تتصاعد في مصر التكهنات بشأن إجراء تغيير وزاري جديد قد يشمل حكومة مصطفى مدبولي، بالتزامن مع حملة إعلامية تحمل رئيس الوزراء وعددًا من وزرائه مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية. لكن أصواتًا حقوقية وسياسية ترى أن تبديل أسماء الوزراء لن يعالج الأزمة، ما دامت الحكومة لا تمتلك سلطة فعلية على السياسات العامة، ولا يمارس رئيسها وأعضاؤها الصلاحيات التي منحها لهم الدستور.
وبينما وصف الحقوقي بهي الدين حسن الحديث عن وزارة جديدة بأنه إلهاء للمصريين وإهدار لوقت ثمين في ظل انهيار البلاد واستنزاف مواردها، رأى الكاتب عمار علي حسن أن المشكلة تبدأ من غياب «الوزارة الحقيقية» وتحويل الوزراء إلى كبار موظفين.
وفي اتجاه أكثر إثارة للجدل، زعم حساب «جوستيك» أن الحملة على مدبولي لا تستهدفه شخصيًا، وإنما تستخدم التغيير الوزاري غطاءً لإبعاد وزير الدفاع بسبب خلاف مزعوم مع عبد الفتاح السيسي بشأن اتهام إيران بالمسؤولية عن هجوم ميناء دمياط.
تغيير الحكومة إلهاء والمصريون قد لا يصبرون حتى 2030
اعتبر الحقوقي والكاتب بهي الدين حسن أن إلهاء المصريين بالحديث عن تشكيل وزارة جديدة يمثل عبثًا وإهدارًا لوقت بالغ الأهمية، في وقت يرى فيه أن البلاد تنهار فعليًا، وأن المنافذ التي اعتمد عليها الحكم للحصول على القروض والمساعدات الخارجية بدأت تجف واحدًا بعد آخر.
وقال حسن إن هذا التراجع في فرص الاستدانة يأتي بينما لا يتوقف، بحسب وصفه، نهب مصر وإهدار مواردها، مشيرًا إلى أن هذه الموارد أصبحت شحيحة أصلًا نتيجة فساد الحكم وسوء الإدارة. وبذلك، لا يرى حسن أن الأزمة يمكن اختزالها في أداء وزير أو رئيس حكومة، وإنما يربطها بطريقة إدارة الدولة واستنزاف إمكاناتها طوال السنوات الماضية.
وحذر من أن مصر والمصريين قد لا يستطيعون الصبر حتى نهاية الفترة الرئاسية الحالية في عام 2030، في ظل استمرار السياسات نفسها وعدم وجود مؤشرات على قدرة السلطة القائمة على وقف التدهور الاقتصادي أو تحسين حياة المواطنين. وتكشف هذه العبارة عن تقديره بأن الوقت المتاح أمام البلاد يضيق، وأن انتظار نهاية الولاية الرئاسية قد لا يكون ممكنًا سياسيًا أو اجتماعيًا إذا استمرت الأوضاع على مسارها الحالي.
وطرح حسن ما وصفه بـ«المخرج الثالث الآمن»، باعتباره خيارًا يمكنه تجنيب مصر آلام انتقال فوضوي، وفي الوقت نفسه وقف استمرار نهب البلاد ونزيف مواردها. ويتمثل هذا المخرج في أن يقبل رئيس الجمهورية تفويض سلطاته إلى شخص واحد أو شخصين، من خلال تعيين نائب لرئيس الجمهورية و/أو رئيس لمجلس الوزراء، على أن يتمتعا بخبرة رفيعة المستوى في توجيه الاقتصاد ومحاربة الفساد.
وأقر حسن بأن هذا الاقتراح قد يبدو خياليًا، لكنه أكد أن الوضع المأساوي الذي تعيشه مصر خلال 12 عامًا متواصلة، إلى جانب ما وصفه بإفلاس القائمين على إدارتها وعجزهم عن تدبير حياة ومستقبل أكثر من 100 مليون مصري، لم يعد يتيح عددًا كبيرًا من المخارج الآمنة، خصوصًا مع استمرار الحكام الحاليين في السلطة.
وأضاف أنه إذا كان رئيس الجمهورية الحالي لا يمتلك الشجاعة للاستقالة من أجل مصر والمصريين، فقد يقبل على الأقل تفويض صلاحياته انتقاليًا إلى شخصية مدنية واحدة أو شخصيتين تتمتعان بالكفاءة اللازمة لإدارة الشأنين الاقتصادي والمالي، والعمل على تجفيف منابع ما وصفه بـ«شلال الفساد في الحكم».
