في ظل التوسع المتسارع في استخدام الأطفال للهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل والإنترنت، تبرز الحاجة إلى وسائل تعليمية جديدة تساعدهم على التعامل مع العالم الرقمي بأمان، بعيدًا عن أساليب التوعية التقليدية التي قد تبدو معقدة أو غير جذابة بالنسبة إلى الفئات العمرية الصغيرة.

 

وفي هذا السياق، أطلق المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي «حملة» لعبة فيديو تعليمية تحمل اسم «المدافع الرقمي»، بهدف تعزيز الوعي بالأمن الرقمي لدى الأطفال، وتعليمهم مجموعة من المهارات الأساسية التي تساعدهم على حماية أنفسهم وبياناتهم أثناء استخدام الإنترنت.

 

وتقدم اللعبة تجربة تعليمية تعتمد على الدمج بين الترفيه والتعلم، إذ يخوض الأطفال مجموعة من المهام والتحديات المستوحاة من مواقف قد يواجهونها في حياتهم اليومية أثناء استخدام الأجهزة والمنصات الرقمية، بما يساعدهم على فهم المخاطر الإلكترونية والتعامل معها بصورة أكثر وعيًا.

 

 

لعبة تعليمية لتعزيز الأمان الرقمي

 

تستهدف «المدافع الرقمي» الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 عامًا، وتقوم فكرتها الأساسية على تحويل مفاهيم الأمن الرقمي إلى تجربة تفاعلية يمكن للطفل خوضها من خلال اللعب والاستكشاف واتخاذ القرارات.

 

وتأتي اللعبة باللغتين العربية والإنجليزية، وهي متاحة مجانًا عبر أجهزة «أندرويد» وأجهزة «آبل»، إلى جانب نسخة يمكن تشغيلها عبر الويب، ما يتيح للأطفال والأسر والمدارس الوصول إليها من خلال أكثر من وسيلة.

 

ولا تكتفي اللعبة بتقديم معلومات نظرية عن مخاطر الإنترنت، وإنما تحاول وضع الطفل داخل مواقف افتراضية تتطلب منه التفكير واختيار التصرف المناسب، بحيث يصبح التعلم جزءًا من تجربة اللعب نفسها.

 

 

خالد وبيكسل.. رفيقا الطفل في العالم الرقمي

 

وتدور رحلة اللاعب داخل «المدافع الرقمي» برفقة شخصيتين رئيسيتين هما خالد، الطالب الفضولي، وبيكسل، المساعد الرقمي الودود، اللذان يرافقان الأطفال خلال مراحل اللعبة المختلفة.

 

ومن خلال هذه الرحلة، يتعرف اللاعبون إلى عدد من القواعد والمهارات المرتبطة بالاستخدام الآمن للإنترنت، في إطار مبسط يناسب أعمارهم وقدرتهم على الاستيعاب.

 

وتتناول اللعبة موضوعات متعددة، من بينها حماية الخصوصية، وإنشاء كلمات مرور قوية يصعب اختراقها، والتعرف إلى الروابط المشبوهة، والتعامل الآمن مع الألعاب والمنصات الرقمية، إلى جانب كيفية اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً عند مواجهة مواقف غير مألوفة على الإنترنت.

 

وتسعى هذه الطريقة إلى جعل الطفل أكثر قدرة على التمييز بين السلوك الآمن والسلوك الذي قد يعرضه للخطر، بدلًا من الاعتماد فقط على تلقي التعليمات والنصائح بصورة مباشرة.

 

 

من كلمات المرور إلى الروابط المشبوهة

 

تكتسب المهارات التي تتناولها اللعبة أهمية خاصة في ظل اعتماد الأطفال المتزايد على الإنترنت في الدراسة والترفيه والتواصل واللعب.

 

فكلمة المرور، على سبيل المثال، لم تعد مجرد وسيلة للدخول إلى حساب إلكتروني، وإنما أصبحت إحدى الأدوات الأساسية لحماية المعلومات الشخصية والحسابات الرقمية.

 

ولهذا يتعلم الطفل، من خلال اللعبة، أهمية اختيار كلمات مرور قوية وعدم مشاركتها مع الآخرين، إلى جانب فهم بعض الممارسات التي يمكن أن تساعده على حماية حساباته.

