ألغت القاضية الفيدرالية جانيت فارغاس في مانهاتن حظر إدارة ترامب على تأشيرات المهاجرين من 75 دولة، معتبرة القرار مخالفا للقانون، ومجبرة وزارة الخارجية على إبطال الرفض القائم حصرا على هذه السياسة.
كما كشف الحكم وجها قاسيا من حملة الهجرة، حيث تحولت جنسية المتقدم إلى شبهة مسبقة، وتعلقت عائلات كاملة بقرار إداري جماعي يختصر البشر في قوائم خوف، لا في ملفات فردية وحقوق واضحة.
ومن ثم، يمثل الحكم انتكاسة جديدة لنهج إدارة ترامب في تضييق الهجرة القانونية، بعدما رأت المحكمة أن وزير الخارجية ماركو روبيو تجاوز سلطته، وألزم موظفين قنصليين برفض طلبات دون تقييم شخصي كاف.
غير أن القضية لا تتعلق بمجرد إجراء إداري داخل القنصليات، بل بمصير أسر كانت تسعى إلى لم الشمل، وعمال ينتظرون فرصا قانونية، ومتقدمين وجدوا أنفسهم مرفوضين بسبب بلد الميلاد لا حالتهم الفردية.
لذلك، رفضت المحكمة منطق التعامل مع مواطني 75 دولة ككتلة واحدة مرشحة للاعتماد على المساعدات العامة، مؤكدة أن القانون يفرض فحص المال والعمر والصحة والمهارات والظروف العائلية لكل متقدم.
علاوة على ذلك، شملت القائمة دولا غير أوروبية في معظمها، بينها دول من الكاريبي وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، إضافة إلى شركاء لواشنطن مثل مصر والأردن وجورجيا.
وبناء على ذلك، يصبح الحكم اختبارا لحدود السلطة التنفيذية في ملف الهجرة، خصوصا عندما تستخدم الإدارة مخاوف المال العام لفرض حظر واسع يمس جنسيات بعينها، بدلا من تطبيق القانون على الحالات الفردية.
حظر على الجنسية
يرى ستيفن ييل لوهر، أستاذ قانون الهجرة بجامعة كورنيل، أن قرارات الهجرة يجب أن تستند إلى نصوص القانون وفحص الوقائع الفردية، لأن التوسع التنفيذي بلا حدود يخلق صداما مباشرا مع القضاء.
في هذا السياق، بدت سياسة الخارجية الأمريكية أقرب إلى حظر جماعي، بعدما تلقى الموظفون تعليمات برفض المتقدمين حتى إذا قدموا أدلة إضافية تثبت قدرتهم على إعالة أنفسهم وعدم التحول إلى عبء عام.
إضافة إلى ذلك، قالت القاضية إن النتيجة كانت محسومة سلفا، بما يعني أن المقابلة القنصلية فقدت معناها العملي، وتحولت من تقييم قانوني إلى إجراء شكلي ينتهي غالبا بالرفض بسبب الجنسية.
كذلك، استند الحكم إلى قانون عام 1965 الذي يحظر التمييز في منح تأشيرات الهجرة على أساس الجنسية، ما جعل السياسة محل الطعن تبدو متعارضة مع أحد أهم ضمانات الهجرة القانونية.
ومن ناحية أخرى، لم تلغ المحكمة قرارات الرفض القائمة على أسباب قانونية أخرى، لكنها استهدفت الرفض الذي يستند حصرا إلى سياسة الدول الـ75، وهو ما يجعل آثار الحكم العملية مرتبطة بتفاصيل كل ملف.
في المقابل، احتفظت الإدارة الأمريكية بحق الاستئناف، كما منحت المحكمة الجانبين مهلة حتى 11 سبتمبر لتقديم مقترحات بشأن ما تبقى من القضية، ما يعني أن المعركة القانونية لم تنته بالكامل.
