بعد ثلاثة عشر عامًا على أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، لا تزال تلك اللحظة واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل والألم في التاريخ المصري الحديث.

 

فالأحداث التي بدأت بعملية أمنية لفض اعتصامين مؤيدين للرئيس الراحل محمد مرسي، تحولت خلال ساعات إلى واحدة من أكثر الوقائع دموية منذ ثورة يناير، وخلفت آلاف الشهداء والجرحى، ثم فتحت الباب أمام سنوات طويلة من الاعتقالات والمحاكمات والانقسام السياسي والمجتمعي.

 

وبمرور السنوات، لم يعد الحديث عن رابعة مرتبطًا فقط بما جرى في ميداني رابعة العدوية والنهضة، وإنما بات مرتبطًا بأسئلة أكبر حول شكل الدولة المصرية، وحدود استخدام القوة، ومستقبل الحياة السياسية، وحقوق المحتجزين، ومصير العدالة الانتقالية، وقدرة المجتمع على تجاوز واحدة من أكثر لحظاته استقطابًا.

 

 

14 أغسطس 2013.. يوم تغيرت فيه مصر

 

بدأت الأزمة السياسية الكبرى بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، في 3 يوليو 2013، وفي أعقاب ذلك، أقام أنصار مرسي اعتصامين رئيسيين في رابعة العدوية بمدينة نصر وميدان النهضة بالجيزة، مطالبين بعودة الرئيس إلى منصبه.

 

وفي صباح 14 أغسطس، بدأت قوات الأمن عملية فض الاعتصامين، وسط وجود أعداد كبيرة من المعتصمين.

ومع تصاعد الاشتباكات وإطلاق النار والحرائق، تحول المشهد إلى مواجهة دامية استمرت ساعات، وسقط خلالها عدد كبير من الشهداء والمصابين.

 

وتختلف تقديرات أعداد الضحايا بصورة كبيرة؛ فوفق الأرقام الرسمية الواردة في المادة المصدرية، تجاوز عدد الشهداء المعتصمين 600 شخص، بينما تحدثت جماعة الإخوان المسلمين عن أكثر من ألف قتيل، وقدرت منظمة هيومن رايتس ووتش أعداد القتلى المدنيين بما بين 800 وألف شخص.

 

 

الرواية الرسمية في مواجهة شهادات المعتصمين

 

قالت السلطات الانقلابية آنذاك إنها وفرت ممرات آمنة للمعتصمين الراغبين في مغادرة الميدان، وإن العملية جاءت بعد تحذيرات متكررة ونتيجة وجود عناصر مسلحة داخل الاعتصام.

 

في المقابل، قدم ناجون وشهود روايات مختلفة، تحدث بعضها عن إطلاق النار على أشخاص كانوا يحاولون الخروج، وعن صعوبة الوصول إلى مناطق آمنة، فضلًا عن تعذر وصول سيارات الإسعاف إلى داخل الميدان خلال الساعات الأولى من العملية.

 

 

بعد رابعة.. الاعتقالات والمحاكمات

 

لم تنته تداعيات 14 أغسطس بانتهاء عملية الفض. تبعت الأحداث حملة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات، شملت أعدادًا كبيرة من أنصار الرئيس محمد مرسي، ثم امتدت لاحقًا إلى أطراف وقوى وشخصيات معارضة بدرجات مختلفة.

 

وأصبحت المحاكمات الجماعية وأحكام الإعدام والسجن الطويل من أكثر الملفات ارتباطًا بمرحلة ما بعد رابعة.

 

وفي القضية المعروفة إعلاميًا باسم قضية فض اعتصام رابعة التي ضمت 739 متهمًا، صدر في أغسطس 2018 حكم بالإعدام على 75 منهم، إلى جانب أحكام أخرى بالسجن المؤبد ومدد مختلفة.

كما شهدت القضية أحكامًا لاحقة وإعادة إجراءات لبعض المتهمين.

