رفعت شركات الطيران العاملة بين مصر والسعودية سعر تذكرة عمرة سبتمبر إلى نحو 20 ألف جنيه في بعض العطلات، لتدخل برامج الموسم الجديد موجة زيادة مرتقبة تهدد قدرة آلاف المصريين على تحمل تكلفة الرحلة.

 

ويكشف هذا الغلاء كيف تترك الشعيرة الدينية لقواعد سوق منفلتة، بينما تتراجع قدرة الأسر تحت ضغط الأجور الضعيفة والتضخم، فتتحول العمرة من حلم متاح لشرائح واسعة إلى امتياز يقترب أكثر من أصحاب الدخول المرتفعة.

 

 

مقاعد أغلى وبرامج مرتبكة

 

وبداية، أكد مصدر مسؤول بغرفة شركات السياحة أن الزيادة الراهنة لا ترتبط بتطبيق الإعاشة، بل بقفزة تذاكر السفر مع ارتفاع الطلب خلال سبتمبر، وهي ذروة تستغلها الناقلات لتمرير أسعار أشد قسوة.

 

وفي المقابل، ارتفع خط القاهرة إلى جدة إلى نحو 18 ألف جنيه، بينما بلغ مسار الذهاب إلى جدة والعودة من المدينة المنورة نحو 19 ألفا، وقد يصل إلى 20 ألفا خلال بعض عطلات الأسبوع.

 

وبالمقارنة، كان متوسط التذكرة قبل الزيادة الأخيرة يدور حول 16.5 ألف جنيه، ما يعني إضافة تصل إلى 3.5 آلاف جنيه خلال فترة قصيرة، قبل احتساب السكن والتنقل والتأشيرة وأي خدمات جديدة محتملة.

 

ومن جهة أخرى، لم يمنع تشغيل رحلات إضافية من استمرار الزيادة، لأن تنامي الطلب منح شركات الطيران مساحة أوسع للتسعير، بينما بقي المسافر الفرد الطرف الأضعف أمام سوق لا يوفر بدائل كافية أو حماية واضحة.

 

وفي السياق نفسه، تجد شركات طرحت برامجها مبكرا بأسعار منخفضة نفسها أمام فارق تكلفة مفاجئ، إذ لم تتوقع هذه القفزة عند حساب الباقات، ما يهدد هوامشها أو يدفعها إلى مطالبة العملاء بمبالغ إضافية.

 

وعلى النقيض، تبدو الشركات التي حجزت المقاعد وأبرمت تعاقداتها مبكرا أقل تعرضا للصدمة، بينما ستعيد الشركات المتأخرة تسعير برامجها، وهو تفاوت قد يفتح باب الارتباك والنزاعات حول العقود المعلنة للمواطنين.

 

ووفقا لحمزة عنبي، عضو الاتحاد المصري للغرف السياحية، فإن زيادات تذاكر الطيران تنعكس مباشرة على برامج العمرة، وهو توصيف يوضح أن أي قفزة في المقعد تنتقل سريعا إلى الفاتورة النهائية للمعتمر.

 

وعليه، لا تبدو عبارة العرض والطلب تفسيرا كافيا لإعفاء الجهات المنظمة من المسؤولية، فالموسم معروف مسبقا، وحماية المستهلك تقتضي شفافية في التسعير وإعلانا مبكرا للتكاليف ومنعا لتغيير العقود بعد تحصيل الأموال.

 

 

وجبات معلقة بلا تسعير

 

أما بشأن الإعاشة، فلم تبدأ السلطات السعودية تطبيق النظام الإلزامي حتى الآن، رغم الإعلان عنه من حيث المبدأ، ولم تتلق شركات السياحة المصرية موعدا رسميا أو قائمة أسعار أو تحديدا لعدد الوجبات المطلوبة.

 

وبحسب التصور المتداول، سيصبح إصدار تأشيرة العمرة مرتبطا بحجز الوجبات مسبقا عبر منصة نسك، على أن يختار الوكيل أو المعتمر الخدمة من مطابخ وشركات معتمدة تعمل داخل مكة المكرمة وفق ضوابط محددة.

 

وحتى الآن، أبلغ وكلاء سعوديون بعض الشركات باحتمال بدء التنفيذ مطلع ربيع الأول، لكن هذا التوقيت لم يتحول إلى تعليمات رسمية، ما يجعل بناء البرامج المقبلة قائما على توقعات لا على قواعد مكتملة.

