اقتربت الذكرى السنوية لمجزرتي رابعة العدوية والنهضة اللتين وقعتا في الرابع عشر من أغسطس لعام ألفين وثلاثة عشر. وفرقت قوات الأمن المصرية في ذلك اليوم الدامي اعتصامين متزامنين في العاصمة القاهرة والجيزة مستخدمة القوة المسلحة المفرطة. وخلف هذا التدخل العنيف مئات القتلى وآلاف الجرحى في يوم واحد ليصبح من أكثر الأحداث وحشية ودموية في تاريخ مصر الحديث.
وحدث هذا الفض المروع وسط حشود مدنية احتجت سلميا على عزل الرئيس المنتخب دكتور محمد مرسي ورفعت مطالب سياسية واضحة ومحددة. وحولت المقاربة الأمنية الصارمة الساحات المكتظة إلى مشاهد تشبه ساحات القتال وسط استخدام واسع النطاق للذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع. وغاب عن هذا المشهد الكارثي أي ممر آمن يسمح للمتظاهرين العزل بالخروج والنجاة بأرواحهم من ساحة الموت.
وتشكل هذه الأحداث المتعاقبة انتهاكات حقوقية جسيمة في الحياة وحق المواطن في التجمع السلمي والحماية الكاملة من الاستخدام المفرط للقوة. وتكفل الإعلانات العالمية والمواثيق الدولية للحقوق المدنية والسياسية هذه الحقوق الأساسية وتعتبرها مرجعيات أخلاقية وقانونية ملزمة لجميع الدول. ولم تنته المأساة العميقة عند لحظة الفض بل امتدت تداعياتها الكارثية لسنوات طويلة عجت بالانتهاكات وتكميم الأفواه.
وشهدت البلاد إثر ذلك الحدث الجلل موجات واسعة النطاق من الاعتقالات والمحاكمات العسكرية التي طالت مئات القادة المعارضين وآلاف المشاركين في الاعتصامات. وطالت هذه الحملات الأمنية الصارمة أيضا كل شخص اشتبهت السلطات في تعاطفه مع المعتصمين وقضيتهم العادلة. وتجدد المنظمات الحقوقية في هذه الذكرى الأليمة نداءاتها بضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف لمحاسبة المسؤولين الفعليين عن عمليات القتل الجماعي.
"يستمر الصمت الرسمي في مواجهة هذه الانتهاكات مقترنا بغياب الخطوات الحقيقية نحو المساءلة ليرسخ حالة الإفلات من العقاب ويبقي جراح رابعة مفتوحة في سجل مصر الحقوقي."
- المنظمة العربية لحقوق الإنسان في المملكة المتحدة
الاختفاء القسري وأداة القمع الممنهجة
ومثلت المجزرة المروعة نقطة تحول حاسمة في المسار السياسي الذي أعقب الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي ضد الرئيس الراحل محمد مرسي. وأسفرت إراقة الدماء الغزيرة عن مقتل أكثر من ألف شخص وفقا لتقارير حقوقية متعددة وموثوقة. وفتحت عملية الفض الباب واسعا أمام نمط أوسع من الانتهاكات المستمرة وأبرزها ظاهرة الاختفاء القسري التي تحصد أرواح الأبرياء في صمت.
ووثقت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان اختطاف أربعة وعشرين شخصا على الأقل من محيط الاعتصام السلمي في ذلك اليوم المشؤوم. وبقي مصير هؤلاء الضحايا مجهولا منذ لحظة اعتقالهم وسط تعنت السلطات ورفضها الكشف عن أماكن وجودهم أو ظروف احتجازهم القاسية. وتكابد عائلات المخفيين عناء البحث الدائم عن إجابات شافية عبر متاهات الأجهزة الأمنية والسجون العسكرية دون جدوى تذكر.
ويواجه الأهالي المكلومون صمتا مطبقا وإنكارا متكررا تصدره مؤسسات الدولة الرسمية ردا على استفساراتهم الدائمة ومناشداتهم الإنسانية. وتعيد ذكرى رابعة في كل عام قضية المخفيين قسرا إلى واجهة الأحداث ليجسدوا الوجه الخفي والمظلم لجريمة جماعية لم تحل تداعياتها بعد. وتحول الاختفاء القسري المروع منذ ذلك اليوم إلى أداة ممنهجة لإسكات أصوات المعارضة والقضاء التام على المساحة العامة.
