سجلت أسواق الماشية في محافظات مصر هبوط سعر كيلو البقري القائم إلى 175 جنيها، مع خسائر تقارب 7 آلاف جنيه للرأس الصغيرة، نتيجة ركود البيع الذي ضغط على المربين دون انعكاس مماثل لدى الجزارين.

 

ويكشف اتساع الفجوة بين سعر الحيوان الحي واللحوم المباعة للمواطن كيف تُترك الأسرة فريسة لغلاء لا يتراجع، بينما تدفع سياسات الأجور المنهكة والرقابة الضعيفة المنتج والمستهلك معا إلى الخسارة لمصلحة حلقات الوساطة.

 

وبحسب بيانات السوق، هبط سعر البقري القائم من نحو 190 إلى 175 جنيها للكيلو، وتراجع الجاموسي من 155 إلى 145 جنيها، فيما ظل سعر اللحوم في محال كثيرة بعيدا عن مقدار الانخفاض المسجل.

 

مربون تحت ضغط التكلفة

 

وأكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن الركود أصاب مختلف أنواع الماشية وأضعف حركة البيع والشراء، محذرا من أن تزامن الهبوط مع ارتفاع تكاليف التربية والرعاية البيطرية يلتهم هوامش المربين ويهدد استمرارهم.

 

ووفقا لأبو صدام، تراجعت إناث الماشية صغيرة السن من نحو 35 ألف جنيه للرأس إلى أقل من 27 ألفا، بما يقارب 7 آلاف جنيه خسارة، بينما هبطت الأبقار الوالدة بين 10 آلاف و20 ألفا.

 

كذلك انخفضت العجول البلدي إلى نطاق بين 160 و170 جنيها للكيلو القائم بعدما دارت سابقا بين 200 و220 جنيها، لتتراوح قيمة الرأس المتوسطة والكبيرة حاليا بين 50 ألفا و85 ألف جنيه.

 

وفي المقابل، سجلت العجول الجاموسي بين 145 و150 جنيها للكيلو بدلا من نطاق سابق بين 170 و190 جنيها، وأصبحت قيمة الرأس المتداولة بين 40 ألفا و70 ألف جنيه وفقا للوزن والحالة.

 

أما الخراف البلدي، فتراجع الكيلو القائم منها إلى ما بين 230 و250 جنيها مقابل 270 و290 جنيها سابقا، بينما تراوحت قيمة الرأس بين 13 ألفا و22 ألف جنيه للأوزان المختلفة.

 

وبالنسبة إلى الخراف البرقي، هبط السعر إلى نطاق بين 280 و285 جنيها للكيلو القائم بدلا من 300 إلى 320 جنيها، لتستقر قيمة الرأس الواحدة بين 16 ألفا و25 ألف جنيه.

 

ومن جهة أخرى، سجل الماعز والجديان بين 280 و290 جنيها للكيلو القائم بعد مستويات تراوحت بين 300 و320 جنيها، لتنخفض قيمة الرأس إلى نطاق يبدأ من 8 آلاف ويصل إلى 15 ألف جنيه.

 

ويعني ذلك أن موجة الهبوط لم تقتصر على صنف منفرد، بل امتدت عبر الأبقار والجاموس والخراف والماعز، بما يؤكد أن المشكلة الأساسية في الطلب المنهار وليست وفرة رخاء وصلت إلى موائد المصريين.

 

وبالتوازي مع ذلك، بقيت الأعلاف والنقل والعمالة والتحصينات والرعاية البيطرية عند مستويات تثقل دورة الإنتاج، فتحول انخفاض سعر البيع إلى خسارة مباشرة للمربي، بدلا من كونه ثمرة لتراجع حقيقي ومنظم في تكلفة التربية.

 

فجوة لا تصل للمستهلك

 

وقال هيثم عبد الباسط، نائب رئيس شعبة القصابين، إن كيلو اللحوم الحمراء لدى محال الجزارة تراوح خلال يوليو بين 450 و500 جنيه، رغم دوران سعر العجول الحية حينها بين 170 و180 جنيها للكيلو.

 

وأوضح عبد الباسط أن اللحوم المباعة للمستهلك انخفضت بنحو 10 جنيهات فقط، مرجعا ذلك إلى الركود بعد عيد الأضحى وضعف القدرة الشرائية وانشغال الأسر بمصروفات أخرى، وهو تراجع محدود قياسا بهبوط الماشية.