 

كما تتناول «المدافع الرقمي» خطر الروابط المشبوهة، وهي من المواقف التي قد يواجهها الأطفال أثناء استخدام الألعاب أو التطبيقات أو تصفح المواقع المختلفة.

 

ومن خلال المهام والتحديات، يتدرب اللاعب على التفكير قبل الضغط على الروابط أو مشاركة البيانات، بما يعزز لديه القدرة على اكتشاف بعض المؤشرات التي قد تدل على وجود محاولة احتيال أو استدراج إلكتروني.

 

 

حماية الخصوصية في مقدمة المهارات

 

وتضع اللعبة حماية الخصوصية ضمن الموضوعات الأساسية التي يتعلمها الأطفال، في محاولة لتعريفهم بالحدود التي ينبغي أن يضعوها عند التعامل مع الآخرين عبر الإنترنت.

 

فمع اتساع حضور الأطفال في البيئة الرقمية، أصبح من الضروري أن يعرف الطفل المعلومات التي يمكن مشاركتها، وتلك التي ينبغي الاحتفاظ بها وعدم الكشف عنها للغرباء أو الحسابات غير الموثوقة.

 

وتساعد التجربة التفاعلية التي تقدمها اللعبة على تحويل هذه المفاهيم إلى مواقف عملية، بحيث يتعلم الطفل من خلال اتخاذ القرار والنتيجة التي تترتب عليه داخل اللعبة.

 

 

التعلم من خلال اللعب

 

تعتمد «المدافع الرقمي» على مفهوم التعلم من خلال اللعب، وهو أسلوب يهدف إلى تقديم المعرفة في صورة أكثر تفاعلية، خصوصًا لدى الأطفال الذين قد يجدون صعوبة في استيعاب المعلومات المجردة أو النصائح الطويلة.

 

وبدلًا من تقديم الأمن الرقمي باعتباره مجموعة من القواعد الصارمة، تحاول اللعبة تحويله إلى رحلة مليئة بالمهام والتحديات، يتقدم خلالها الطفل من مرحلة إلى أخرى، ويكتسب في كل مرحلة مهارة جديدة مرتبطة بالاستخدام الآمن للإنترنت.

 

ويتيح هذا الأسلوب للطفل أن يكون طرفًا فاعلًا في عملية التعلم، من خلال الاختيار والتجربة والتفكير في نتائج القرارات التي يتخذها.

 

 

التفكير النقدي في مواجهة المخاطر الإلكترونية

 

ولا تقتصر أهداف اللعبة على تعليم الأطفال مجموعة من الإجراءات التقنية، وإنما تمتد إلى تعزيز التفكير النقدي لديهم عند التعامل مع المحتوى والمعلومات والأشخاص على الإنترنت.

 

فالعالم الرقمي يضع الطفل أمام كم هائل من الرسائل والروابط والمحتويات والإعلانات والحسابات، وهو ما يجعل القدرة على التمييز والتفكير قبل التفاعل من المهارات الضرورية.

 

ومن هنا تسعى اللعبة إلى تدريب الأطفال على عدم التعامل مع كل ما يظهر أمامهم على الشاشة باعتباره آمنًا أو موثوقًا، وتشجيعهم على التوقف والتفكير قبل اتخاذ أي قرار قد يؤثر على خصوصيتهم أو أمنهم الرقمي.

 

 

مواجهة مخاطر متزايدة في الفضاء الرقمي

 

وتأتي المبادرة في وقت أصبح فيه الإنترنت جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال اليومية، سواء من خلال الدراسة أو الألعاب أو مشاهدة المحتوى أو التواصل مع الآخرين.

 

ومع هذا الحضور المتزايد، تتعدد المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال، بدءًا من انتهاك الخصوصية، مرورًا بالمحتوى الضار، ووصولًا إلى الاحتيال الإلكتروني والروابط الخبيثة ومحاولات استدراج المستخدمين إلى مشاركة بياناتهم.

 

ولا تتعلق مواجهة هذه المخاطر بالطفل وحده، وإنما تحتاج إلى مشاركة الأسرة والمدرسة والمؤسسات المعنية بالتوعية الرقمية، بحيث يحصل الطفل على المعرفة اللازمة لاستخدام الإنترنت بصورة أكثر أمانًا.

