كشفت مستندات رسمية قدمها محامون إلى محكمة القضاء الإداري بالمنصورة تسجيل 33,246 حالة عقر داخل المدينة خلال 2025 ومنذ بداية 2026، ما دفع المحكمة لإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد رأي قانوني بشأن التدخل العاجل.
وفي المقابل، تكشف الأرقام أن مواطنين يدفعون ثمن بطء أجهزة يفترض أنها تملك سلطات التنفيذ والوقاية، بينما تتحول الشوارع إلى مساحة خوف يومي، وتتحمل الأسر والمستشفيات كلفة أزمة تُركت لتتضخم حتى وصلت أبواب القضاء.
وبحسب أوراق الدعوى، سجل مركز العقر بمستشفى حميات المنصورة 20,666 إصابة خلال 2025، ثم أضاف 12,580 حالة منذ بداية 2026، وهي أرقام محلية وحدها تكشف حجم الضغط المتراكم على خدمات الطوارئ والأمصال والمتابعة الطبية.
ومن جهة أخرى، أقام الدعوى المحامون وائل عبد الملاك لبيب غالي وأحمد سيد أحمد عبد الحميد ومحمد محمود عطية، مختصمين مسؤولين في التنمية المحلية والدقهلية والبيئة والزراعة والخدمات البيطرية، ومطالبين بخطة تنفيذية تتجاوز البيانات والتصريحات.
كذلك، طالب مقيمو الدعوى بجمع الكلاب الضالة ونقلها إلى أماكن مناسبة خارج الكتلة السكنية، مع توفير الرعاية البيطرية والحد من التكاثر، مؤكدين أن حماية السكان لا تستلزم القسوة على الحيوان ولا تبرر ترك الخطر قائمًا.
وعلى صعيد أوسع، أعلنت وزارة الصحة أن مصر سجلت 1.4 مليون حالة عقر خلال 2025، مع تكلفة علاجية قاربت 1.7 مليار جنيه، ما يحول الظاهرة من ملف محلي إلى أزمة صحة عامة تستنزف المال والكوادر.
لهذا، لا تبدو المنصورة حالة منفصلة عن المشهد الوطني، بل نموذجًا مكثفًا لخلل ممتد يجمع بين تراكم القمامة وضعف التعقيم والتحصين وغياب الحصر الدقيق، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف بين خطر الإصابة وكلفة العلاج.
السعار يوسع دائرة الخطر
وفي هذا السياق، قال حسام عبد الغفار المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان إن الكلاب تقف وراء نحو 90% من حالات السعار المسجلة، وهو تقدير يرفع مستوى الخطر من مجرد إصابات مؤلمة إلى احتمال مرض قاتل.
وبالتالي، فإن التعامل مع العقر بعد وقوعه وحده لا يكفي، لأن كل إصابة تستدعي غسل الجرح والتقييم الطبي والحصول على اللقاحات أو الأمصال بحسب الحالة، بما يضاعف الضغط على المنشآت الصحية كلما اتسعت دائرة الكلاب غير المحصنة.
كما أن تقديرات أعداد الكلاب الضالة نفسها تكشف فجوة أخرى، إذ تتراوح التقديرات المتداولة بين 15 و40 مليون كلب، وهو تفاوت ضخم يعكس غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة يمكن أن تبنى عليها سياسات قابلة للقياس والمحاسبة.
ومن ثم، يصبح ترك الملف موزعًا بين جهات متعددة دون قيادة تنفيذية واضحة وصفة لاستمرار الأزمة، لأن مسؤوليات النظافة والطب البيطري والصحة والمحليات تتقاطع عمليًا، بينما تضيع النتيجة حين لا توجد جهة تحاسب على الحصيلة النهائية.
علاوة على ذلك، فإن وصول الأزمة إلى القضاء بعد عشرات الآلاف من الإصابات يطرح سؤالًا حول توقيت التدخل الإداري، إذ يفترض أن تتحرك الجهات المختصة استباقيًا بالتحصين والتعقيم وإدارة المخلفات قبل تحول الشارع إلى مصدر خطر.
الوقاية قبل المطاردة
في السياق نفسه، أوضح حازم رمضان أستاذ الأمراض المشتركة بكلية الطب البيطري في جامعة المنصورة أن مكافحة السعار تتطلب نهج الصحة الواحدة، الذي يربط صحة الإنسان والحيوان والبيئة بدل معالجة كل جانب منفصلًا عن الآخر.