 

وفي حين تتحمل الأسر سعرا يصل إلى 500 جنيه للكيلو، لا يحصل المربي إلا على سعر قائم متهاو، فتتسع مساحة التساؤل عن نصيب الذبح والنقل والتشغيل وهوامش التداول من الفارق الضخم بين السعرين.

 

وعمليا لا يساوي كيلو الحيوان الحي كيلو لحم صافيا بسبب العظام والجلود والأحشاء والفقد، لكن ذلك لا يلغي ضرورة شفافية التسعير وإعلان تكلفة كل حلقة، خصوصا عندما تتراجع المادة الخام بعشرات الجنيهات.

 

ومع ذلك، فإن ضعف الرقابة يتيح تفاوتات واسعة بين المناطق والمحلات، ويجعل المستهلك عاجزا عن معرفة ما إذا كان السعر يعكس التكلفة فعلا أم يحتفظ بهوامش قديمة رغم شراء الماشية بأسعار أحدث وأقل.

 

وعند المقارنة، تكشف خسارة الرأس الصغيرة البالغة نحو 7 آلاف جنيه مقابل انخفاض التجزئة المحدود أن آلية انتقال الأسعار تعمل بسرعة عند الارتفاع وببطء شديد عند الهبوط، في اختلال يتحمل كلفته الطرفان الأضعف.

 

نتيجة لذلك، قد يدفع استمرار الخسائر صغار المربين إلى بيع الإناث أو الخروج من النشاط، ما يقلص القاعدة الإنتاجية المحلية ويمهد لاحقا لنقص المعروض وعودة الأسعار إلى الصعود بصورة أشد على المستهلك.

 

وفي الوقت نفسه، أدى انخفاض أسعار الدواجن والأسماك نسبيا إلى انتقال أسر كثيرة نحو البروتين الأبيض، ليس بوصفه تحولا اختياريا دائما، بل استجابة اضطرارية لدخول فقدت قدرتها على ملاحقة أسعار اللحوم الحمراء.

 

وتزيد موجات الحر العبء على المربين بسبب مخاطر الأمراض والنفوق وكلفة التبريد والرعاية، كما تدفع بعضهم إلى تأجيل شراء رؤوس جديدة، وهو ما يضاعف الركود الراهن ويهدد دورات الإنتاج المقبلة.

 

رقابة غائبة وحلول مؤجلة

 

وتوقع مصطفى وهبة، رئيس شعبة القصابين بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن ينعكس انخفاض تكلفة الماشية بنحو 10 جنيهات على اللحوم بتراجع تدريجي يتراوح بين 10 و20 جنيها، مع انتظام السوق وزيادة المعروض.

 

ويرى وهبة أن الانخفاض لا يظهر دفعة واحدة بسبب بطء عودة الجزارين إلى نشاطهم الكامل بعد الموسم، غير أن مرور أسابيع على التراجع يجعل انتظار المواطن بلا جدول زمني واضح موضع انتقاد مشروع.

 

ومن ثم، لا تكفي الدعوات العامة لتنشيط السوق، بل يلزم نشر متوسطات يومية لأسعار القائم والذبيح والتجزئة في المحافظات، حتى يعرف المواطن مقدار الهامش ويستطيع المربي التفاوض على أساس معلن لا تقديرات غامضة.

 

علاوة على ذلك، يتطلب إنقاذ القطاع دعما موجها لصغار المربين في الأعلاف والتحصينات والتمويل، وربط هذا الدعم بعدم ذبح الإناث المنتجة، حتى لا تتحول المعالجة القصيرة إلى استنزاف طويل للثروة الحيوانية.

 

وأمام الفجوة القائمة، تصبح الرقابة على حلقات التداول والمجازر ومحال الجزارة ضرورة لحماية المنافسة، مع محاسبة الممارسات الاحتكارية وإلزام البائع بإظهار نوع اللحوم ومصدرها وسعرها، بدلا من ترك السوق لشعارات العرض والطلب.

 

وفي المحصلة، يختصر سعر البقري القائم عند 175 جنيها أزمة مزدوجة، مربي يخسر حتى 7 آلاف جنيه في الرأس الصغيرة، ومواطن لا يلمس الانخفاض كاملا، بينما تتفرج الحكومة على فجوة تستنزف الطرفين.