بعد مرور 13 عامًا على فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة، لا تزال مشاهد ذلك اليوم من أكثر الصور حضورًا في الذاكرة المصرية، بعدما وثّقت عدسات المصورين والهواتف المحمولة لحظات دامية رافقت عملية فض الاعتصام في 14 أغسطس 2013، وما خلّفته من شهداء ومصابين وحالة واسعة من الصدمة والجدل السياسي والحقوقي.
لم يكن يوم الفض مجرد حدث أمني عابر، بل تحول إلى واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ مصر الحديث، فيما بقيت تسجيلات الفيديو والصور التي التقطها شهود ومصورون داخل ساحة الاعتصام وحولها شاهدًا بصريًا على الساعات العصيبة التي عاشها المعتصمون وسكان المنطقة والعاملون في وسائل الإعلام.
ومع حلول الذكرى الثالثة عشرة، تعود إلى الواجهة مجموعة من المقاطع التي ارتبطت بأحداث رابعة، بعدما أصبحت على مدار السنوات الماضية جزءًا من أرشيف بصري واسع يوثق تفاصيل ما جرى منذ بدء عملية الفض وحتى الساعات الأخيرة للاعتصام.
منصة رابعة.. دخان كثيف ورصاص واستغاثات
كانت منصة اعتصام رابعة العدوية المركز الرئيسي للتجمع، وشهدت على مدار أسابيع خطابات سياسية ومواقف لمؤيدي الرئيس الراحل محمد مرسي والمعارضين لما وصفوه بالانقلاب العسكري الذي أطاح به في يوليو 2013.
ومع بدء عملية الفض صباح 14 أغسطس، تحولت المنطقة المحيطة بالمنصة إلى ساحة اشتباكات وفوضى، فيما أظهرت مقاطع مصورة تصاعد أعمدة الدخان وسماع أصوات إطلاق النار بالتزامن مع محاولات المعتصمين الاحتماء داخل الخيام والمباني المحيطة.
وبقيت المنصة، التي كانت رمزًا للاعتصام، في قلب المشاهد المصورة حتى اللحظات الأخيرة، قبل أن تتوقف عن بث الخطب والهتافات التي رافقت الاعتصام طوال أسابيع.
وتظهر بعض التسجيلات أصوات استغاثات وسط حالة من الذعر، بينما كانت أعداد من المصابين تنقل من مكان إلى آخر بحثًا عن المساعدة الطبية.
أسماء البلتاجي.. صورة تحولت إلى رمز
من أكثر المشاهد التي التصقت بذاكرة أحداث رابعة قصة أسماء محمد البلتاجي، ابنة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد البلتاجي، والتي استشهدت خلال عملية الفض.
وأصبحت صورها ومقاطع اللحظات الأخيرة من حياتها من أكثر المواد تداولًا في السنوات التي تلت الأحداث، خصوصًا المشاهد التي ظهرت فيها مصابة داخل ساحة الاعتصام.
وتحولت أسماء، التي كانت في السابعة عشرة من عمرها، إلى رمز، بينما بقيت قصتها حاضرة في النقاشات المتعلقة بضحايا عملية فض الاعتصام.
ومن أكثر الصور تأثيرًا صورة والدها وهو ينظر إليها بعد وفاتها، والتي تحولت إلى واحدة من أشهر الصور المرتبطة بأحداث رابعة، لما حملته من مشاعر الحزن والانكسار.
أطفال في قلب المشهد
لم تقتصر مشاهد الفض على الرجال والنساء، إذ أظهرت تسجيلات مصورة وجود أطفال داخل محيط الاعتصام، وظهرت في بعضها مشاهد لأطفال يبحثون عن ذويهم وسط الفوضى وأصوات إطلاق النار.
ومن بين المقاطع التي ظلت متداولة تسجيل يظهر فيه طفل وهو ينادي والدته ويطلب منها ألا تتركه، بعدما وجدها ملقاة أمامه دون استجابة.
وفي مشهد آخر، ظهر طفل يرفع الأذان وسط أصوات الرصاص والاضطراب، في صورة أصبحت من أكثر المشاهد تداولًا عند الحديث عن الجانب الإنساني لأحداث ذلك اليوم.
