة إلى متابعة وترقيم ورقابة حقيقية لأن فقدان التتبع يحول الإجراء إلى دورة مفتوحة لا يعرف السكان خلالها أي الحيوانات جرى التعامل معها.
شوارع بلا حماية
وفوق ذلك لا يكفي إنشاء مراكز إيواء محدودة إذا ظلت القمامة ومخلفات الطعام منتشرة في الشوارع لأنها توفر مصادر غذاء ثابتة تساعد على تجمع الكلاب وتكاثرها وتعيد إنتاج المشكلة حتى بعد حملات الجمع والتعقيم.
وبصورة موازية يرى شهاب عبد الحميد رئيس جمعية الرفق بالحيوان أن الأزمة وصلت إلى مرحلة خطرة وأن مراكز الإيواء خارج الكتل السكنية تمثل جزءا من الحل مع ضرورة تقليل مصادر الغذاء العشوائية في الشوارع .
ومن منظور عبد الحميد فإن خفض القمامة يمكن أن يقلص جزءا كبيرا من المشكلة وهو ما ينقل المسؤولية من الطب البيطري وحده إلى منظومة النظافة والإدارة المحلية والتخطيط الحضري وحماية المساحات المحيطة بالمدارس والمنازل .
وعند مقارنة هذا التصور بواقعة كفر الأمير يصبح السؤال عن الوقاية أكثر إلحاحا لأن الطفلين المصابين لم يكونا في منطقة نائية أو برية بل داخل قرية مأهولة بجوار مسجد يفترض أن يكون محيطه آمنا.
ولهذا فإن حماية المواطنين لا تتطلب حملات موسمية عقب الحوادث بل برنامج دائم يبدأ بالحصر ويربط البلاغات بفرق تدخل سريعة ويضمن تحصين الكلاب وتعقيمها ونقل العدواني منها بعيدا عن التجمعات السكنية.
ومع استمرار تسجيل أكثر من مليون حالة عقر سنويا تصبح تكلفة الوقاية أقل قسوة من انتظار الإصابات ثم دفع مليارات الجنيهات على اللقاحات والأمصال فضلا عن الألم والخوف واحتمالات المضاعفات التي تتحملها الأسر .
وبناء على ذلك تكشف أزمة الكلاب الضالة خللا في ترتيب الأولويات التنفيذية إذ تتوافر قوانين ولوائح وتصريحات وخطط بينما تظل النتيجة التي يراها المواطن في الشارع هي استمرار العقر والانتشار والخوف خصوصا على الأطفال.
وأخيرا فإن إصابة 5 أشخاص في الدقهلية ليست رقما عابرا في دفتر الحوادث بل إنذارا جديدا بأن حماية الأرواح تبدأ قبل باب المستشفى وأن نجاح الحكومة يقاس بانخفاض الهجمات لا بعدد البيانات الصادرة بعدها.

