كشفت عملية مراقبة جوية قبالة السواحل الليبية عن العثور على 11 جثة لمهاجرين في حالة تحلل متقدمة، في مأساة جديدة تعيد فتح ملف الموت المستمر على طريق وسط البحر المتوسط، حيث يخوض آلاف الفارين من الحروب والفقر والاضطرابات الاقتصادية رحلات محفوفة بالمخاطر نحو أوروبا، على متن قوارب متهالكة تفتقر إلى أبسط وسائل الأمان.

 

وقالت منظمة إس أو إس ميديتيرانيه إن طائرة تابعة لها رصدت الجثث بالتعاون مع مبادرة الطيارين الإنسانيين، خلال مهمة مراقبة فوق البحر، ووصفت ما شاهدته بأنه مشهد مروع يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تجري بعيدًا عن الأنظار، بينما تواصل الدول الأوروبية تشديد حدودها وتقليص فرص الوصول الآمن إلى أراضيها.

 

وأظهرت المراقبة أن بعض الضحايا كانوا لا يزالون يرتدون ملابسهم، بينما طفت جثث أخرى فوق سطح المياه مستندة إلى إطارات مطاطية، في صورة قاسية توحي بمحاولات يائسة للتشبث بالحياة بعد غرق قارب أو ترك ركابه في عرض البحر دون إنقاذ.

 

 

جثث مجهولة في البحر

 

أوضحت المنظمة الإنسانية أن الجثث كانت في مراحل متقدمة من التحلل، ما يرجح بقاءها في البحر مدة طويلة قبل اكتشافها، دون أن تتوافر معلومات عن هويات الضحايا أو جنسياتهم أو القارب الذي كانوا يستقلونه أو عدد الأشخاص الآخرين الذين ربما فُقدوا معهم.

 

وتمثل حالة التحلل المتقدمة دليلًا على أن الحادثة لم تُرصد وقت وقوعها، وهو ما يثير أسئلة عن كفاءة عمليات المراقبة والبحث والإنقاذ في المنطقة، وعن عدد القوارب التي تختفي بصمت دون إرسال نداء استغاثة أو تسجيل ضحاياها ضمن الإحصاءات الرسمية.

 

من جانبه، أعلن جهاز خفر السواحل الإيطالي تلقي بلاغ بشأن العثور على الجثث، موضحًا أنه أخطر السلطات الليبية لأن الموقع يقع داخل منطقة البحث والإنقاذ التابعة لليبيا، على مسافة تقارب 57 ميلًا بحريًا من مدينة زوارة الواقعة غرب البلاد.

 

غير أن إحالة البلاغ إلى السلطات الليبية لا تنهي المسؤولية الإنسانية عن انتشال الجثث وتحديد هويات أصحابها وإبلاغ عائلاتهم، إذ لا يجوز أن يتحول تقسيم مناطق الإنقاذ إلى ذريعة لتبادل المسؤوليات، بينما تظل أجساد الضحايا طافية في المياه دون استجابة عاجلة.

 

وتعد زوارة ومناطق أخرى على الساحل الليبي نقاط انطلاق رئيسية لقوارب الهجرة المتجهة نحو إيطاليا ومالطا، حيث يستغل المهربون حاجة المهاجرين ويضعونهم داخل قوارب مكتظة وغير مؤهلة للإبحار، مقابل مبالغ كبيرة تجمعها شبكات تحقق أرباحها من اليأس الإنساني.

 

وتزداد مخاطر الرحلات بسبب تقلب الطقس ونقص الوقود والطعام والمياه وتعطل المحركات، فضلًا عن غياب معدات الإنقاذ، وقد يبقى الركاب أيامًا في البحر قبل وصول المساعدة، بينما تؤدي البرودة والإجهاد والعطش إلى سقوط ضحايا حتى قبل غرق القارب.

 

 

ردع أوروبي قاتل

 

واتهمت منظمة إس أو إس ميديتيرانيه السياسات الأوروبية القائمة على الردع وتشديد الحدود بالمساهمة في تفاقم المأساة، معتبرة أن العثور على 11 جثة ليس حادثًا منفصلًا، بل نتيجة لمسار يجعل العبور أكثر خطورة دون معالجة الأسباب التي تدفع المهاجرين إلى المخاطرة بحياتهم.