عائلات تحت الانتظار
يرى مظفر شيشتي، الباحث في معهد سياسة الهجرة، أن سياسات الهجرة الواسعة تترك أثرها الأكبر على العائلات والعمال لا على الأرقام فقط، لأن كل تعليق إداري يتحول إلى شهور انتظار وانفصال.
ومن هنا، اكتسبت الدعوى بعدا إنسانيا واضحا، إذ كان بين المدعين 6 مواطنين أمريكيين تقدموا بطلبات لم شمل، وقالوا إن القرار منع أقارب لهم في غانا وجامايكا وغواتيمالا وإثيوبيا من التأشيرات.
فضلا عن ذلك، لم يكن الحظر موجها لتأشيرات السياحة أو الدراسة، بل أصاب مسارا أكثر حساسية، هو تأشيرات الهجرة المرتبطة بالإقامة الدائمة، ولم الشمل العائلي، وبعض فرص العمل القانونية داخل الولايات المتحدة.
ثم إن وصف المتقدم المحتمل بأنه عبء عام لا يجوز أن يقوم على بلد المنشأ وحده، لأن القانون يطلب من الموظف القنصلي مراجعة الوضع المالي والصحي والمهني والأسري قبل اتخاذ القرار.
وبالتالي، فإن الحكم أعاد الاعتبار لمبدأ بسيط لكنه جوهري، وهو أن الإنسان لا يعاقب مسبقا بسبب إحصاءات بلده، ولا ترفض عائلته لأن إدارة ما قررت أن جنسيته تحمل خطرا ماليا.
على الرغم من ذلك، يبقى عدد المتضررين غير واضح، لأن بعض الطلبات ربما رفضت لأسباب متعددة، وهو ما يجعل مراجعة الملفات المعنية ضرورة عملية لمعرفة من يستفيد فعلا من قرار المحكمة.
تجاوز سلطة روبيو
يرى آرون ريتشلين ميلنيك، مدير السياسات في مجلس الهجرة الأمريكي، أن قرارات الحظر الواسعة غالبا ما تدفع القضاء إلى فحص الحدود الفاصلة بين صلاحيات الرئيس والوزارات والحقوق التي يحميها قانون الهجرة.
إلى جانب ذلك، ميزت القاضية بين حظر السفر الذي أيدته المحكمة العليا عام 2018 وبين قضية التأشيرات الحالية، معتبرة أن النزاع هنا يتعلق بإصدار التأشيرة من الأصل لا بمجرد السماح بالدخول.
كما رأت المحكمة أن وزير الخارجية لا يستطيع التحكم في كيفية اتخاذ الموظفين القنصليين قراراتهم الفردية، لأن القانون يمنح هؤلاء الموظفين سلطة تقييم الطلبات، لا تنفيذ نتيجة جاهزة صادرة من أعلى.
لذلك، شكل الحكم ضربة مزدوجة للإدارة، فهو رفض منطق الحظر الجماعي من ناحية، ورفض أيضا تحويل موظفي القنصليات إلى منفذين آليين لقرار مركزي يتجاهل ظروف المتقدمين الفردية.
ومع ذلك، ربحت الإدارة نقطة محددة، إذ أيدت القاضية أن السياسة ليست من نوع القواعد الرسمية التي يلزم طرحها للنقاش العام قبل تنفيذها، لكنها لم تعتبر ذلك كافيا لإنقاذ القرار.
غير أن جوهر الخسارة ظل واضحا، فالمحكمة قالت إن السياسة تخالف القانون وتتجاوز سلطة روبيو، وهو توصيف يطعن في أساس القرار لا في طريقة إعلانه أو صياغته الإدارية فقط.
وفي النهاية، يعيد الحكم فتح الباب أمام مهاجرين من 75 دولة، لكنه يترك اختبارا أكبر أمام واشنطن: هل تطبق القانون عبر تقييم عادل لكل إنسان، أم تعود إلى قوائم الخوف والفرز بالجنسية.

