أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر تقريره السنوي عن مؤشرات الملكية الفكرية لعام 2025، كاشفًا استقبال مكتب براءات الاختراع المصري 1811 طلبًا جديدًا، ومنح 102 براءة فقط، في انخفاض حاد يعكس تراجع قدرة منظومة الابتكار على تحويل الأفكار إلى إنجازات عملية.
كما أن الأرقام الرسمية تكشف فجوة واسعة بين حجم الطلبات الأجنبية والمحلية، إذ استحوذ المتقدمون الأجانب على 71.1% من الطلبات، بينما لم تتجاوز مساهمة المصريين 28.9%، ما يعيد طرح الأسئلة حول ضعف الدعم المقدم للمخترعين المحليين.
لزيادة وضوح الأزمة، تشير البيانات إلى أن عدد طلبات البراءات يواصل الانخفاض منذ عام 2023، بعدما سجل 2101 طلبًا، ثم تراجع إلى 1860 طلبًا في 2024، قبل أن يصل إلى 1811 طلبًا خلال العام الحالي.
وبالتالي، فإن الانخفاض الأكبر ظهر في البراءات الممنوحة فعليًا، بعدما هبط العدد من 317 براءة عام 2023 إلى 266 في 2024، ثم وصل إلى 102 فقط خلال 2025، بنسبة تراجع بلغت 61.7%.
كما أن استمرار هذا التراجع يأتي في وقت تتحدث فيه المؤسسات الرسمية عن بناء اقتصاد قائم على المعرفة وتوطين التكنولوجيا، بينما تكشف المؤشرات العملية عن صعوبات تواجه الباحثين وأصحاب الأفكار الجديدة.
ومن ثم، يبرز ملف الملكية الفكرية كأحد المؤشرات التي تكشف حجم التحديات أمام الابتكار المحلي، خاصة مع استمرار اعتماد نسبة كبيرة من البراءات على طلبات مقدمة من خارج البلاد.
علاوة على ذلك، أظهرت البيانات أن المصريين حصلوا على 27 براءة فقط من إجمالي البراءات الممنوحة، مقابل 75 براءة للمتقدمين الأجانب، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين القدرات المحلية والمنافسة الدولية.
لذلك، يرى متخصصون أن أزمة الابتكار لا ترتبط فقط بعدد الطلبات، وإنما بقدرة المؤسسات على تمويل الأبحاث وتحويل النتائج العلمية إلى منتجات قابلة للتطبيق داخل السوق.
غير أن تصدر المصريين قائمة الدول الأكثر حصولًا على البراءات لا يخفي ضعف المشاركة المحلية، إذ إن الرقم الإجمالي للبراءات الممنوحة ما زال محدودًا مقارنة بحجم الكفاءات العلمية الموجودة.
عوائق أمام الباحثين
كما أكد الدكتور عمرو عزت سلامة، الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية، أن تطوير منظومة البحث العلمي يحتاج إلى زيادة التمويل وربط الأبحاث باحتياجات الصناعة لتحقيق أثر اقتصادي مباشر.
وبناءً على ذلك، فإن استمرار ضعف تحويل الأبحاث إلى تطبيقات عملية يجعل كثيرًا من الابتكارات حبيسة المؤسسات الأكاديمية دون أن تصل إلى مرحلة الإنتاج أو المنافسة التجارية.
ومن ناحية أخرى، يرى الدكتور محمود صقر، الرئيس السابق لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، أن دعم الابتكار يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التمويل والحاضنات التكنولوجية وربط الباحثين بالقطاع الصناعي.
لذلك، فإن غياب البيئة الداعمة للمخترعين الشباب قد يدفع بعض أصحاب الأفكار إلى البحث عن فرص خارجية بدلًا من تطوير مشاريعهم داخل السوق المحلية.
كما أن ارتفاع تكلفة البحث والتطوير يمثل تحديًا إضافيًا، خاصة مع تأثيرات التضخم التي رفعت أعباء التجارب العلمية وشراء المعدات اللازمة لتنفيذ المشروعات الابتكارية.
فجوة بين الابتكار والسوق
علاوة على ذلك، أظهرت المؤشرات اختلافًا واضحًا بين تراجع براءات الاختراع واستمرار تسجيل العلامات التجارية، ما يعكس توجهًا أكبر نحو الأنشطة التجارية السريعة بدل الاستثمارات التقنية طويلة الأجل.
ومن ثم، يعتقد خبراء أن كثيرًا من الشركات تفضل حماية منتجات قائمة بالفعل عبر العلامات التجارية بدل الدخول في مسارات تطوير تكنولوجي تحتاج وقتًا وتمويلًا ومخاطرة أكبر.
كما أوضح الدكتور حسام عثمان، مستشار الابتكار والتكنولوجيا، أن ربط البحث العلمي باحتياجات السوق يعد عنصرًا أساسيًا لتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وبالتالي، فإن ضعف العلاقة بين الجامعات والصناعة يظل أحد الأسباب التي تعيق انتقال الأفكار من المختبرات إلى خطوط الإنتاج والمشروعات الناشئة.
غير أن التركيز على القطاعات الطبية والغذائية والاحتياجات الإنسانية، التي تصدرت البراءات الممنوحة بـ42 براءة، يكشف وجود قدرات بحثية يمكن البناء عليها إذا توفرت الظروف المناسبة.
لذلك، تحتاج منظومة الابتكار إلى إجراءات أسرع وأكثر مرونة لتقليل الفجوة بين المخترعين المحليين والطلبات الأجنبية التي تهيمن على المشهد.
مستقبل الملكية الفكرية
كما أن تحسين أوضاع براءات الاختراع يتطلب مراجعة إجراءات الفحص الفني وتسريع مراحل التسجيل، بما يمنح الباحثين والمستثمرين ثقة أكبر في حماية أفكارهم.
وبناءً على ذلك، فإن تقديم حوافز مالية وإعفاءات للمخترعين المحليين قد يكون خطوة ضرورية لتشجيع المزيد من الأفراد والشركات على الاستثمار في البحث والتطوير.
علاوة على ذلك، فإن استمرار التراجع في البراءات الممنوحة يهدد بتحويل الابتكار إلى نشاط محدود داخل المؤسسات الكبرى بدل أن يصبح جزءًا من الاقتصاد الإنتاجي.
ومن ثم، فإن الأرقام الجديدة لا تمثل مجرد انخفاض إحصائي، بل تعكس أزمة أوسع في قدرة المنظومة الحالية على رعاية الأفكار وتحويلها إلى مشروعات مؤثرة.
كما أن مواجهة هذا التحدي تحتاج إلى رؤية طويلة الأجل تجمع بين التعليم والبحث والصناعة، بدل الاكتفاء بإجراءات منفصلة لا تعالج جذور المشكلة.
لذلك، يبقى مستقبل الابتكار في مصر مرتبطًا بمدى القدرة على تقليص الفجوة الحالية، وتحويل المخترعين المحليين من أصحاب أفكار إلى شركاء حقيقيين في التنمية الاقتصادية.