وبهذا الطرح، يرفض حسن تقديم تشكيل حكومة جديدة باعتباره حلًا مستقلًا، ويرى أن المطلوب هو نقل جزء حقيقي من السلطة التنفيذية إلى شخصيات مدنية متخصصة تستطيع التدخل في إدارة الاقتصاد والمال العام ومواجهة الفساد، بدلًا من الاكتفاء بتغيير وزراء يعملون داخل الإطار السياسي نفسه.
إلهاء المصريين بتشكيل وزارة جديدة هو عبث واهدار وقت ثمين بينما البلد تنهار فعليا، ومنافذ التسول والاستدانة تجف واحدة بعد أخري، في الوقت الذي لا يتوقف فيه نهب مصر واهدار مواردها التي صارت شحيحة بسبب فساد الحكم. قد لا تستطيع مصر والمصريين الصبر حتي نهاية فترة الرئيس الحالي عام… pic.twitter.com/13R5D2Zobt
— Bahey eldin Hassan (@BaheyHassan) August 8, 2026
مدبولي ليس المستهدف والحملة تمهد لتغيير وزير الدفاع
قدم حساب «جوستيك» قراءة مختلفة للحديث المتزايد عن سوء أداء حكومة مصطفى مدبولي وضرورة إجراء تغيير وزاري، زاعمًا أن الحملة التي تروج لها اللجان الإلكترونية التابعة للسيسي ومؤيدوه لا تستهدف رئيس الوزراء نفسه، رغم وضع اسمه في مقدمة الانتقادات المتداولة.
وبحسب الرواية التي نشرها الحساب، فإن الهدف الحقيقي من تصعيد الحديث عن فشل الحكومة وتشكيل وزارة جديدة هو تغيير وزير الدفاع تحديدًا. وزعم أن هناك خلافًا بين الوزير وعبد الفتاح السيسي، وأن سببه رفض وزير الدفاع تمرير اتهام إيران بالمسؤولية عن الهجوم الذي تعرض له ميناء دمياط.
ووفق هذه الرواية، يصبح الهجوم الإعلامي على مدبولي وحكومته مجرد تمهيد لتعديل أوسع يسمح بإبعاد وزير الدفاع من منصبه من دون الإعلان صراحة عن وجود خلاف داخل السلطة بشأن التعامل مع حادث ميناء دمياط أو تحديد الجهة المسؤولة عنه.
ويعني ذلك أن مدبولي، رغم توجيه الانتقادات إليه، قد لا يكون سوى واجهة لحملة هدفها الحقيقي إعادة ترتيب موقع حساس داخل مؤسسات الدولة. كما يفترض الطرح أن تغيير وزير الدفاع يحتاج إلى غطاء سياسي وإعلامي أوسع، حتى لا يظهر القرار باعتباره نتيجة خلاف مباشر بشأن ملف أمني وعسكري بالغ الحساسية.
لكن ما أورده حساب «جوستيك» يظل رواية سياسية منسوبة إليه، ولم يقدم في التغريدة وثائق أو تصريحات رسمية تثبت وجود خلاف بين السيسي ووزير الدفاع، أو تؤكد أن الأخير رفض اتهام إيران، أو أن التغيير الوزاري المحتمل يستهدف إبعاده. ولذلك يجب التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها ادعاءات غير مؤكدة، لا حقائق محسومة.
ومع ذلك، تعكس هذه الرواية حالة الغموض التي تحيط بالحديث عن تشكيل وزارة جديدة، في ظل غياب إعلان رسمي واضح يحدد موعد التغيير وأسبابه والوزارات التي سيشملها. كما تكشف حجم الشكوك في أن تكون الحملة على مدبولي مرتبطة بصراع داخل دوائر الحكم، وليس بتقييم حقيقي لأداء الحكومة أو رغبة في معالجة الأزمات التي يتحمل المواطنون نتائجها.
