ألغت وزارة الصحة والسكان تراخيص 3 بنوك دم خاصة في القاهرة والقليوبية والشرقية، بعدما كشفت حملات التفتيش غياب تجهيزات فحص الفيروسات واختلال درجات الحفظ ونقص بيانات المتبرعين، ما أثار مخاوف جدية بشأن سلامة الوحدات المتداولة.

 

ويكشف التحرك المتأخر أزمة أعمق من مجرد مخالفات فنية، إذ لم تتحرك الوزارة إلا بعدما استمرت المنشآت في العمل، بينما بقي المرضى الحلقة الأضعف أمام منظومة تمنح التراخيص أولاً ثم تكتشف الأخطار بعد احتمال وصولها إليهم.

 

رقابة جاءت بعد الخطر

 

بدايةً، شملت المخالفات عدم وجود أجهزة مخصصة لفحص الفيروسات في بعض المنشآت، رغم أن هذه الخطوة تمثل الحاجز الأساسي لمنع انتقال الالتهاب الكبدي ونقص المناعة وغيرها من الأمراض عبر الدم أو مشتقاته.

 

وفي المقابل، لم تعلن الوزارة المدة التي مارست خلالها البنوك الثلاثة نشاطها بهذه التجهيزات الناقصة، كما لم تكشف تاريخ آخر تفتيش سابق عليها، وهو غموض يضع كفاءة الإدارة الرقابية نفسها موضع اتهام مباشر.

 

وفوق ذلك، رصد المفتشون عدم مطابقة درجات حرارة ثلاجات حفظ الدم وأجهزة التجميد العميق للبلازما، وهي مخالفات لا تظهر فجأة، بل تعكس خللاً ممتداً كان يفترض اكتشافه عبر المتابعة الدورية وسجلات التشغيل اليومية.

 

ومن ناحية أخرى، يثير غياب الاستبيانات الطبية لبعض المتبرعين شكوكاً حول سلامة إجراءات قبولهم، لأن الاستبيان يكشف التاريخ المرضي والسلوكيات المحتملة وعوامل الخطر التي قد لا تظهر فوراً في الفحوص المعملية المعتادة.

 

وبحسب الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، لا توجد معلومات تثبت وصول دم ملوث إلى المرضى، غير أن هذا النفي يظل ناقصاً دون نشر نتائج التتبع وأعداد الوحدات المصروفة والجهات التي تسلمتها.

 

لكن الوزارة اكتفت بإعلان إلغاء التراخيص والتأكيد أن القرار يخص نشاط بنوك الدم دون المستشفيات، متجاهلة السؤال الأهم حول المسؤولين الذين أجازوا تشغيل هذه المنشآت، ووقعوا على سلامة تجهيزاتها قبل بدء النشاط.

 

وفي السياق ذاته، تقدمت النائبة صافيناز طلعت بسؤال برلماني يطالب بكشف لجان المعاينة ومعايير الترخيص ونتائج التفتيش السابق، معتبرة أن إغلاق المنشآت لا يعفي الوزارة من تفسير كيفية استمرار المخالفات حتى الحملة الأخيرة.

 

وعليه، تتحمل الوزارة مسؤولية تقديم جدول زمني موثق يبدأ بمنح كل ترخيص وينتهي بإلغائه، ويتضمن الزيارات الرقابية والملاحظات المسجلة والمهل الممنوحة لتصحيحها، حتى لا يتحول الإغلاق إلى ستار يحجب تقصيراً مؤسسياً ممتداً.

 

مرضى خارج الحسابات

 

إلى جانب ذلك، لم تعلن الوزارة حجم الدم والبلازما اللذين جرى جمعهما أو تخزينهما أو صرفهما خلال فترة المخالفات، رغم أن معرفة هذه الأرقام تمثل الخطوة الأولى لتحديد نطاق الخطر الصحي المحتمل.

 

وبالتالي، يبقى المرضى الذين تلقوا وحدات من البنوك المغلقة في دائرة القلق، خصوصاً مع غياب إعلان واضح عن التواصل معهم أو إعادة فحصهم أو متابعة حالتهم للتأكد من عدم تعرضهم لمضاعفات لاحقة.

 

كما أن الصمت عن أسماء المستشفيات والجهات التي استقبلت الوحدات يمنع الرقابة المجتمعية، ويجعل الأسر عاجزة عن معرفة مصدر الدم المنقول لمرضاها، بينما تحتفظ الوزارة بالمعلومات التي يفترض أن تساعد المواطنين على حماية أنفسهم.