وتميزت حقبة ما بعد الانقلاب العسكري بعمليات قتل جماعي متعمدة أعقبتها سياسة صارمة لطمس الأجساد والأصوات خلف جدران السجون المعتمة. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي شهادات مؤثرة ومبكية تروي تفاصيل مرعبة عن اختطاف شباب يافعين كانوا يساعدون ببسالة في إجلاء الجرحى والمصابين. ونشرت شقيقة المخفي قسرا عمر حماد رسالة مبكية تؤكد فيها غياب أي معلومة عن أخيها منذ اثني عشر عاما عجافا.
"عمر ليس رقما في ملف أو قضية منسية بل هو إنسان ضحك وحلم وأحب الحياة ولن يمحو غيابه مكانه في قلوبنا."
- جهاد محمد، شقيقة المخفي قسرا عمر حماد
وبرزت قصة الخياط سعيد سيد رمضان علي كواحدة من أبرز حالات الاختفاء القسري الموجعة التي تلت فض الاعتصام مباشرة. وفقدت عائلة سعيد كل سبل التواصل الهاتفي معه بعد صلاة العصر في ذلك اليوم الدامي الذي شهد إطلاق نار كثيف. وبحثت الأسرة طويلا في المستشفيات والمشارح وأقسام الشرطة وقدمت شكاوى رسمية دون أن تتوصل إلى أي أثر يدل على حياته أو مماته.
وتحمل قصة عادل درديري ونجله الطالب محمد بعدا مأساويا إضافيا يدمي القلوب ويفطر الأكباد حزنا وكمدا. وتلقت العائلة المفجوعة اتصالا يفيد بمقتل محمد البالغ من العمر سبعة عشر عاما برصاص قوات الأمن الغادرة داخل الميدان. وسارع الأب المكلوم عادل لاستلام جثة ابنه الطاهرة ليختفي هو الآخر ومعه جثمان ولده انقطاعا تاما عن العالم الخارجي.
وطالت يد الاختفاء الغاشمة أيضا المهندس الشاب محمد خضر علي محمد الذي انقطع الاتصال به وهو يرزح تحت وابل من النيران الكثيفة. وبدأت العائلة الصابرة رحلة بحث طويلة وشاقة تضمنت تقديم عينات الحمض النووي ورفع دعاوى قضائية باءت جميعها بالفشل الذريع. وتؤكد شهادات الناجين المروعة أن الفوضى والرصاص والدخان ابتلعت كل شيء حي في الساحة لتبدأ حكايات الغياب الطويل والمؤلم.
وشوهد الطالب الجامعي عبد الحميد محمد عبد السلام لآخر مرة في شارع الطيران المتاخم للمسجد قبل أن تقتاده قوات الأمن عنوة إلى جهة مجهولة. وأجرى محمود محمد عبد السميع اتصالا هاتفيا أخيرا بعائلته يخبرهم فيه بمحاصرته التامة وسط نيران كثيفة قبل أن ينقطع الخط للأبد. وكرس المهندس محمد الشحات عبد الشافي أحمد جهوده النبيلة لإسعاف الجرحى والمصابين لتبتلعه هو الآخر آلة الاختفاء المظلمة تاركا خلفه أسئلة بلا إجابات.
"قد يكون الكثير من المخفيين بعد رابعة من بين الذين أحرقت جثامينهم أو نقلوا سرا من المستشفى الميداني ضمن جهد متعمد لإخفاء الجريمة."
- كريم اليعقوبي، المحامي والمدافع المصري عن حقوق الإنسان
غياب المساءلة وتجاهل المواثيق الدولية
وأكد المحامي والباحث الحقوقي حليم حنيش أن قضية الاختفاء القسري في مصر تفتقر إلى أي إحصائيات دقيقة سواء للمختفين يوم المجزرة أو في السنوات اللاحقة. وقارن حنيش الوضع المصري المزري بما حدث في الأرجنتين إبان دكتاتورية الجنرال خورخي فيديلا محذرا من أن الواقع المصري ينذر بخطر أكبر وأشد وطأة. وأشار الباحث الحقوقي إلى تحول هذا الإجراء التعسفي إلى روتين يومي تمارسه السلطات ضد المعتقلين بنسب تتجاوز التسعين بالمئة.
