بعد 13 عامًا على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، لم تعد القضية مجرد خلاف حول تقدير عدد القتلى أو توصيف ما جرى في ساعات الفض، بل سجلًا مفتوحًا لواقعة أعادت تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع، ورسخت معادلة تسمح باستخدام القوة الواسعة ثم تمنع الوصول إلى مساءلة مستقلة للمسؤولين عنها.
تكشف مراجعة الأرقام عن فجوة لم تغلقها الدولة حتى اليوم. فالأوراق الرسمية أقرت بمقتل 618 مدنيًا على الأقل في رابعة، إلى جانب أربعة ضباط وخمسة مجندين، مع اعتراف بأن الحصر لم يشمل جثامين تسلمتها أسرها مباشرة. ووثقت هيومن رايتس ووتش 817 قتيلًا على الأقل، ورجحت تجاوز العدد ألف شخص.
أما المبادرة المصرية للحقوق الشخصية فقد وضعت عدد قتلى رابعة بين 499 وفق مصلحة الطب الشرعي و932 وفق حصر حقوقي مستقل، وأضافت 87 قتيلًا في النهضة. لا تعكس هذه الفوارق خلافًا حسابيًا بسيطًا، بل تكشف غياب قاعدة بيانات رسمية علنية تضم أسماء الضحايا وظروف الوفاة ونتائج تشريح الجثامين ومسؤولية الوحدات المشاركة.
يتتبع هذا التقرير ما جرى بعد توقف إطلاق النار، بالاستناد إلى التقارير الحقوقية والأوراق الرسمية والتشريعات اللاحقة ومؤشرات حرية الصحافة. وتظهر الخيوط المتقاطعة أن أثر رابعة تجاوز يوم الفض، ليصبح نموذجًا لإدارة المعارضة عبر القوة والمحاكمات الجماعية والرقابة، بينما ظلت الأسئلة الأساسية عن التخطيط والأوامر وقواعد الاشتباك بلا إجابات قضائية مستقلة.
جريمة بلا تحقيق مستقل
قالت الحكومة إن الفض جرى بعد تحذيرات وإن ممرات آمنة أُتيحت للخروج، لكن شهودًا ومنظمات حقوقية وثقوا إطلاقًا كثيفًا للذخيرة الحية وإغلاقًا أو تعريضًا للخطر لطرق الانسحاب في مراحل من العملية. واستمرت المواجهات نحو 11 ساعة في رابعة، بينما تحولت المستشفيات الميدانية والمسجد والمنشآت المحيطة إلى نقاط لاستقبال أعداد متزايدة من الجرحى والجثامين.
وثق تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر بعنوان حسب الخطة إطلاق النار على حشود كبيرة، وإصابات قاتلة في الرأس والعنق والصدر، واستخدام قناصة وآليات مدرعة. وخلص التقرير إلى أن حجم القتل وطبيعته والتخطيط المسبق للعملية قد يجعلها جريمة ضد الإنسانية، ودعا إلى تحقيق دولي في ظل غياب مسار وطني يتمتع بالاستقلال.
في المقابل، ركزت الرواية الرسمية على وجود أسلحة داخل الاعتصام وعلى خسائر الشرطة، من دون تقديم كشف علني كامل يحدد مواقع الأسلحة وعدد مستخدميها وتسلسل إطلاق النار. وحتى تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الدولة لم يتحول إلى أساس لمحاكمات جادة تطال واضعي الخطة أو قادة الوحدات أو المسؤولين الذين أجازوا مستوى القوة المستخدم.
وبعد عام من الواقعة، لم يكن أي مسؤول حكومي أو أمني قد حوسب على قتل المتظاهرين. واستمر هذا الغياب خلال السنوات التالية، رغم إتاحة أسماء مسؤولين اعتبرتهم منظمات حقوقية ضمن سلسلة القيادة. وهكذا انتقل الملف من سؤال من أصدر الأمر ومن نفذه إلى سياسة إنكار زمني تراهن على تقادم الذاكرة وتشتت عائلات الضحايا.
محاكمة الضحايا وحماية القادة
بدلًا من توجيه التحقيق نحو المسؤولين عن مقتل المئات، تحولت الدولة إلى محاكمة المشاركين والناجين في قضايا جماعية. وفي القضية المعروفة إعلاميًا بفض اعتصام رابعة، حوكم مئات المتهمين في إجراءات انتقدتها منظمات حقوقية بسبب ضعف ضمانات المحاكمة الفردية، وصدرت أحكام قاسية وصلت إلى الإعدام والمؤبد بحق عدد من المتهمين.