 

وفي يناير 2024، قضت محكمة بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا على 14 متهمًا في إطار إعادة إجراءات مرتبطة بالقضية.

 

وبذلك تحولت رابعة من حدث وقع في يوم واحد إلى ملف قضائي استمر لأكثر من عقد، وما زال حاضرًا في ذاكرة عائلات الضحايا والمعتقلين.

 

 

الإعدام.. فصل شديد القسوة في تداعيات رابعة

 

ارتبطت أحداث رابعة كذلك بأحكام إعدام جماعية أثارت انتقادات حقوقية دولية.

 

وشملت صدور عشرات الأحكام بالإعدام في قضية فض الاعتصام، من بينها أحكام أيدت لاحقًا بحق عدد من المعارضين.

 

وبعيدًا عن الموقف السياسي من الأشخاص الذين صدرت بحقهم الأحكام، فإن اتساع نطاق المحاكمات الجماعية وأعداد المتهمين وأحكام الإعدام جعل القضية واحدة من أبرز ملفات العدالة الجنائية في مصر خلال العقد الماضي.

 

 

هل تحقق العدل للضحايا؟

 

من أكثر الأسئلة حساسية التي بقيت مطروحة بعد 13 عامًا: من حوسب عن سقوط الضحايا؟

 

وُجّهت انتقادات حقوقية واسعة لعدم إجراء تحقيق مستقل وفعال في مسؤولية من أصدروا الأوامر أو خططوا للعملية أو شاركوا فيها، في مقابل محاكمة أعداد كبيرة من المعتصمين والناجين.

 

كما أشارت إلى أن الدستور المصري تضمن نصًا يتعلق بالعدالة الانتقالية، بما يشمل كشف الحقيقة والمحاسبة والمصالحة الوطنية وتعويض الضحايا، إلا أن هذا الإطار لم يتحول، وفق المادة، إلى عملية شاملة لمعالجة إرث أحداث تلك المرحلة.

 

وهكذا بقيت العدالة الانتقالية واحدة من أكثر الملفات غيابًا عن المشهد المصري بعد 2013.

 

 

سنوات من التضييق على المجال العام

 

تجاوزت آثار رابعة أنصار مرسي وجماعة الإخوان المسلمين لتصل إلى المجال العام بأكمله.

 

فمنذ 2013، شهدت مصر تغييرات واسعة في قوانين التظاهر والعمل السياسي والإعلام والمجتمع المدني، إلى جانب توسع استخدام الحبس الاحتياطي وقوانين مكافحة الإرهاب.

 

وطالت الاعتقالات ليس فقط أعضاء جماعة الإخوان أو أنصار الرئيس محمد مرسي، وإنما أيضًا منتقدين وناشطين ومعارضين من تيارات مختلفة.

 

واستمرت حالات الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، إلى جانب محاكمات أمام دوائر الإرهاب ومحاكمات جماعية وصفتها منظمات حقوقية بأنها تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.

 

 

حرية الصحافة والتعبير تحت الضغط

 

كان الإعلام أحد أكثر المجالات تأثرًا بالاستقطاب الذي أعقب أحداث 2013.

 

ومع تثبيت الرواية الرسمية للأحداث، تعرضت وسائل إعلام وصحفيون مستقلون لضغوط وقيود واعتقالات، بحسب المادة.

 

وأصبح العمل الصحفي في ملفات السياسة والأمن وحقوق الإنسان محفوفًا بمخاطر متزايدة، فيما تعرضت مواقع ووسائل إعلام للحجب أو التضييق، وتعرض صحفيون للملاحقة بسبب ما نشروه.

 

ومع مرور السنوات، أصبحت السيطرة على المجال الإعلامي جزءًا أساسيًا من شكل الحياة السياسية في مصر، بحسب تقييم المصدر.

 

المجتمع المدني.. مساحة تتقلص

 

امتدت التداعيات كذلك إلى المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني، في ظل قانون تنظيم العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، الذي منح السلطات صلاحيات واسعة في تسجيل المنظمات وتنظيم أنشطتها وتمويلها، وهو ما أثار انتقادات حقوقية بشأن استقلال المجتمع المدني.