 

وفوق ذلك، لا تعرف الشركات قيمة الوجبة ولا عدد الوجبات ولا طريقة تقديمها، ومع ذلك تواجه ضغط إعداد الباقات وبيعها، بينما يبقى العميل مطالبا باتخاذ قرار مالي من دون معرفة السعر النهائي للخدمة.

 

وبدوره، توقع باسل السيسي، عضو الجمعية العمومية لغرفة شركات السياحة، زيادة برامج الموسم بين 10 و15 في المئة بسبب سعر الريال والإقامة وتأخر التعاقدات، منتقدا تأخر الضوابط التي كانت ستتيح برامج اقتصادية أفضل.

 

وبالتالي، يضيف احتمال الإعاشة طبقة جديدة إلى أسباب الغلاء التي عددها السيسي، إذ تدخل تكلفة غير محسومة فوق أسعار الطيران والفنادق، في وقت لا تملك فيه الشركات أو الأسر أساسا مستقرا للمقارنة.

 

ومع ذلك، قد تحقق الوجبات المنظمة فائدة خدمية لبعض المعتمرين، لكن إلزام الجميع بها من دون بدائل وأسعار معلنة يهدد بتحويل التنظيم إلى عبء إضافي، خصوصا على من يعتمدون البرامج الاقتصادية لتقليل النفقات.

 

وبناء على ذلك، تصبح الشفافية شرطا قبل التنفيذ، عبر إعلان التكلفة وعدد الوجبات ومعايير الجودة وسياسة الاسترداد، حتى لا يفاجأ المعتمر بخدمة مفروضة لا تناسب احتياجاته الصحية أو قدرته المالية أو مدة إقامته.

 

 

الأسر أمام فاتورة مفتوحة

 

وفي حال اعتماد النظام بصورته المتداولة، تقدر الزيادة بنحو 5 آلاف جنيه للفرد، وهي كلفة تضاف إلى ارتفاع التذكرة، لتقترب الزيادة المجمعة المحتملة من 8.5 آلاف جنيه مقارنة بسعر الطيران السابق وقبل الإعاشة.

 

ومن ثم، ستضطر شركات السياحة إلى إعادة هيكلة الباقات وإضافة بند الطعام وتحديد آلية تنفيذه، لكن هذه العملية قد تتحول إلى ساحة تحميل متبادل للتكاليف إذا غابت العقود المفصلة والرقابة الفعلية.

 

وعلاوة على ذلك، تضرب الزيادة الأسرة التي تسافر بأكثر من فرد بصورة مضاعفة، فإضافة 5 آلاف جنيه لكل شخص تعني 20 ألف جنيه لأسرة من أربعة أفراد قبل فروق الطيران والسكن والمصروفات اليومية.

 

وفي هذا الإطار، حذر ناصر تركي، نائب رئيس الاتحاد المصري للغرف السياحية، من برامج عمرة وهمية تروجها صفحات التواصل، مؤكدا أن المعتمر يجب أن يعرف تفاصيل الخدمة لا أن ينظر إلى السعر وحده.

 

وتأسيسا على تحذيره، تزداد مخاطر العروض الوهمية كلما ارتفعت الأسعار الرسمية، لأن الفارق الكبير يغري الباحثين عن الأرخص، ما يستدعي رقابة أسرع على الإعلانات وإتاحة وسيلة علنية للتحقق من الشركات والبرامج.

 

وبصورة أوسع، لا ينبغي أن تصبح حماية المعتمر ذريعة لتجميع خدمات إجبارية بلا اختيار، كما لا يجوز تركه نهبا لإعلانات رخيصة مضللة، والحل يبدأ بضوابط واضحة تجمع جودة الخدمة وعدالة السعر.

 

وفي الوقت ذاته، تتحمل وزارة السياحة والجهات الرقابية المصرية مسؤولية إلزام الشركات بإظهار مكونات السعر كاملة، والفصل بين تكلفة التذكرة والسكن والإعاشة والرسوم، ومنع أي زيادة لاحقة لا يقرها عقد صريح.

 

وأخيرا، يحتاج الموسم إلى إعلان مشترك يحدد موعد الإعاشة وأسعارها وخياراتها قبل بيع البرامج، مع نشر متوسطات أسعار الطيران ومراقبة الشكاوى، كي لا يدفع المواطن ثمن قرارات متأخرة وتنسيق غائب.

 

وخلاصة الأمر، فإن رفع التذكرة إلى 20 ألف جنيه واحتمال إضافة 5 آلاف للإعاشة يكشفان فاتورة تتسع بلا يقين، بينما يبقى المعتمر المصري مطالبا بتمويل الارتباك بين الناقلات والشركات والمنصات والجهات المنظمة.