 

ولذلك، يتطلب التعامل المسؤول إنشاء سجل طوارئ يضم جميع الوحدات المرتبطة بالبنوك الثلاثة، وأسماء الجهات المستلمة وتواريخ الصرف ونتائج الفحوص، ثم استدعاء الحالات التي تستوجب مراجعة طبية عاجلة ومجانية.

 

ومن ثم، لا يكفي القول إن المخالفات لا تعني بالضرورة تداول دم ملوث، لأن غياب الدليل على الضرر ليس دليلاً على سلامة الإجراءات، خصوصاً عندما تكون أدوات الفحص والحفظ نفسها محل المخالفة الرسمية.

 

في هذا الإطار، تؤكد الدكتورة فاتن مسعد، مديرة خدمات نقل الدم القومية، أهمية الالتزام بالمعايير الموحدة في جمع الدم وفحصه وحفظه، وهو ما يجعل تجاوز تلك المعايير فشلاً رقابياً لا مجرد خطأ تشغيلي محدود.

 

ومع ذلك، تحتاج تصريحات الطمأنة إلى أدلة منشورة تتضمن نتائج مراجعة العينات وسجلات درجات الحرارة وتقارير صلاحية الأجهزة، لأن الثقة في منظومة الدم لا تُبنى بالبيانات العامة، وإنما بالشفافية وإتاحة المعلومات القابلة للتحقق.

 

فضلاً عن ذلك، يجب أن تتحمل الوزارة تكاليف الفحوص والمتابعة لأي مريض يثبت تلقيه وحدة من المنشآت المخالفة، مع إنشاء قناة اتصال معلنة، بدلاً من ترك المواطنين يواجهون القلق والبحث عن المعلومات بوسائلهم الخاصة.

 

منظومة الترخيص متهمة

 

غير أن أصل الأزمة يبدأ قبل حملات التفتيش، وتحديداً عند منح الترخيص لمنشأة لا تمتلك أجهزة فحص كافية أو أنظمة حفظ مطابقة، ما يطرح احتمال وجود معاينات شكلية أو تقارير لم تعكس الواقع التشغيلي.

 

علاوة على ذلك، فإن اكتشاف المخالفات بعد التشغيل يكشف ضعف التفتيش المفاجئ، لأن الالتزام في يوم المعاينة لا يضمن استمرار السلامة، بينما تتطلب بنوك الدم مراقبة متواصلة للأجهزة والكوادر والسجلات وسلسلة التبريد.

 

واستناداً إلى رؤية الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، فإن ربط بنوك الدم بشبكات معلومات موحدة وقواعد مركزية للمتبرعين يرفع كفاءة التتبع ويتيح معرفة مسار كل وحدة عند اكتشاف الخلل.

 

وبناءً على ذلك، يصبح غياب نظام تتبع مركزي ثغرة تتحمل الوزارة مسؤوليتها، لأن كيس الدم ليس سلعة عادية، بل منتج طبي شديد الحساسية يجب توثيق رحلته منذ المتبرع وحتى وصوله إلى المريض.

 

في الوقت نفسه، ينبغي نشر أسماء أعضاء لجان الترخيص والتفتيش ودرجاتهم الوظيفية ونتائج زياراتهم، مع إحالة أي تقصير إلى التحقيق، بدلاً من قصر العقوبة على المنشأة وترك المسؤول الإداري بعيداً عن المحاسبة.

 

أما إلغاء التراخيص بعد انكشاف المخالفات، فلا يمثل نجاحاً رقابياً كاملاً كما تحاول الوزارة تصويره، بل اعترافاً بأن الخطر ظل قائماً تحت إشرافها، وأن إجراءات الوقاية سبقتها المنشآت المخالفة بخطوات خطيرة.

 

وفي المحصلة، تحتاج القضية إلى تحقيق مستقل يحدد مدة المخالفات وحجم التداول ومصير الوحدات والمسؤولين عن الترخيص، مع إعلان النتائج كاملة، لأن صحة المواطنين لا تحتمل إدارة الأزمة بمنطق الإنكار والطمأنة غير المدعومة.

 

وأخيراً، لن تستعيد وزارة الصحة ثقة المرضى بإغلاق 3 بنوك فقط، بل بمحاسبة من سمح لها بالعمل، وتتبع كل وحدة خرجت منها، وتعويض المتضررين، وإصلاح منظومة رقابة تحركت بعدما اتسع الخطر بدلاً من منعه.