 

كما تعرض ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان لإجراءات شملت المحاكمات وحظر السفر وتجميد الأصول، وفق المادة.

 

وبذلك لم تعد الأزمة محصورة في العلاقة بين السلطة والمعارضة السياسية، وإنما امتدت إلى مساحة العمل الأهلي والحقوقي والمدني.

 

 

السجون.. الوجه الآخر للمرحلة

 

خلف القضبان، استمرت تداعيات السنوات التي بدأت بعد رابعة.

 

وشملت هذه التداعيات ظروف احتجاز قاسية، وحرمان بعض المحتجزين من الرعاية الصحية، وادعاءات بالتعذيب وسوء المعاملة.

 

كما تشير المادة إلى وفاة شخصيات سياسية بارزة داخل الاحتجاز، وإلى شكاوى تتعلق بالرعاية الطبية وظروف السجن.

 

وتبقى قضية المعتقلين واحدة من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا؛ لأنها لا تتعلق فقط بالمحتجز نفسه، وإنما تمتد إلى أسرته وأطفاله ومستقبله الاجتماعي والاقتصادي.

 

 

الاختفاء القسري.. عائلات بلا إجابات

 

وشملت التداعيات كذلك حالات احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، فيما ظلت أسر لفترات تبحث عن مصير ذويها.

 

والاختفاء القسري، حين يقع، لا يمثل أزمة قانونية وإنسانية للمحتجز فقط، بل يضع الأسرة أمام حالة من الانتظار وعدم اليقين، ويجعلها عاجزة عن معرفة مكان وجود الشخص أو حالته القانونية.

 

وهذا النوع من القضايا كان من بين الملفات التي أثارت انتقادات حقوقية متكررة خلال السنوات الماضية.

 

 

رابعة والسياسة المصرية

 

على المستوى السياسي، شكلت أحداث 2013 نقطة تحول حاسمة.

 

فبعد الإطاحة بمرسي، دخلت مصر مرحلة جديدة اتسمت بتراجع قدرة القوى السياسية المعارضة على العمل العلني، وتقلص مساحة المنافسة السياسية، وتزايد دور المؤسسات الأمنية في إدارة المجال العام، بحسب المادة.

 

ومع مرور الوقت، لم يقتصر الأمر على أنصار جماعة الإخوان، بل امتد إلى قوى وشخصيات سياسية أخرى.

 

وهكذا تحولت لحظة الصدام التي سبقت رابعة إلى مسار سياسي طويل، انتهى إلى تضييق المجال أمام الأحزاب والحركات المعارضة، وتراجع قدرة المجتمع السياسي على إنتاج منافسة حقيقية ومستقلة.

 

  • الانقسام الذي انتقل إلى داخل البيوت


    ربما كان الجانب الاجتماعي هو الأقل ظهورًا في الإحصاءات، لكنه الأكثر استمرارًا في حياة المصريين.


    فالأحداث قسمت المجتمع إلى معسكرات متصارعة، وأصبحت المواقف من 30 يونيو و3 يوليو ورابعة معيارًا للعلاقات السياسية والاجتماعية لدى كثير من الأسر.


    وفي بعض الحالات، انتقل الخلاف من الشارع إلى داخل الأسرة الواحدة، بين من رأى أن ما حدث كان ضرورة لإنقاذ الدولة، ومن اعتبره انقلابًا على المسار الديمقراطي.


    ومع مرور 13 عامًا، لا تزال آثار هذا الانقسام حاضرة في الذاكرة الجماعية، خصوصًا لدى الأسر التي فقدت أبناء أو آباء أو أمهات في تلك الأحداث أو دخل أحد أفرادها السجن أو اضطر إلى مغادرة البلاد.