وبناءً على ذلك، فإن رؤية رمضان تعني عمليًا أن مكافحة الكلاب الضالة لا تبدأ من المطاردة في الشوارع، بل من منظومة تشمل التطعيم والتعقيم وإدارة القمامة والرصد الوبائي والتوعية، مع استمرار قدرة المستشفيات على الاستجابة السريعة للمصابين.
وفوق ذلك، يستند نهج الصحة الواحدة إلى أن السعار مرض يمكن منع وفياته البشرية إذا جرى التحكم في مصدر العدوى الحيواني، ولذلك تصبح حملات تحصين الكلاب جزءًا من حماية المواطنين وليست مجرد خدمة بيطرية محدودة.
وعليه، فإن تحويل الأزمة إلى مواجهة بين حق الإنسان وحق الحيوان يختزل المشكلة بصورة مضللة، لأن السياسات العلمية تستطيع تقليل الخطر على المواطنين وفي الوقت نفسه تجنب القتل الجماعي، إذا توافرت ميزانية وخطة واستمرارية.
إلى جانب ذلك، تتطلب السيطرة الفعلية استمرار حملات التعقيم على مدى زمني طويل، لأن التدخلات الموسمية أو المحدودة لا تمنع عودة الأعداد إلى الارتفاع، خصوصًا عندما تستمر مصادر الغذاء المفتوحة وتراكم المخلفات في الأحياء والأسواق.
ومع ذلك، فإن أي خطة بلا مؤشرات معلنة ستبقى عرضة للتحول إلى حملة دعائية، إذ يحتاج السكان إلى معرفة أعداد الكلاب التي جرى حصرها وتحصينها وتعقيمها، ومناطق التنفيذ، ومعدلات العقر قبل التدخل وبعده.
القانون أمام اختبار التنفيذ
ومن الناحية القانونية، شرح أحمد لطفي السيد أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق في جامعة المنصورة أن التشريعات المنظمة حددت التزامات التعامل مع الكلاب والسلطات المختصة وأدوار الطب البيطري والضبط الإداري في مواجهة الخطر.
لذلك، لا تبدو المشكلة في غياب النصوص وحدها، بل في الفجوة بين وجود قواعد قانونية وبين إنفاذها في الشارع، وهي فجوة تكشفها أرقام العقر حين ترتفع رغم تعدد الجهات التي تملك اختصاصات مباشرة في الملف.
ومع هذا، فإن تحميل المواطنين عبء التعايش مع الخطر ثم مطالبتهم بالذهاب إلى المستشفيات بعد الإصابة يمثل إدارة للنتائج لا للأسباب، بينما الأصل أن تكون الوقاية مسؤولية عامة تبدأ قبل العقر ولا تنتهي عند صرف المصل.
وبموازاة ذلك، تضع الدعوى المسؤولية أمام مستويات تنفيذية متعددة، بما فيها محافظ الدقهلية ووزارات معنية وهيئات بيطرية، وهو ما يختبر قدرة الدولة على تحويل التنسيق المؤسسي من مراسلات واجتماعات إلى نتائج ملموسة في الشوارع.
أما إنسانيًا، فإن الخوف من العقر يطال الأطفال وكبار السن والعاملين ليلًا وسكان المناطق التي تتراكم فيها المخلفات، بينما تؤدي الإصابة إلى رحلة علاج وقلق مستمر من السعار، حتى مع توفر التطعيم في الوقت المناسب.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن الحيوانات نفسها تدفع ثمن الفوضى، إذ تعيش في بيئة بلا تحصين منتظم أو غذاء منظم أو رعاية، ثم تتحول عند تفاقم الأزمة إلى هدف للغضب أو القتل العشوائي.
وأمام ذلك، تبدو مطالب إنشاء ملاجئ مناسبة وتوسيع التعقيم والتحصين وإدارة المخلفات أكثر قابلية للاستدامة من الحلول العنيفة، شرط ألا تتحول الملاجئ إلى أماكن تكدس جديدة، وأن تخضع لرقابة بيطرية وتمويل وتشغيل واضحين.
وفي المحصلة، أخرجت أرقام المنصورة القضية من مساحة الشكاوى الفردية إلى مستوى الدليل الرسمي، إذ أصبح أمام الجهات المختصة رقم موثق يمكن القياس عليه، وأمام القضاء ملف يختبر جدية الإدارة في حماية السلامة العامة.
وأخيرًا، فإن 33,246 حالة عقر في مدينة واحدة ليست رقمًا يمكن احتواؤه ببيان طمأنة، بل مؤشر على تقصير ممتد يحتاج مساءلة وخطة معلنة بجدول زمني، لأن كلفة الانتظار تُدفع من أجساد المواطنين وميزانية الصحة.