 

وتشمل هذه السياسات دعم أجهزة خفر السواحل في دول الانطلاق، وتقييد حركة سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات الإنسانية، وإبعادها إلى موانئ بعيدة، إلى جانب توسيع إجراءات إعادة المهاجرين ومنعهم من الوصول إلى أماكن يستطيعون فيها تقديم طلبات الحماية واللجوء.

 

ويرى المدافعون عن حقوق المهاجرين أن تقليص عمليات الإنقاذ لا يوقف الرحلات، لكنه يزيد احتمال تحولها إلى مقابر جماعية، لأن الفارين من النزاعات والانتهاكات والفقر المدقع لن يتخلوا بالضرورة عن السفر، بل سيلجؤون إلى مسارات أطول وقوارب أشد هشاشة.

 

كما أن غياب ممرات قانونية وآمنة يدفع الراغبين في الوصول إلى أوروبا نحو المهربين، ويمنح شبكات الاتجار بالبشر سوقًا واسعة، بينما تقدم الحكومات الأوروبية انخفاض أعداد الوافدين باعتباره نجاحًا أمنيًا، دون حساب عدد الذين ماتوا أو اختفوا قبل الوصول.

 

ولا يمكن إعفاء المهربين من مسؤوليتهم عن إرسال البشر في قوارب غير صالحة، لكن حصر المسؤولية فيهم يتجاهل أثر السياسات التي أغلقت طرق السفر النظامية، وقلصت التأشيرات ومسارات اللجوء وإعادة التوطين، وحولت البحر إلى الخيار الوحيد أمام كثيرين.

 

وتثير إعادة المهاجرين إلى ليبيا انتقادات متواصلة بسبب الظروف التي يواجهونها داخل مراكز الاحتجاز، وما يرد من شهادات عن التعذيب والابتزاز والعمل القسري والعنف، بما يجعل إعادتهم إلى هذه البيئة موضع اعتراض حقوقي وإنساني واسع.

 

 

طريق أشد فتكًا

 

يعد طريق وسط البحر المتوسط، الممتد من سواحل ليبيا وتونس إلى إيطاليا ومالطا، واحدًا من أخطر مسارات الهجرة غير النظامية في العالم، بعدما تحول خلال السنوات الماضية إلى مسرح متكرر للغرق والاختفاء وانتشال الجثث مجهولة الهوية.

 

وأظهرت تقديرات المنظمة الدولية للهجرة ارتفاع عدد الوفيات والمفقودين على هذا الطريق خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، رغم انخفاض أعداد مستخدميه، ما يكشف أن تراجع العبور لا يعني بالضرورة تحسن الأمان، بل قد يتزامن مع زيادة احتمال الموت لكل رحلة.

 

وبحسب الأرقام الواردة، توفي أو فُقد 821 مهاجرًا بين يناير وأبريل 2026، بزيادة بلغت 111% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما انخفض عدد الواصلين إلى أوروبا عبر المسار بنسبة 46% ليبلغ 8577 شخصًا.

 

وتعني هذه المفارقة أن الطريق أصبح أكثر فتكًا، إذ يرتفع عدد الضحايا رغم انخفاض أعداد الوافدين، وهو ما يقوض الرواية التي تقيس نجاح سياسات الهجرة بعدد من مُنعوا من الوصول، متجاهلة مصير من غرقوا أو اختفوا في البحر.

 

كما أفادت بيانات وكالة مراقبة الحدود الأوروبية بتراجع حالات العبور غير النظامي إلى دول الاتحاد الأوروبي، لكن المنظمات الإنسانية تؤكد أن انخفاض الأعداد لا ينبغي الاحتفال به إذا كان مرتبطًا بطرق أخطر وعمليات إنقاذ أقل وقدرة أضعف على توثيق حوادث الغرق.

 

وتبقى الجثث الـ11 شاهدًا على أزمة لا تختصرها الإحصاءات، فخلف كل جثمان إنسان له اسم وأسرة وحكاية وأسباب دفعته إلى البحر، بينما يهدد التحلل وغياب الوثائق بدفن الضحايا مجهولي الهوية وحرمان عائلاتهم من معرفة مصيرهم.

 

وتفرض الحادثة ضرورة تحرك عاجل لانتشال الجثث وفحصها وتوثيقها ومحاولة تحديد هويات أصحابها، بالتوازي مع تعزيز قدرات البحث والإنقاذ وفتح مسارات هجرة قانونية، لأن حماية الحدود لا يمكن أن تكون مبررًا لترك البشر يموتون في البحر.