     
  • الأطفال.. الجيل الذي ورث الأزمة


    من أكثر المشاهد قسوة في تداعيات رابعة أن الأطفال كانوا من بين من دفعوا ثمن الصراع السياسي دون أن يكون لهم دور في صنعه.


    فطفل فقد أمه أو أباه في أحداث المجزرة لا يحمل فقط ذكرى شخصية مؤلمة، وإنما يكبر وهو يحمل تفسيرًا خاصًا لما حدث.


    كما أن أبناء المعتقلين عاشوا سنوات طويلة بعيدًا عن آبائهم أو أمهاتهم، الأمر الذي جعل آثار الأزمة تمتد من جيل إلى آخر.


     
  • أزمة الديون وتكلفة المعيشة


    أصبحت الديون وخدمة الدين من أهم التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة المصرية، التي أدت إلى ارتفاع حجم الدين الخارجي، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين والحاجة المستمرة إلى النقد الأجنبي.


    كما شهدت البلاد موجات متتالية من انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة الأسر المصرية.


    ولم تعد المؤشرات الاقتصادية مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية، وإنما تحولت إلى واقع يومي يظهر في أسعار الطعام والدواء والسكن والمواصلات والخدمات.


     
  • الكهرباء والغاز والضغوط على الإنتاج


    شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة أزمات مرتبطة بالطاقة، كان أبرزها عودة تخفيف أحمال الكهرباء في 2024، بعد سنوات من الحديث عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، ووصل في بعض الفترات إلى ساعات يومية، وأثر على بعض القطاعات الصناعية والإنتاجية.


     
  • الاقتصاد العسكري.. جدل مستمر

    من الملفات التي أثارت نقاشًا واسعًا خلال السنوات الماضية توسع الدور الاقتصادي للمؤسسات التابعة للقوات المسلحة، فيما أدى هذا إلى منافسة القطاع الخاص وإلى تشوهات في السوق.


     
  • الأمن القومي.. ملف آخر شديد الحساسية


    لا تقتصر آثار مرحلة ما بعد 2013 على الداخل المصري، وإنما تمتد إلى الملفات الإقليمية والأمن القومي.

    وتتناول المادة ملفات تيران وصنافير، وسد النهضة، وأوضاع الحدود المصرية مع قطاع غزة، وتطرح تقييمًا شديد الانتقاد للسياسات المصرية في هذه الملفات.

 

 

العالم ينظر إلى رابعة

 

في الأيام التي أعقبت عملية الفض، صدرت مواقف دولية عديدة.

 

الاتحاد الأوروبي أعرب عن قلقه من سقوط الضحايا ودعا إلى ضبط النفس، كما علّق لاحقًا تراخيص تصدير بعض الأسلحة التي يمكن استخدامها في القمع الداخلي.

 

والولايات المتحدة أدانت استخدام القوة ضد المتظاهرين، فيما تحدث الرئيس باراك أوباما عن ضرورة احترام الحقوق والحريات وإلغاء حالة الطوارئ والحوار السياسي.

 

كما صدرت مواقف من الأمم المتحدة وتركيا ودول أوروبية وعربية وآسيوية، تراوحت بين الإدانة والدعوة إلى ضبط النفس والحوار، بينما أيدت دول عربية أخرى الإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية آنذاك.

 

 

احتجاجات في عواصم عربية وغربية

 

لم تتوقف ردود الفعل عند الحكومات. فخرجت احتجاجات ضخمة في عدد من الدول العربية والغربية، بينها فلسطين وتونس والمغرب وموريتانيا واليمن ولبنان والأردن والكويت وبريطانيا وإندونيسيا وماليزيا وتركيا.

 

ورفع المشاركون شعارات منددة بعملية الفض، وطالب بعضهم بعودة المسار الديمقراطي ومحاسبة المسؤولين عن سقوط الضحايا.

 

وأظهرت تلك الاحتجاجات أن أحداث رابعة لم تكن أزمة مصرية داخلية فقط، وإنما تحولت في حينها إلى قضية ذات حضور إقليمي ودولي واسع.