الحديث الذي تروجه لجان السيسي واتباعه عن سوء أداء رئيس وزراء السيسي مدبولي وضرورة تشكيل وزارة جديدة ليس هدفه مدبولي لكن الهدف هو تغيير وزير الدفاع تحديدا لاختلافه مع السيسي ورفضه تمرير اتهام ايران بالمسؤولية عن هجوم ميناء دمياط،،#اتفاقية_مكة #الجيش_المصري https://t.co/xT6Gpi3EpD pic.twitter.com/NQ4qwoWJa5
— Egyptian Americans for Justice (@EgyAmerJustice) August 9, 2026
الوزراء تحولوا إلى «كبار موظفين» بلا صلاحيات حقيقية
قال الكاتب والمفكر السياسي عمار علي حسن إنه في ظل الحديث المتزايد عن تغيير وزاري، يجب أن تكون هناك أولًا وزارة حقيقية، وليس مجرد ظل إداري وسياسي باهت. وأكد أن تحقيق ذلك لن يكون بتغيير الأسماء فقط، وإنما بتمكين الوزراء ورئيس مجلس الوزراء من ممارسة الصلاحيات الكاملة التي أقرها لهم الدستور.
ويرى حسن أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بهوية الوزير الذي سيغادر أو اسم الشخص الذي سيحل محله، بل بحجم السلطة التي يستطيع الوزير ممارستها داخل وزارته. فالوزير الذي تُسحب منه صلاحياته ولا يملك المشاركة الفعلية في صناعة السياسات أو اتخاذ القرارات يتحول إلى واجهة إدارية، مهما كانت خبرته أو كفاءته.
وأشار إلى أن كثيرًا من المصريين لا يسمعون عن أسماء بعض الوزراء إلا عند رحيلهم من مناصبهم، وهو ما يعكس ضعف حضورهم وتأثيرهم في المجال العام. فالوزير الذي يفترض أن يدير قطاعًا كاملًا ويضع سياساته قد يبقى مجهولًا لدى المواطنين طوال فترة وجوده، ثم يظهر اسمه فقط في خبر التعديل الوزاري.
وأكد عمار علي حسن أن الجميع يدرك حجم الصلاحيات التي أُخذت من الوزير، ولذلك لم يعد الناس يعولون عليه بوصفه صانع سياسة أو صاحب قرار نافذ. وبدلًا من ذلك، أصبح الوزير في نظر المواطنين مجرد «موظف إداري كبير» أو «كبير موظفين»، ينشغل بالاستمرار في منصبه أكثر من انشغاله بصناعة سياسة مستقلة أو الدفاع عن قرارات واضحة.
وأضاف أن علاقة الوزراء بوسائل الإعلام أصبحت محسوبة وباهتة، فلا يظهرون بصورة منتظمة لشرح السياسات أو الإجابة عن أسئلة المواطنين أو تحمل المسؤولية السياسية عن نتائج قراراتهم. ولهذا لا يلتفت إليهم الرأي العام غالبًا إلا وقت الأزمات، عندما يقع خلل كبير أو تتفاقم مشكلة في القطاع الذي يتولى أحدهم إدارته.
ويكشف طرح عمار علي حسن أن أي تعديل وزاري سيظل بلا قيمة حقيقية إذا انتقلت القيود نفسها من الوزير الراحل إلى الوزير الجديد. فاستبدال الأشخاص مع استمرار سحب صلاحيات الحكومة لن يؤدي إلى صناعة وزارة فاعلة، بل سيعيد إنتاج مجموعة جديدة من كبار الموظفين الذين يتحملون المسؤولية أمام المواطنين من دون أن يمتلكوا القرار الكامل.
وبذلك يلتقي طرحه مع الانتقادات الرافضة لاستخدام التغيير الوزاري وسيلة لامتصاص الغضب الشعبي؛ إذ إن الحكومة الحقيقية لا تُقاس بعدد الوزراء الجدد، وإنما بقدرتها على وضع السياسات وتنفيذها، وبخضوعها للمحاسبة، وامتلاك أعضائها سلطة فعلية بدلًا من الاكتفاء بدور إداري وسياسي باهت.
في ظل حديث يتزايد عن تغيير وزاري، لابد من وجود وزارة حقيقية، وليس مجرد ظل إداري وسياسي باهت، وهذا لن يتحقق إلا بممارسة الوزراء ورئيسهم الصلاحيات كاملة التي أقرها الدستور.
— عمار علي حسن Ammar Ali Hassan (@ammaralihassan) August 8, 2026
لقد صار كثير من المصريين يسمعون عن أسماء بعض الوزراء وقت رحيلهم، فما أُخذ من صلاحيات الوزير أمر يدركه الكل،…