 

 

مبادرة تستهدف الأطفال والأهالي والمدارس

 

ويؤكد المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي «حملة» أن تزايد حضور الأطفال في الفضاء الرقمي يجعل تعزيز الثقافة الرقمية ومهارات الاستخدام الآمن للإنترنت ضرورة متزايدة، ليس للأطفال فقط، وإنما للأهالي والمدارس أيضًا.

 

وتأتي أهمية هذه المقاربة من أن حماية الطفل في البيئة الرقمية لا يمكن أن تعتمد على المنع أو إبعاد الأطفال عن التكنولوجيا بصورة كاملة، خصوصًا مع تحول الإنترنت إلى جزء أساسي من التعليم والترفيه والتواصل.

 

وبدلًا من ذلك، تركز المبادرة على بناء المعرفة والمهارات التي تساعد الطفل على استخدام التكنولوجيا بصورة أكثر وعيًا، مع إدراك المخاطر التي قد يواجهها وكيفية التصرف عند وقوعه في موقف غير آمن.

 

 

«حملة»: نريد بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا

 

وقال منسق مشاريع المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي «حملة»، مهدي كرزم، إن لعبة «المدافع الرقمي» تأتي ضمن جهود المركز الرامية إلى تعزيز الحقوق الرقمية وبناء بيئة رقمية أكثر أمانًا.

 

وأوضح أن المركز يعمل على تطوير أدوات وموارد تعليمية تسهم في رفع مستوى الوعي الرقمي لدى مختلف الفئات، مع التركيز بصورة خاصة على الأطفال، نظرًا إلى حاجتهم إلى أدوات تعليمية تتناسب مع أعمارهم وطبيعة استخدامهم للتكنولوجيا.

 

وأشار كرزم إلى أن المركز يأمل أن تسهم اللعبة في تمكين الأطفال من اكتساب مهارات عملية تساعدهم على التفاعل مع العالم الرقمي بثقة وأمان.

 

 

تجربة عربية في التوعية بالأمن الرقمي

 

وتقدم «المدافع الرقمي» نموذجًا لاستخدام التكنولوجيا نفسها في مواجهة المخاطر المرتبطة بها، من خلال تحويل لعبة الفيديو إلى أداة للتوعية والتدريب بدلًا من اقتصار دورها على الترفيه.

 

وتكتسب التجربة أهمية إضافية من تقديم المحتوى باللغة العربية، بما يتيح للأطفال الناطقين بالعربية الوصول إلى مفاهيم الأمن الرقمي من خلال تجربة مصممة بلغتهم، إلى جانب توفير النسخة الإنجليزية.

 

كما أن إتاحة اللعبة مجانًا وعبر أكثر من منصة يوسع نطاق الاستفادة منها، سواء بالنسبة إلى الأطفال أو الأسر أو المؤسسات التعليمية الراغبة في استخدام أدوات تفاعلية لتقديم مفاهيم السلامة الرقمية.

 

 

التكنولوجيا بين الترفيه والحماية

 

ومع استمرار توسع استخدام الأطفال للإنترنت، لم تعد قضية السلامة الرقمية مسألة تقنية تخص المتخصصين وحدهم، وإنما أصبحت جزءًا من التربية اليومية للطفل.

 

فالطفل الذي يستخدم الهاتف أو الحاسوب أو الجهاز اللوحي ويتفاعل مع الألعاب والمنصات الرقمية يحتاج إلى معرفة أساسية بكيفية حماية خصوصيته، وكيفية التعامل مع الغرباء، ومتى يرفض مشاركة معلوماته، وكيف يميز الروابط والمحتويات المشبوهة، وماذا يفعل عندما يواجه موقفًا يثير الشك أو الخوف.

 

ومن هذا المنطلق، تحاول «المدافع الرقمي» تقديم هذه المعرفة بصورة مبسطة وتفاعلية، مستفيدة من جاذبية الألعاب الإلكترونية لدى الأطفال لتحويل التوعية إلى تجربة عملية.

 

وفي النهاية، تعكس المبادرة اتجاهًا متزايدًا نحو البحث عن أدوات تعليمية جديدة تتناسب مع طبيعة الجيل الذي ينشأ داخل البيئة الرقمية، بحيث لا يكون الهدف فقط حماية الأطفال من الإنترنت، وإنما تعليمهم كيفية استخدامه بأمان ووعي وثقة.