وتعكس هذه التسجيلات جانبًا من الفوضى التي رافقت عملية الفض، عندما وجد عدد من الأطفال أنفسهم وسط أحداث تفوق قدرتهم على الاستيعاب، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد مواجهات واسعة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
مصور أجنبي بين الضحايا
لم تقتصر الخسائر البشرية على المعتصمين، إذ سقط عدد من العاملين في وسائل الإعلام خلال تغطية الأحداث.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بتغطية رابعة المصور البريطاني مايكل دين، الذي كان يعمل مع قناة سكاي نيوز، وقُتل أثناء تغطية عملية الفض.
وأعاد مقتل الصحفي الأجنبي طرح الأسئلة حول المخاطر التي واجهها الصحفيون والمصورون خلال تغطية أحداث رابعة، في ظل إطلاق النار والفوضى التي شهدتها المنطقة.
وأصبحت صوره وتسجيلاته جزءًا من المواد التي استخدمت لاحقًا في توثيق الأحداث من منظور العاملين في وسائل الإعلام الموجودين في موقع الاعتصام.
القرآن في مواجهة الألم
من المشاهد التي تداولها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات التالية مقاطع لمصابين داخل الاعتصام وهم يحاولون التعامل مع إصاباتهم وآلامهم في ظل نقص الإمكانات الطبية.
وتظهر إحدى اللقطات شابًا مصابًا في قدمه وجسده وهو يتلو القرآن، في محاولة للتماسك أمام الألم والخوف.
وتحول المشهد إلى صورة رمزية باعتباره يعكس الحالة النفسية التي عاشها عدد من المصابين خلال الساعات التي شهدت سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
الجرافات ومشهد الجثامين
ومن أكثر المشاهد إثارة للصدمة تلك التي ظهرت فيها جرافات أثناء إزالة الخيام والمنشآت الموجودة في محيط الاعتصام.
وأثارت المقاطع التي ظهرت فيها الجرافات وهي تتحرك وسط المنطقة التي شهدت سقوط شهداء ومصابين جدلًا واسعًا، خصوصًا بشأن طريقة التعامل مع الضحايا والجثامين أثناء عملية الإخلاء.
وظلت هذه الصور لسنوات حاضرة في النقاش السياسي والحقوقي حول أحداث رابعة، حيث استخدمها منتقدو عملية الفض باعتبارها دليلًا على قسوة التعامل مع المعتصمين، بينما ظلت الروايات الرسمية والأمنية للأحداث تقدم تفسيرًا كاذباً لطبيعة العملية وما رافقها من وقائع.
جدل الممرات الآمنة
ومن الملفات التي أثارت جدلًا واسعًا أيضًا قضية الممرات الآمنة التي قيل إنها كانت متاحة للمعتصمين الراغبين في مغادرة المنطقة.
وبينما قالت سلطات الانقلاب العسكري في حينها إنها دعت المعتصمين إلى مغادرة الاعتصام وأتاحت لهم ممرات للخروج، تحدث شهود ومعتصمون عن مخاوف من مغادرة أماكنهم، كما ظهرت تسجيلات مصورة أثارت تساؤلات بشأن الطريقة التي جرى بها التعامل مع بعض الخارجين من منطقة الاعتصام كالاعتقال والضرب والقتل.
مسجد الإيمان.. مشاهد ما بعد الفض
بعد انتهاء العملية، انتقلت مشاهد التوثيق من ساحة الاعتصام إلى الأماكن التي جرى فيها تجميع جثامين الضحايا.
وكان مسجد الإيمان في مدينة نصر من أبرز المواقع التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة، بعدما استقبل عددًا كبيرًا من الجثامين، في ظل ارتفاع أعداد القتلى وصعوبة استيعاب المستشفيات والمشارح القريبة للأعداد الواردة إليها.
وأظهرت تسجيلات وصور من داخل المسجد جثامين متراصة في المكان، وسط حالة من الفوضى والحزن، بينما كان الأهالي يبحثون عن ذويهم بين الضحايا.
وكانت عملية التعرف على الجثامين واحدة من أكثر المراحل قسوة على الأسر، خاصة مع ورود أعداد كبيرة من الضحايا خلال فترة زمنية قصيرة.