وتجاوزت أعداد المخفيين قسرا في مصر حاجز الخمسة عشر ألف حالة منذ يوليو لعام ألفين وثلاثة عشر وفقا لتوثيق مؤسسة مركز الشهاب لحقوق الإنسان. وتنفي السلطات المصرية بشدة وبصورة متكررة هذه الأرقام المفزعة رغم توالي الشهادات وتقارير المنظمات الدولية المستقلة التي تؤكد صحتها. ويمثل رفض مصر التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري عقبة كأداء تعرقل مساعي العائلات لمعرفة مصير ذويها.
ويخلو التشريع المحلي المصري من أي نصوص قانونية واضحة تعترف بظاهرة الاختفاء القسري أو تجرم مرتكبيها بشكل صريح ومباشر. وينص الدستور المصري في مادته الرابعة والخمسين صراحة على حظر القبض على أي شخص أو احتجازه إلا بأمر قضائي مسبب. وتبقى هذه النصوص الدستورية الجميلة حبرا على ورق في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية لحل هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي تعصف بالمجتمع.
وفرضت قوات الجيش والشرطة طوقا أمنيا محكما بالأسلاك الشائكة حول المستشفى الميداني في رابعة يوم الفض مطلقة قنابل الغاز والرصاص المطاطي بكثافة. واقتحمت القوات المجهزة المستشفى عنوة وأخرجت الطواقم الطبية والجرحى بالقوة الجبرية واستولت على عشرات الجثث المكدسة في الممرات. وتواترت شهادات قوية وموثقة تحذر من وقوع عمليات قتل جماعي وإحراق متعمد للجثث ونقلها لمستشفيات أخرى لطمس معالم الجريمة المروعة.
وتجاهلت لجان تقصي الحقائق الرسمية إشراك الضحايا وعائلاتهم في التحقيقات ولم تفصح عن أي تفاصيل تخص مصير المفقودين للرأي العام. وعمق هذا التجاهل المتعمد شكوك المنظمات الحقوقية حول استقلالية هذه اللجان ونزاهة تحقيقاتها التي لم تسفر عن أي نتائج ملموسة. وتوقفت عملية العدالة الانتقالية في مصر تماما لتظل قضية رابعة والمخفيين قسرا جرحا غائرا ينتظر كشف الحقائق ومحاسبة الجناة الفعليين.
"لا تنتهي المأساة عند المخفيين قسرا بل تمتد لتطال أقاربهم الذين اختفى بعضهم أثناء رحلة البحث عن أحبائهم أو عند الحديث علنا عن القضية."
- حليم حنيش، محامي وباحث حقوقي مصري
معاناة المعتقلين داخل مجمع بدر سيئ السمعة
ونقلت السلطات الكثير من هؤلاء المعتقلين والمخفيين لاحقا إلى مجمع سجون بدر الجديد الواقع شمال العاصمة المصرية القاهرة. وأصبح سجن بدر ثلاثة وجهة رئيسية لكبار المعتقلين السياسيين ورمزا للانتهاكات المستمرة التي تشمل الحبس الانفرادي المطول والحرمان التام من الزيارات العائلية. وتفرض إدارة السجن المذكور قيودا قاسية وصارمة على التواصل مع العالم الخارجي وتمنع الرعاية الطبية الضرورية عن السجناء المرضى وكبار السن.
وتشكل هذه الممارسات التعسفية الممنهجة خرقا واضحا للمادة العاشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحمي حقوق السجناء. وتنص هذه المادة بجلاء ووضوح على وجوب معاملة جميع المحرومين من حريتهم بإنسانية كاملة واحترام لكرامتهم المتأصلة دون أي تمييز. وخاض العديد من المعتقلين البارزين إضرابات مفتوحة عن الطعام احتجاجا على ظروف الاحتجاز المزرية مسلطين الضوء بشجاعة على خطورة الوضع الإنساني.