هذا الانقلاب في اتجاه العدالة صنع رواية قانونية يصبح فيها الاعتصام كله كتلة اتهام، بينما تتوارى مسؤولية القوات خلف عبارات تنفيذ القانون ومواجهة الإرهاب. لا تنفي الانتهاكات التي ارتكبها بعض الأفراد ضرورة التحقيق معهم، لكنها لا تمنح الدولة حق استخدام قوة عشوائية أو إعفاء القادة من مسؤولية حماية المدنيين والتمييز بين المسلح وغير المسلح.
في يوليو 2018، صدر القانون رقم 161 بشأن معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، مانحًا من يحددهم رئيس الجمهورية امتيازات استثنائية، بينها عدم جواز التحقيق أو اتخاذ إجراء قضائي عن أفعال ارتكبت خلال فترة تعطيل الدستور وحتى بدء عمل مجلس النواب، إلا بإذن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فضلًا عن حصانات دبلوماسية أثناء السفر.
رأى حقوقيون في القانون جدار حماية محتملًا ضد التحقيق في أحداث السنوات التي أعقبت عزل محمد مرسي، ومنها رابعة. كما جاءت تعديلات أخرى توسع قدرة المحكمة الدستورية على مواجهة بعض الأحكام الأجنبية، في سياق يكشف انشغال الدولة بتحصين نفسها من المساءلة الخارجية بدل فتح تحقيق داخلي يمنح الضحايا حق المعرفة والإنصاف.
دولة تشكلها ذاكرة الدم
أرسلت رابعة رسالة تتجاوز الإسلاميين مفادها أن الاحتجاج خارج الحدود المرسومة قد يواجه بأقصى درجات القوة. وفي الأعوام التالية امتدت القيود إلى أحزاب ونشطاء وصحفيين ومدافعين عن الحقوق، بينهم أشخاص دعموا احتجاجات 30 يونيو، ثم وجدوا أنفسهم أمام اتهامات فضفاضة وحبس احتياطي ومنع للفعاليات وتضييق على التنظيم العام.
تزامن ذلك مع إعادة هندسة المجال الإعلامي عبر حجب مواقع واحتجاز صحفيين وتوسيع ملكية جهات مرتبطة بالدولة لوسائل الإعلام. وفي مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 جاءت مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة، وهو ترتيب يعكس بيئة تختلط فيها الرقابة بالقوانين المقيدة والخوف من الملاحقة بسبب النشر.
كذلك لا يمكن علميًا تحميل مجزرة واحدة مسؤولية تراجع الاقتصاد أو ارتفاع الجريمة، كما تفعل بعض الخطابات. لكن يمكن رصد علاقة أوسع بين غياب سيادة القانون وضعف الثقة وهروب الكفاءات وتردد الاستثمار طويل الأجل. فالاقتصاد لا ينفصل عن قضاء مستقل وشفافية وقدرة الأفراد والشركات على حماية الحقوق ومحاسبة السلطة.
بعد 13 عامًا، لا تزال القضية محكومة بمفارقة صارخة، آلاف الصفحات من الشهادات والتقارير والصور تقابلها محاسبة شبه منعدمة لمن خططوا ونفذوا. لم تختف رابعة من الذاكرة لأنها لم تدخل قاعة عدالة مستقلة، ولم يحصل الضحايا على اعتراف رسمي كامل يحدد أسماءهم ويكشف حقيقة ما وقع.
يبدأ المسار الجاد بحفظ الأدلة ونشر تقرير تقصي الحقائق كاملًا، وإعلان قوائم الضحايا، وفتح تحقيق مستقل في قرارات التخطيط وإطلاق النار، وضمان مشاركة الأسر وحماية الشهود. فالعدالة لا تعني تجاهل أي عنف صدر من أفراد داخل الاعتصام، لكنها ترفض تحويله إلى ترخيص مفتوح لقتل جماعي بلا حساب.
تظل رابعة اختبارًا لمعنى الدولة بعد 2013، هل تحمي مؤسساتها مهما ارتكبت، أم تعترف بأن حياة المواطنين تسبق بقاء السلطة. وحتى يُفتح تحقيق حقيقي، ستبقى الذكرى دليلًا على أن الدم الذي لا يجد قاضيًا لا يجف، وأن الإفلات من العقاب لا يدفن الجريمة بل يمدد آثارها إلى أجيال جديدة.