وتفتقر العائلات المكلومة إلى أي أخبار عن ذويها القابعين خلف القضبان لسنوات طويلة تتجاوز العقد الزمني في بعض الحالات المأساوية. وتمنع السلطات الأهالي من الزيارة وترفض بشكل قاطع إبلاغهم بتطورات الحالات الصحية للمعتقلين ليقتصر حصولهم على المعلومات على التسريبات الشحيحة. ويترك هذا الغياب الطويل والمفروض عنوة آثارا نفسية مدمرة على العائلات والأطفال الذين كبروا وصاروا شبابا دون رؤية آبائهم أو معانقتهم.
"تصور ألا ترى والدك أو شقيقك أو ابنك طيلة اثني عشر عاما رغم سهولة السماح بالزيارات لو توفرت الإرادة الحقيقية لدى السلطات."
- مصدر مقرب من عائلات المعتقلين في حديث لموقع ميدل إيست آي
وسجلت المفوضية المصرية للحقوق والحريات وفيات عديدة بين المعتقلين السياسيين داخل سجن بدر ثلاثة الموحش نتيجة الإهمال الطبي المتعمد والممنهج. وشهد السجن طفرة مقلقة وحزينة في محاولات الانتحار بين السجناء جراء تفاقم الانتهاكات وحرمانهم المستمر من أبسط حقوقهم الإنسانية والمعيشية. وتولت إدارة أمنية جديدة مقاليد الأمور في السجن لتمارس أساليب أكثر قسوة ووحشية وتقطع كل سبل تسريب المعلومات إلى الخارج.
وتلفق السلطات الأمنية تهما جديدة للمعتقلين السياسيين فور انتهاء فترات عقوباتهم القانونية في ممارسة قمعية تعرف إعلاميا وحقوقيا بتدوير القضايا. وتهدف هذه السياسة الممنهجة والشرسة إلى إبقاء المعارضين في السجن إلى أجل غير مسمى دون الخضوع لمحاكمات عادلة أو نزيهة. وتمتد حملات الاستهداف الأمني لتشمل أفراد عائلات السياسيين المعارضين الذين يواجهون بدورهم الاعتقال التعسفي والمنع من السفر وتجميد الأموال.
"يمضي السجناء الجنائيون فترات عقوبتهم ويخرجون بينما يشبه الإفراج عن المعتقلين السياسيين عمليات التفاوض على الرهائن."
- سمر الحسيني، المديرة التنفيذية للمنتدى المصري لحقوق الإنسان
وتستمر معاناة الشاب أنس البلتاجي الذي يقبع في ظلمة السجن منذ أكثر من عقد كامل لمجرد كونه نجل القيادي المعارض البارز محمد البلتاجي. وتدهورت صحة البلتاجي الأب الجسدية والنفسية بشكل حاد ومقلق إثر وضعه في الحبس الانفرادي الانعزالي بعد خوضه إضرابا طويلا عن الطعام. وصدرت أحكام قاسية بالسجن لسنوات طويلة على عائشة الشاطر وزوجها المحامي محمد أبو هريرة وسط تقارير موثقة تفيد بتعرضهما لتعذيب وحشي وحرمان من العلاج.
ويعيش المعتقلون السياسيون في مصر واقعا مريرا يفتقر لأدنى معايير العدالة والإنسانية في ظل صمت دولي وتجاهل متعمد للمواثيق والحقوق الأساسية. وتطالب المنظمات الحقوقية والإنسانية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذ أرواح الأبرياء القابعين في سجون الموت والعمل الجاد على كشف مصير المخفيين قسرا. وتبقى ذكرى مجزرة رابعة العدوية محطة مؤلمة تذكر العالم بأسره بضرورة استمرار النضال السلمي حتى تتحقق العدالة الغائبة وينال الجناة عقابهم المستحق.
https://aohr.org.uk/rabaa-massacre-an-open-file-on-grave-human-rights-violations-in-egypt/?utm_source=perplexity
https://www.alestiklal.net/en/article/forcibly-disappeared-in-egypt-since-the-rabaa-massacre-why-their-fate-remains-unknown-today?utm_source=perplexity
https://www.middleeasteye.net/news/egypt-political-prisoner-families-live-terror-amid-spiralling-detention-abuses

